آراء وافكار - وجهات نظر

العقد الخطير

سياسة خارجية لعالم مأزوم
بقلم: ريتشارد هاس

"هناك عقود لا يحدث فيها شيء، وأسابيع تحدث فيها عقود". تُنسب هذه الكلمات، وإن شكك في الصيغة، إلى الثوري البلشفي (وقارئ صحيفة "فورين أفيرز") فلاديمير لينين، في إشارة إلى الانهيار السريع لروسيا القيصرية منذ ما يزيد قليلاً عن 100 عام. وإذا صدقت النسبة إلى لينين، فربما كان ليضيف أن ثمة عقوداً كذلك تحدث فيها قرون.

والعالم اليوم وسط عقد من هذا القبيل. وكما هو الحال في المفاصل التاريخية الأخرى، مصدر الخطر اليوم هو التدهور الحاد في النظام العالمي، بيد أنّ هذا التراجع يهدد أكثر من أي وقت آخر بالسقوط، بسبب تجمّع التهديدات القديمة والجديدة التي بدأت تتداخل في وقت قد تكون فيه الولايات المتحدة في وضع مناسب لمواجهتها.

فمن ناحية، يشهد العالم إحياء بعض أسوأ جوانب الجغرافيا السياسية التقليدية، على غرار منافسة القوى العظمى، والطموحات الإمبريالية، والصراع على الموارد. واليوم، يحكم روسيا طاغية، الرئيس فلاديمير بوتين، يتوق إلى تجديد مجال النفوذ الروسي وربما إلى إمبراطورية روسية. وبوتين على استعداد لفعل أي شيء تقريباً من اجل تحقيق هذا الهدف، وهو قادر على التصرف كما يحلو له لأن القيود الداخلية المفروضة على نظامه تلاشت في الغالب. وفي الأثناء، في عهد الرئيس شي جينبينغ، بادرت الصين إلى السعي وراء الصدارة الإقليمية والعالمية المحتملة، واضعة نفسها على مسار يؤدي إلى زيادة المنافسة أو حتى المواجهة مع الولايات المتحدة.

لكنّ الأمر لا يقتصر على هذا، إذ تتقاطع المخاطر الجيوسياسية مع تحديات جديدة معقدة ومحورية في الحقبة الحالية، مثل تغير المناخ والأوبئة وانتشار الأسلحة النووية. وليس من المستغرب أن تؤدي تداعيات الخصومات الدبلوماسية المتزايدة إلى استحالة تعاون القوى العظمى من أجل مواجهة التحديات الإقليمية والدولية، حتى عندما يكون ذلك في مصلحتها.

وما يزيد الصورة تعقيداً هو أن الديمقراطية، والتماسك السياسي الأميركي، يتهددهما خطر غير مسبوق منذ منتصف القرن التاسع عشر. وهذا مهم لأن الولايات المتحدة لا تشبه سواها، فالقيادة الأميركية دعمت النظام القائم في العالم على مدار الـ 75 عاماً الماضية، ودورها اليوم لا يقلّ أهمية عمّا كان عليه سابقاً. وعلى رغم هذا، فقد تكون الولايات المتحدة الممزقة داخلياً أقل استعداداً وقدرة على القيادة الدولية.

سمّوها إن شئتم العاصفة المثالية، أو بشكل أكثر دقة، عاصفة غير مثالية

وأدت هذه الظروف إلى حلقة مفرغة: المنافسة الجيوسياسية المحتدمة تزيد من صعوبة التعاون الذي تتطلبه المشكلات العالمية الجديدة، والبيئة الدولية المتدهورة تزيد حدة التوترات الجيوسياسية. ويحدث ذلك في وقت تبدو فيه الولايات المتحدة ضعيفةً، وانتباهها مشتتاً. والفجوة المخيفة بين التحديات العالمية وردود الفعل في أنحاء العالم، وتزايد احتمالات نشوب حروب القوى الكبرى في أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، وارتفاع احتمال تسبب إيران في حال من عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، تضافرت كلها على خلق أخطر ظرف منذ الحرب العالمية الثانية. سمّوا هذا الظرف، إن شئتم، العاصفة المثالية، أو بشكل أكثر دقة، عاصفة غير مثالية.

لكنّ التحذير من الخطر لا يعني التنبؤ بالمستقبل. مثالياً، لا تعدم الأمور أن تأخذ منحى إيجابياً في نهاية المطاف، إلا أنّ الأمور الجيدة نادراً ما تحدث من تلقاء نفسها، بل إن الأنظمة، إذا تُركت على هواها، انتقلت من حال سيئة إلى حال أسوأ. فمهمة صانعي السياسة في الولايات المتحدة هي تجديد اكتشاف مبادئ الحكم وفنه وممارساته: حشد القوة الوطنية والعمل الجماعي ضد النزعة إلى الفوضى. وينبغي أن يكون الهدف إدارة صدام الجيو سياسة القديمة والتحديات الجديدة، والعمل بانضباط من أجل تحقيق الغاية المنشودة، وصوغ التسويات، أو، خير من ذلك، إنشاء المؤسسات حيث يتحقق إجماع كافٍ. وفي هذا السبيل، يتعين على واشنطن تقديم إرساء النظام على تعزيز الديمقراطية في الخارج، وذلك في الوقت الذي تعمل فيه على تعزيز الديمقراطية في الداخل.

