بقلم: يريفان سعيد

تلعب عوامل الاقتصاد والفساد والحوكمة دورًا في هجرة الأكراد إلى أوروبا، ولكن يبقى انعدام الثقة في المستقبل السياسي للإقليم الكردي السبب الرئيسي.

ففي الآونة الأخيرة، هيمنت أزمة الهجرة الكردية على الحدود بين بولندا وبيلاروسيا على وسائل الإعلام الدولية، حيث تحوّل المهاجرون العالقون في البرد القارس والقاتل أداة جيوسياسية ساخنة تمكّن مينسك من انتزاع تنازلات من الاتحاد الأوروبي. فقد عبر الآلاف من المهاجرين من الشرق الأوسط ومناطق أخرى بيلاروسيا وصولاً إلى بولندا خلال الأشهر الاثني عشر الماضية. غير أن الآلاف غيرهم علقوا بين البلدين وسط تحصين بولندا لحدودها، ما أدّى إلى أزمة إنسانية مأساوية.

وخلال هذه الفترة، قمت بثلاث رحلات للذهاب إلى إقليم كردستان. وفي كل رحلة، لاحظت أن القيادة الكردية والشعب الكردي على السواء يعبرون عن حس متنامٍ من عدم اليقين حيال المستقبل بسبب إعادة موضعة الولايات المتحدة قوتها العسكرية باتجاه آسيا. ولا يمكن المغالاة في تأكيد أن انعدام الثقة بالمستقبل هو محفز قوي للهجرة من الإقليم. وعلى نحو مماثل، لم توحِ ملاحظات منسّق البيت الأبيض لشؤون الشرق الأوسط بريت ماكغوريك التي أدلى بها في الآونة الأخيرة حول عودة الولايات المتحدة إلى "الأساسيات" بالثقة. في الواقع، شدّد الخطاب مرة أخرى أمام الجمهور على أن مصالح واشنطن الاستراتيجية لم تعد قائمة على بناء دولة في الإقليم. وعليه، فإن التزام الولايات المتحدة بحماية حلفائها أصبح موضع شك كبير.

ونتيجةً لذلك، ووسط قلق دول "مجلس التعاون الخليجي" وسعيها إلى التطبيع مع خصومها وسط تنويع علاقاتها ردًا على تغيّر متصوّر لأولويات واشنطن، يكون لدى كيان مستقل ضعيف على غرار إقليم كردستان كل الأسباب للقلق حيال المستقبل في ظل التواجد الأمريكي المحدود.

وينبع هذا القلق بشكل جزئي من تاريخ الإقليم نفسه، حيث كان يحظى بحماية غربية منذ العام 1991. وقد منحت هذه الحماية الأكراد فرصة تشكيل حكومة تتمتع بديمقراطية فاعلة ولو كانت تشوبها بعض العيوب، وإقامة بنية تحتية، وجعل شرقي العراق المكان الأكثر استقطابًا للاستثمارات الأجنبية في البلاد. إلا أن هذه الانجازات أصبحت مهددة الآن، وبخاصةٍ وسط تنامي القناعة الكردية بأن العراق لم يعد ضمن قائمة أولويات الولايات المتحدة. وعليه، يخشى الأكراد أن يخسروا حماية الدول الغربية نتيجة ذلك وأن يُتركوا لمصيرهم في واحدة من أكثر المناطق الجيوسياسية غدرًا وعدائية في الشرق الأوسط.

يُذكر أن إقليم كردستان لا يملك منفذًا بحريًا وهو محاط بدول مجاورة عدائية تسعى إلى تقويض استقلال الأكراد السياسي والاقتصادي والثقافي. ففي العراق، تتمتع الجماعات الميليشياوية بنفوذ أكثر من الدولة والجيش معًا وسبق أن استهدفت الإقليم عدة مرات. وليست الاعتداءات بطائرات مُسيّرة على عاصمة الإقليم إربيل في 11 أيلول/سبتمبر 2021 والهجمات الصاورخية السابقة في شباط/فبراير سوى مؤشر على ما قد يواجهه الأكراد عندما تنسحب القوات الغربية من العراق.