ازدياد الفوضى والاضطرابات

في أغسطس (آب) 1990، غزا العراق الذي كان عازماً على احتلال الأراضي الكويتية، جارته الأصغر حجماً، الكويت. فعلّق الرئيس الأميركي جورج بوش الأب على ذلك قائلاً: "هذا لن يستمر". وكان محقاً. وفي غضون أسابيع، حشدت واشنطن دعماً دولياً عريضاً للتدخل عسكرياً، وكان الهدف محصوراً بإخراج القوات العراقية من الكويت. واتسمت حرب الخليج 1990-1991 بتعاون قوي، بما في ذلك مع الصين وروسيا، وتولّت الولايات المتحدة رعايته مع الأمم المتحدة. وفي غضون أشهر، لاقت الاستجابة المنسقة نجاحاً كبيراً. فتوقّف العدوان العراقي، واستعادت الكويت استقلالها بأقل تكلفة. وآنذاك، أيدت القوى الكبرى القاعدة القائلة بأنه لا يجوز استخدام القوة من أجل تغيير الحدود، وهذا عامل أساسي في النظام الدولي.

وفي المقابل، يستحيل أن يحدث شيء من هذا القبيل في عالم اليوم، وعلى ما تبيّن بوضوح من الأزمة الأوكرانية. والحق أن روسيا دولة أقوى كثيراً من العراق، في عام 1990، لا يعلل اختلاف المعالجة إلا جزئياً. وعلى رغم أن الغزو الروسي ألهم شعوراً بالتضامن، وحمل على تنسيق رائع بين الدول الغربية، إلا أن الحرب في أوكرانيا لم تسفر عن شيء يشبه ما ولدته حرب الخليج من اتفاق، شبه عالمي، على أهداف النظام الذي تقوده الولايات المتحدة تحت جناح مؤسساته. وعوضاً عن ذلك، انضمت بكين إلى موسكو، ورفضت دول كثيرة في العالم التوقيع على العقوبات التي فرضتها واشنطن وشركاؤها على روسيا. وانتهاك عضو دائم في مجلس الأمن الدولي القانون الدولي، ومبدأ عدم تغيير الحدود بالقوة، انتهاكاً صارخاً، يصيب دور الأمم المتحدة بالتهميش.

،، تتصادم المخاطر الجيوسياسية القديمة مع التحديات الجديدة المعقدة ،،

وتنهض الحربان قرينة على نهاية السلام الأميركي ("باكس أميريكانا") الذي عمّ العالم، بعد الحرب الباردة. وكان من المحتم أن تتضاءل هيمنة القوة الأميركية، ليس بسبب الأفول الأميركي بل بسبب ما وصفه المعلق فريد زكريا بـ "صعود البقية"، أي تطور الدول والكيانات الأخرى على الصعيدين الاقتصادي والعسكري، وظهور عالم مولود من انتشار القوة. ورغم ذلك، فإن الولايات المتحدة، بما فعلته وما لم تفعله في العالم وفي الداخل، بدّدت قسطاً كبيراً من دالّتها بعد الحرب الباردة، وفشلت في ترجمة تفوّقها إلى نظام دائم.

ويلاحظ هذا الفشل خصوصاً عندما يتعلق الأمر بروسيا. ففي السنوات التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي مباشرة، بدا أنّ التباين بين القوة الأميركية الهائلة والضعف الروسي المذهل، يقضي باستبعاد هيمنة العداء بين الكرملين والعواصم الغربية على الشؤون العالمية، مرة أخرى، بعد ثلاثة عقود من السنين. وتحتدم المناقشات حول كيفية حدوث ذلك، رغم خلافات عميقة حول مقدار اللوم الذي تستحقه الولايات المتحدة، ومقدار اللوم الذي يجب أن يقع على بوتين، أو ربما على الثقافة السياسية الروسية. ومهما كان السبب، لا ينكر أن ست إدارات رئاسية أميركية لم تفعل شيئاً يذكر في سبيل بناء علاقة ناجحة بروسيا بعد الحرب الباردة. واليوم، في عهد بوتين، يتعارض السلوك الروسي بشكل جوهري مع المبادئ الأساسية للنظام الدولي. ولا يبدي بوتين أي اهتمام بدمج روسيا في النظام السائد، لا بل يتجاهله عندما يستطيع. وعندما يعجز عن ذلك، يقوّضه أو يعوّقه. وهو أظهر، مراراً، استعداده لاستخدام القوة العسكرية الوحشية ضد السكان المدنيين في أوروبا والشرق الأوسط. فنظام بوتين لا يحترم حدود الدول الأخرى وسيادتها، على ما هو واضح من غزوه المستمر لأوكرانيا ومحاولته ضم أجزاء من البلاد.

لقد قلب العدوان الروسي رأساً على عقب كثيراً من الافتراضات التي صاغت التفكير في العلاقات الدولية في حقبة ما بعد الحرب الباردة، وأنهى مدة إجازة من التاريخ، ونادراً ما نشبت في أثناء هذه المدد حروب بين الدول. كذلك، وزعزع العدوان القاعدة التي تحظر على الدول حيازة أراضٍ بالقوة. وأثبت أن التشابك الاقتصادي ليس حصناً منيعاً في وجه التهديدات التي يتعرض لها النظام العالمي. وفي هذا الإطار، اعتقد كثيرون أن اعتماد روسيا على واردات أسواق أوروبا الغربية من الطاقة قد يدعوها إلى ضبط النفس. والحال أن هذه العلاقات أخفقت في لجم السياسة الروسية على قدر إخفاقها في منع اندلاع الحرب العالمية الأولى. وثبت، وهو الأسوأ، أن تبادل البلدان اعتماد بعضها على بعض يقيّد البلدان التي أفرطت في الاعتماد على روسيا (أوّلها ألمانيا) فوق ما يقيّد روسيا نفسها.

وبعد كل ما قيل، ستخرج روسيا ضعيفة مما يرجّح أن يكون حرباً طويلة مع أوكرانيا. وخلافاً للاتحاد السوفياتي، فإن روسيا أضعف من أن تكون قوة عظمى. وحتى قبل أن تفرض الدول الغربية عقوبات على روسيا، رداً على هجومها على أوكرانيا، لم يكن الاقتصاد الروسي من بين أكبر عشرة اقتصادات في العالم، في ميزان الناتج المحلي الإجمالي. ويتوقع أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي، جراء العقوبات، جزئياً، نحو 10 في المئة في عام 2022. ولا يزال الاقتصاد الروسي يعتمد اعتماداً كبيراً على إنتاج الطاقة. وكشفت القوات الروسية المسلحة عن سوء قيادتها وتنظيمها، وتخلفها عن مضاهاة قوات حلف الناتو. وهذا التفاوت بين الضعف الروسي، وبين قدرة بوتين على التصرّف بتهوّر بالقوة العسكرية والنووية وعلى هواه، هو ما يجعل روسيا على جانب كبير من الخطورة.

وعلى هذا، تمثل روسيا في نظر الولايات المتحدة، وعلى المدى القريب، مشكلة عويصة. بينما تشكل الصين تحدياً أكثر خطورة، على المديين المتوسط والطويل. والرهان على أن دمج الصين في الاقتصاد العالمي يجعلها أكثر انفتاحاً على الصعيد السياسي، وأكثر توجهاً نحو السوق، وأكثر اعتدالاً في سياستها الخارجية، فشل في الإتيان بالنتائج المرجوة، بل أدّى إلى خلاف المرجوّ. والصين، اليوم، أشد قمعاً في الداخل، وناطت بفرد واحد سلطة أوسع من أي وقت مضى منذ عهد ماو تسي تونغ. وعوضاً عن دمج الشركات التي تملكها الدولة معاً، بقيت هذه الشركات على حالها، بينما تقيّد الحكومة الشركات الخاصة. وإلى هذا، سرقت الصين بانتظام ملكية الآخرين الفكرية. وتعاظم جبروتها العسكري التقليدي والنووي بشكل ملحوظ، ونشرت قواتها في بحر الصين الجنوبي، وفرضت قيوداً اقتصادية على جيرانها، وخاضت صداماً حدودياً مع الهند، وسحقت الديمقراطية في هونغ كونغ، ولا تزال تزيد الضغط على تايوان.

،، روسيا والصين تتشاركان عداءً للنظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ،،

ولكن الصين تعاني، في المقابل، من نقاط ضعف داخلية كبيرة. بعد عقود من الازدهار، بدأ اقتصاد البلاد يتعثّر، ما أدى إلى إضعاف مصدر رئيسي من مصادر شرعية النظام. ومن غير الواضح كيف يمكن للحزب الشيوعي الصيني استعادة النمو الاقتصادي القوي، في ضوء كبح القيود السياسية المحلية الابتكار، ونظراً إلى الوقائع الديموغرافية، ومنها تقلص العمالة المؤهّلة. وفي غضون ذلك، نفّرت السياسة الخارجية العدوانية التي اعتمدتها الصين كثيراً من جيرانها. ومن شبه المؤكد أن على الصين أن تواجه تحولاً صعباً في القيادة، خلال العقد المقبل. وعلى غرار بوتين، عزز شي نفوذه على نحو من شأنه أن يعقّد أي خلافة لاحقة، وربما تسبب في صراع على السلطة. والحق أن من الصعب التنبؤ بالنتيجة: فقد يؤدي الصراع الداخلي إلى تقلّص الحراك الدولي، أو إلى ظهور قادة أكثر ميلاً إلى التسوية، ولكنه قد يؤدي إلى سياسات خارجية أكثر قومية ومصممة لحشد دعم الشعب أو صرف انتباهه.