وعليه، فإن اختيار بعض الأكراد الهجرة ردًا على ما سبق ليس مفاجئًا. فالأكراد الذين يسافرون إلى أوروبا لا يعانون بالضرورة ضائقة اقتصادية. في الواقع، هم يبيعون كل ما يملكونه للحصول على آلاف الدولارات الضرورية لدفع مصاريف رحلاتهم بغية الوصول إلى بوابات الاتحاد الأوروبي. في هذا السياق، تحدثتُ مؤخرًا إلى عائلة مؤلفة من 4 أفراد كانوا سافروا إلى الاتحاد الأوروبي عبر بيلاروسيا. فقد ترك الرجل وزوجته عملهما وباعا منزلهما وسيارتهما وغيرهما من الممتلكات– كل ذلك من أجل الهجرة إلى أوروبا مع أولادهما.

وحين سألتهما عن سبب مغادرتهما، أجاب الرجل أن "المستقبل غير واضح المعالم". لا شكّ في أن لكل شخص ظروفه وأسبابه الخاصة للرحيل. غير أن الإيمان المتزعزع بمستقبل الجيب الكردي باعتباره إقليمًا مستقلًا آمنًا ومستقرًا أُضيف إلى عوامل أخرى ساهمت في موجة الهجرة الأخيرة هذه. كما أن قرار هذه العائلة يعكس قرارات العديد غيرها ويبيّن كيف أن الخوف تغلّب على الأمل؛ فلم تعد الوظائف والمنازل والسيارات تعني شيئًا في ظل التهديد بعدم الاستقرار السياسي.

والحال أن هجرة الأكراد لا تضرّ بموارد رأس المال البشري في إقليم كردستان فحسب، بل أدّت بالفعل إلى تحديات أمنية وتوترات بين الاتحاد الأوروبي وبيلاروسيا لدرجة أن البعض توقّع اندلاع نزاع بين الطرفين. فضلًا عن ذلك، وضعت الظروف القاسية للمهاجرين الاتحاد الأوروبي أمام معضلة أخلاقية؛ فقد تلقت سمعته كملاذ لحقوق الإنسان صفعة قوية.

وبغية حلّ هذه المشكلة، يمكن للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وروسيا معالجة مسألة انعدام ثقة الأكراد بمستقبلهم من خلال قرار يصدر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يرمي إلى حماية إقليم كردستان من الاعتداءات الداخلية والخارجية على السواء. ومن المرجح أن تُقنع سياسة الضمانات هذه العديد من الأكراد بتجنب القيام برحلة خطيرة للوصول إلى أوروبا، وثمة أساسًا إثباتات سابقة على فعالية قرار مماثل. فقرار مجلس الأمن رقم 688 الصادر عام 1991، الذي وعد بحماية العراقيين المقموعين أفسح المجال أمام ملايين الأكراد لترك الدول المجاورة والعودة إلى ديارهم بعدما هربوا من القمع العسكري في العراق. وقد أعاد القرار 688 الأمل إلى نفوس الأكراد في ذلك الحين؛ وبالتالي، يمكن لإجراء مماثل أن ينطوي على المفاعيل نفسها الآن، بحيث يتصدى للشكوك الكبيرة حول ما يحمله المستقبل لأكراد العراق.

...................................
* يريفان سعيد هو مرشح للدكتوراه في مدرسة كارتر للسلام وحل النزاعات بجامعة جورج ميسون، عمل كمراسل سابق بالبيت الأبيض لتلفزيون "روداو" الكردي. كما عمل سعيد كصحفي ومترجم لدى العديد من الوكالات الإعلامية مثل نيويورك تايمز، والإذاعة الوطنية، وصحيفة وول ستريت جورنال، وبوسطون غلوب، و"بى بى سى"، وصحيفة الغارديان.

اضف تعليق