والمؤكد أن شي، وقادة صينيين آخرين، يفترضون، على ما يبدو، أن الصين، قد تسدد ثمناً ضئيلاً، هذا إذا سدّدت ثمناً ما، نظير سلوكها العدواني، وذلك نظراً إلى أن الدول الأخرى تعتمد اعتماداً كبيراً على صادراتها وعلى أسواقها. وإلى اليوم، صدق هذا الافتراض. وعلى رغم ذلك، لا يبدو نشوب نزاع بين الولايات المتحدة والصين احتمالاً بعيداً. وفي الأثناء، ومع تزايد توتر العلاقات الأميركية بموسكو وبكين، تتقارب روسيا والصين على نحو مطرد. فهما تتشاركان العداء تجاه النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، وتريان أنه يرضى عن نظمهما السياسية في الداخل، ولا يرضخ لطموحاتهما في الخارج. وهما على استعداد لانتهاج سياسة منسّقة تمليها اعتراضاتهما. وخلافاً لـ 40 أو 50 عاماً مضت، تجد الولايات المتحدة نفسها مستبعدة ومهمّشة عندما يتعلق الأمر بالدبلوماسية الثلاثية.

احذر الهوة

ومع ظلمة صورة القوى العظمى الجيوسياسية، اتسعت الشقة بين التحديات العالمية وبين إوالية [سبل] مواجهتها. ففي مجال الصحة العالمية على سبيل المثال، كشفت جائحة كورونا عن حدود قدرة منظمة الصحة العالمية، وضعف استعداد الدول الغنية والمتقدمة، أو عجزها عن الاستجابة لأزمة كان من المتوقع حدوثها. ونتيجة لذلك، مات إلى اليوم ما يقرب من 15 إلى 18 مليون شخص في أنحاء العالم، ولقي ملايين منهم مصرعهم من غير ضرورة. وبعد حوالى ثلاث سنوات من بدء الوباء، عنى رفض الصين التعاون مع تحقيق مستقل أن العالم ما زال يجهل كيف نشأ الفيروس وانتشر في البداية. ويضعف هذا الحؤول دون تفشي الوباء التالي، ويمثل خير تمثيل على امتزاج الاختلالات الجيوسياسية القديمة المألوفة بالمشكلات الجديدة.

ومن بين التحديات العالمية الأخرى، يمكن القول إن تغير المناخ حظي بأكبر قدر من الاهتمام الدولي، وكان في محلّه. وعلى رغم ذلك، لم تُحصد نتائج تُذكر من الجهد المبذول في هذا المجال. وما لم يحرز العالم تقدماً سريعاً في ميدان الحد من انبعاثات غازات الدفيئة في أثناء هذا العقد، فمن الصعب جداً الحفاظ على الحياة، كما نعرفها، وحمايتها على هذا الكوكب. ولكن الجهود الدبلوماسية باءت بالفشل، ولم تظهر بوادر على التحسن. وذلك لأن كل دولة تحدد بمفردها أهدافها المناخية الخاصة، ولا تطاولها أي محاسبة في حال تقصيرها عن بلوغ هذه الأهداف، أو في حال نكوصها عنها. وتحقيق النمو الاقتصادي، غداة الوباء، وتأمين إمدادات الطاقة، هما مصدر قلق تفاقم جرّاء الحرب في أوكرانيا، والاضطرابات التي خلّفتها في قطاع الطاقة. وحملت هذه الأحوال الدول على تقديم أمن الطاقة على الاعتبارات المناخية. ومرة أخرى، اصطدم القلق الجيوسياسي التقليدي بمشكلة جديدة، وعسّر الصدام التصدّي لمعالجة كلاهما.

وواقع مسألة الانتشار النووي أكثر تعقيداً مما يبدو. وسبق أن تنبأ بعض العلماء بتطوير عشرات الدول أسلحة نووية، في يومنا هذا. والحق أن تسع دول فقط طوّرت برامج كاملة، بل إنّ عدداّ كبيراً من الدول الصناعية المتقدمة، والتي في وسعها تطوير أسلحة نووية، اختارت الإقلاع عن ذلك. ولم يستخدم أحد سلاحاً نووياً منذ أن بادرت الولايات المتحدة إلى استخدامه في الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية. ولم يَسَعْ جماعة إرهابية واحدة الوصول إلى سلاح نووي.

،، لقد اتسعت الهوة بين التحديات العالمية وبين سبل مواجهتها ،،

ولكن المظاهر قد تكون خادعة: ففي غياب الانتشار، اكتسبت الأسلحة النووية قيمة جديدة. وبعد تفكك الاتحاد السوفياتي، تخلت أوكرانيا عن الأسلحة النووية السوفياتية المنصوبة على أراضيها. ومذ ذاك، تعرّضت للغزو الروسي مرتين. وهذه نتيجة قد تقنع الآخرين بأن التخلي عن الأسلحة النووية يُضعف أمن الدولة. وكذلك أُطيح بنظامي العراق وليبيا بعد تخليهما عن برامج تسلحهما النووي. وقد يحمل هذا القادة الآخرين على التردُّد في الحذو حذو العراق وليبيا، أو يشجعهم على التفكير في مزايا تطوير نووية أو امتلاكها. وتظل كوريا الشمالية آمنة، رغم مضيها على توسيع ترسانتها النووية ووسائل حملها. ويبدو أن روسيا، من جهتها، تمنح الأسلحة النووية دوراً أكبر في نهجها الدفاعي. وقرار الولايات المتحدة استبعاد التدخل العسكري المباشر في أوكرانيا، خوفاً من أن يؤدي إرسال قواتها أو فرض منطقة حظر طيران، إلى نشوب حرب عالمية ثالثة نووية، قد تفسّره الصين، وغيرها، دليلاً على أنّ امتلاك ترسانة نووية كبيرة يردع واشنطن، أو على الأقل يحضها على التزام قدر أكبر من ضبط النفس.

وليس من المستغرب، بهذه الحال، أن تحدد إيران معايير أساسية لبرنامج الأسلحة النووية، وسط مفاوضات تهدف إلى إحياء الاتفاق النووي، لعام 2015، وكانت الولايات المتحدة انسحبت منه في عام 2018. وقد تكون المحادثات بلغت طريقاً مسدوداً، ولكن المشكلة، في حال نجاح المفاوضات، لن تزول. فالاتفاقية تنص على عدد من البنود الموقوتة [ذات آجال محددة]. وعليه فالسؤال يدور على متى تُحرز إيران التقدم الكافي الذي يجر إلى شن هجوم يمنع طهران النووية من بلوغ مرحلة النضج (ولا يدور السؤال على إذا). وقد يقرر واحد أو أكثر من جيران إيران أنه يحتاج إلى امتلاك أسلحة نووية خاصة لمواجهتها، ما دامت هي قادرة على امتلاك أسلحة نووية من غير تهديد يذكر. وقد يكون الشرق الأوسط، وهو كان المنطقة الأقل استقراراً في العالم على مدى ثلاثة عقود، على أعتاب حقبة أكثر خطورة.

مشكلات في الديار

وبينما تتصادم المشكلات الجديدة مع القديمة، وتجتمع لتتحدّى النظام الذي تقوده الولايات المتحدة، ربما تحدث التغييرات الأكثر إثارة للقلق داخل الولايات المتحدة نفسها. فالبلاد لا تزال تحتفظ بعوامل قوة كثيرة، لكن بعض مزاياها، على غرار سيادة القانون والانتقال المنظم للسلطة، والقدرة على جذب المهاجرين الموهوبين على نطاق واسع والحفاظ عليهم، والحراك الاجتماعي والاقتصادي، أصبحت أقل تماسكاً مما كانت عليه، في حين تصدّرت مشكلات مثل عنف السلاح، والجريمة في المناطق الحضرية، وتعاطي المخدرات، والهجرة غير الشرعية، المشهد، وصارت أكثر إلحاحاً وبروزاً. وإلى ذلك، تعاني البلاد الأميركية انقسامات سياسية. والرفض الواسع النطاق في أوساط الجمهوريين لنتائج الانتخابات الرئاسية عام 2020، وهو أدى إلى الهجوم على مبنى الكابيتول في 6 يناير (كانون الثاني) 2021، قرينة على احتمال ظهور نسخة أميركية من "مشكلات" أيرلندا الشمالية.

وقد ينقلب العنف المحلي، المستوحى من السياسة، أمراً شائعاً. وعزّزت قرارات المحكمة العليا الأخيرة، وردود الفعل المحلية المتباينة عليها، الانطباع بأنّ الولايات المتحدة الأميركية غير متحدة على الإطلاق. لذا، تردّت جاذبية النموذج السياسي الأميركي، وأسهم تراجع الديمقراطية الأميركية في تراجع الديمقراطية في أماكن أخرى. وزاد الطين بلة أن سوء الإدارة الاقتصادية الأميركية أدى إلى الأزمة المالية العالمية عام 2008، كما سمحت العثرات الأحدث عهداً بارتفاع نسبة التضخم، الأمر الذي أضر بسمعة البلاد. وربما كان الأمر الأكثر إثارة للقلق هو زوال الإيمان بثبات واشنطن وصدقها. ومن غير إجماع الأميركيين على دور بلدهم اللائق في العالم، أصابت السياسة الخارجية الأميركية تقلبات شديدة، من التجاوزات الكارثية التي ارتكبتها إدارة جورج دبليو بوش في العراق، إلى قصور إنجازات إدارة أوباما المضطربة في الشرق الأوسط وأماكن أخرى، إلى ضعف كفاءة إدارة ترمب ومعاملاتها التبادلية [مبدأ المعاملة بالمثل]. فشكّك كثيرون في أهمية التزامات واشنطن السابقة أو الدائمة بعد اليوم. وبذلت إدارة بايدن جهوداً كبيرة من أجل إرساء أولوية التحالفات والشراكات، إلا أنها عززت كذلك، في بعض الأحيان، الشكوك في صمود الولايات المتحدة وكفاءتها، خصوصاً في ضوء انسحاب القوات الأميركية الفوضوي من أفغانستان العام الماضي.

ولا شك في أن استحالة التنبؤ بمن يشغل المكتب البيضاوي، في المستقبل، ليست بالأمر الجديد، لكن الجديد هو أنه من المستحيل افتراض أمور كثيرة في النهج الذي ينتهجه هذا الشخص في شأن علاقة الولايات المتحدة بالعالم. والنتيجة هي أن خيارات حلفاء الولايات المتحدة وشركاؤها تتضاءل، وتنحصر في الموازنة بين الاعتماد المستمر على واشنطن وبين بدائل أخرى، مثل زيادة الاكتفاء الذاتي أو احترام الجيران الأقوياء. وثمة خطر آخر هو أن قدرة واشنطن على ردع خصومها سوف تضعف عندما يرى خصومها الولايات المتحدة منقسمة على نفسها انقساماً حاداً، أو مترددة المبادرة.

فكرة واحدة كبيرة

وفي مواجهة الاضطرابات الجيوسياسية والتحديات العالمية التي لا شك في طبعها هذا العقد بطابعها، لن تتمكن عقيدة واحدة شاملة أو مركّبة، في السياسة الخارجية الأميركية، من أداء الدور الذي لعبته (عقيدة) الاحتواء خلال الحرب الباردة، حين كان مفهوم الاحتواء واضحاً جداً، وحظي بإجماع واسع. وهذه العقائد المركبة والجامعة مفيدة في إرشاد صانعي السياسات، وشرحها على نطاق شعبي، وفي طمأنة الحلفاء، وتحذير الخصوم. إلا أن العالم المعاصر لا يفسح المجال لإطار بسيط مثل هذا: فثمة، اليوم، تحديات كثيرة من أصناف مختلفة لا يؤطّرها مركب واحد، [أو بنية] واحدة. وتعليل هذا الأمر أنه لم يعد ممكناً تناول النظام العالمي كظاهرة واحدة: فهناك نظام جيوسياسي تقليدي هو صورة عن موازين القوى، وعن درجة التشارك في المعايير، وهناك ما يمكن أن يسمى نظام العولمة وهو مرآة اتساع الجهود المشتركة وعمقها في مواجهة تحديات مثل تغير المناخ والأوبئة. والنظام العالمي (أو غياب هذا النظام) هو محصلة الاثنين معاً.

وهذا لا يعني أن على الولايات المتحدة أن ترتجل، وتتعامل مع كل قضية في السياسة الخارجية بمعزل عن غيرها. ولكن بدلاً من فكرة واحدة كبيرة، على واشنطن أن تستخدم عدداً من المبادئ والممارسات في توجيه سياستها الخارجية، وتقليل الخطر من أن ينتهي العقد القادم إلى كارثة. ويُترجم هذا التحول إلى سياسة خارجية تستند، إلى حد كبير، إلى أحلاف ترمي إلى ردع العدوان الروسي والصيني، وإلى شراكات انتقائية بين ذوي التفكير المماثل من أجل مواجهة التحديات العالمية التي لا تستطيع الولايات المتحدة تجاهلها، أو التعامل معها بمفردها. وإلى ذلك، يجب أن يكون محور اهتمام الولايات المتحدة هو الترويج للديمقراطية في الداخل وليس في الخارج. فهذا الاهتمام يحوز مكاسب إضافية، فيما قد تكون الخسائر كبيرة إذا فشلت هذه الجهود.

ويصدر أكبر تهديد فوري للنظام العالمي عن العدوان الروسي على أوكرانيا. وتقتضي إدارة الحرب الصحيحة توازناً دقيقاً بين التصميم والواقعية. فعلى الغرب تقديم دعم عسكري واقتصادي متصل لأوكرانيا، بهدف ضمان استمرار بقائها دولة ذات سيادة ومنع روسيا من السيطرة على أراضٍ أوسع من تلك التي تسيطر عليها بالفعل. ولكن الغرب يحتاج أيضاً إلى قبول فكرة أن القوة العسكرية وحدها لا يمكنها إنهاء الاحتلال الروسي. ويستدعي هذا الأمر تغييراً سياسياً في موسكو، وتسنّم قيادة مستعدة لتقليل أو إنهاء الوجود الروسي في أوكرانيا لقاء تخفيف العقوبات. ولن يقبل بوتين مثل هذه الصفقة. ومن أجل صوغ حل وسط، ينبغي التفكير في نظام افتراضي مستقبلي في موسكو. وستحتاج واشنطن وشركاؤها إلى فرض مزيد من العقوبات الصارمة على جميع صادرات الطاقة الروسية، وحظر صادرات الغاز الطبيعي إلى أوروبا أولاً.

وفي شأن الصين، تحتاج الولايات المتحدة كذلك إلى تقوية الأسس التي ينهض عليها نظام إقليمي. وهذا يدعو إلى إعطاء الأولوية لتحالفها مع اليابان، التحالف الرباعي "كواد" (الذي يضمّ أستراليا، والهند، واليابان، والولايات المتحدة)، وتحالف "أوكوس" (أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة). ومن خلال الاستفادة من الدروس المستقاة من استخدام أوروبا اللعبة السياسية المحرجة مع روسيا، على الولايات المتحدة تقليص الاعتمادها المتبادل مع الصين. وللأسف، قد يعني هذا في كثير من الأحوال، الاعتماد على الصين إلى حد كبير. وقد يُترجم ذلك بتقليص العلاقات الاقتصادية، فتمسي الواردات من الصين والصادرات إليها أقل أهمية في ميزان سلامة الولايات المتحدة وشركائها الاقتصادية، ما ييسّر الوقوف في وجه الصين، أو معاقبتها، إذا اقتضى الأمر. وعلى الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى تعزيز مرونة سلاسل التوريد في قطاع المواد الضرورية، ومزج التنويع بالوفرة والتخزين، والقيام بترتيبات المشاركة والتجميع، وعند الضرورة، زيادة الإنتاج المحلي. وهذا ليس طلاقاً اقتصادياً على قدر ما هو تباعد اقتصادي.

وتحتاج واشنطن وشركاؤها إلى الرد رداً قوياً إذا تحركت الصين ضد تايوان. فالسماح للصين بالاستيلاء على الجزيرة تترتب عليه تداعيات هائلة: وكل حليف وشريك أميركي عليه إذ ذاك أن يعيد النظر في اعتماده الأمني على الولايات المتحدة، ويختار إما استرضاء الصين أو شكلاً من أشكال الحكم الذاتي الاستراتيجي، الأمر الذي يستتبع، على الأرجح، الحصول على أسلحة نووية. وقد يؤدي الصراع على تايوان إلى صدمة اقتصادية عالمية عميقة جراء هيمنة تايوان على تصنيع أشباه الموصلات المتقدمة.

وعليه، فالحؤول دون هذا السيناريو، أو صد هجوم سياسي، إذا لزم الأمر، يدعو واشنطن إلى تبني موقف استراتيجي صريح في شأن تايوان، لا يترك مجالاً للشك في أن الولايات المتحدة ستتدخل عسكرياً لحماية الجزيرة، أو في تعهدها استخدام الوسائل الأمنية والاقتصادية الكفيلة بالوفاء بهذا التعهد. وثمة حاجة إلى زيادة المشاركة الدولية، عوضاً عن تقليصها، في المسألة، من طريق تنسيق حزمة قوية من العقوبات، مع الحلفاء الأوروبيين والآسيويين، كحد أدنى.

،، على سياسة الولايات المتحدة ألا تسعى إلى تغيير روسيا أو الصين ،،

وتظل العلاقات بروسيا والصين معقدة. فهذه العلاقات ولو كانت تنافسية أو عدائية إلى حد كبير، لن تكون سطحية. وعلى الحوارات الإستراتيجية الجانبية والرفيعة المستوى أن تكون أحد مكونات العلاقات الثنائية المتبادلة. وفي السياق، لا يقوم الأساس المنطقي لمثل هذه الحوارات على ما يمكن إنجازه، على قدر ما يمكن تفاديه، على رغم أنه قد يكون، في حال الصين، مجال أوسع للنظر في الأسس والمبادئ، وتوجيه العلاقات بين القوتين وجهة مثمرة. فالمواقف والطموحات الأميركية- الروسية- الصينية المتباينة والمتنافسة، قد لا تسمح إلا بتعاون محدود في النظام العالمي. ولكن يمكن القول إن القضايا الخلافية هذه تجعل التواصل بين البلدان الثلاثة أكثر حيوية في سبيل تقليص فرص ارتكاب خطأ جسيم في الحسابات في المسائل الجيوسياسية.

وفي الوقت نفسه، على سياسة الولايات المتحدة ألاّ تسعى في تغيير روسيا أو الصين، وليس ذلك لأن الاضطلاع به غير مرغوب فيه بل لأن الدعوة إلى تغيير النظام، على الأرجح عديمة الجدوى، أو قد تأتي بنتائج عكسية. فيتعيّن على الولايات المتحدة أن تعامل روسيا والصين على ما هما عليه، وليس على الوجه الذي تفضل واشنطن أن تكونا عليه. وينبغي ألا ينصب تركيز السياسة الخارجية الأميركية تجاه روسيا والصين على إعادة تشكيل مجتمعاتهما، بل التأثير في خيارات سياستهما الخارجية.

ومع الوقت، قد يؤدي تقييد نجاحهما الخارجي، وتجنب المواجهة معهما، إلى بناء ضغوط داخل أنظمتهما السياسية تؤدي إلى تغيير مرغوب فيه، تماماً على ما حصل في الاتحاد السوفياتي بعد أربعة عقود من الاحتواء. ولكن ينبغي ألا تتهدّد تهديداً وجودياً أياً من الحكومتين خشية أن تعزّز موقف جماعات في موسكو وبكين تجادل بأنه ليس ثمة ما يخسرونه جراء التهور، وليس ثمة ما يمكن كسبه من العمل بشكل مناسب مع الولايات المتحدة.

،، يجب أن تتفوق الواقعية على المثالية ،،

هناك سبب آخر لتقديم تعزيز النظام على تعزيز الديمقراطية، وهو لا علاقة مباشرة له بروسيا والصين. فالجهود المبذولة من أجل بناء النظام الدولي، سواء رمت إلى مقاومة العدوان، وانتشار الأسلحة النووية، أو إلى مكافحة تغير المناخ والأمراض المعدية، تحظى بدعم واسع من الدول غير الديمقراطية. ومن المفضّل أن يكون هناك نظام عالمي قائم على احترام الحدود، والجهود المشتركة المبذولة في وجه التحديات العالمية، على أن يسود نظام عالمي ليبرالي لا ينهض على أي من الركيزتين. وإحجام كثير من الدول عن معاقبة روسيا يكشف عن أمور كثيرة. ولا عجب في أنّ وصف الأزمة في أوكرانيا بقضية تتعلق بالديمقراطية مقابل الاستبداد، لم ينطلِ على عدد من القادة غير الليبراليين. ولا شك في أن حقوق الإنسان شيء مهم، بيد أنّ السياسة الخارجية القائمة على مثل هذا التفضيل، في عالم تنظّمه الجغرافيا السياسية والتحديات العالمية، هو سياسة غير حكيمة وغير مستدامة.

وعلى نحو قريب، على واشنطن تحديد طريقة تعاملها في قضية التعاون على مجابهة التحديات العالمية، بالاستناد إلى رؤية أميركية واضحة. والنهج المتعدد الأطراف أفضل بكثير من الانفراد. وتعدد الأطراف الضيّق والمحدود واعد أكثر بكثير من العمل الجماعي العالمي، أو الواسع، الذي نادراً ما ينجح. فعلى على سبيل المثل، راقب مسار دبلوماسية تغيّر المناخ والتجارة. فالسعي في شراكات واقعية، مع ذوي التفكير المماثل، قد يضفي بعضاً من الانتظام على العالم، وفي مجالات محددة، ولو لم يؤدّ إلى نظام عالمي. وفي هذا المضمار كذلك، يحسن بالواقعية أن تتغلب على المثالية.

ولهذه الملاحظة لها آثار مباشرة على التعامل مع تغير المناخ. والحق أن تغيّر المناخ تهديد وجودي، وعلى رغم أن الاستجابة العالمية قد تكون أفضل، إلا أن الجغرافيا السياسية لن تكف عن جعل هذا التعاون صعباً. وعلى الولايات المتحدة وشركائها التركيز على المناهج الدبلوماسية الأضيق نطاقاً، ويرجّح أن ينجم تقليص التهديد عن الإنجازات التكنولوجية أكثر من الدبلوماسية. وليس السبب هو الافتقار إلى أدوات سياسية ممكنة، بل نقص الدعم السياسي في الولايات المتحدة والدول الأخرى لتلك التدابير، أو الاتفاقيات التجارية التي قد تشجع تقليص التهديد الناجم عن تغير المناخ، بواسطة فرض ضرائب أو تعرفات جمركية على السلع المشتقة من الوقود الأحفوري، أو المصنعة في عمليات تفتقر إلى الكفاءة في استخدام الطاقة. وعلى ذلك، فهدف التكيف مع تغيّر المناخ ينبغي أن يحظى بمزيد من الاهتمام والموارد، وينبغي التشديد على استكشاف إمكان عكس مسار التغيير من طريق استخدام التكنولوجيا.

التقدم بعزم

وهناك ثلاثة اعتبارات أخيرة يقع احتسابها مباشرة على عاتق الولايات المتحدة. ففي أثناء عملها على فك العقدة التي تربط المعضلات الجيوسياسية القديمة بالمشكلات الجديدة، تواجه الولايات المتحدة عدداً من التهديدات الخطيرة، ليس من روسيا والصين فحسب، بل كذلك من إيران وعدد من الدول الفاشلة التي قد تغذي الإرهابيين في الشرق الأوسط الكبير، ومن كوريا الشمالية، التي تتنامى قدراتها العسكرية والنووية التقليدية. وبالتالي، فإنّ الأمن يدعو واشنطن إلى زيادة الإنفاق الدفاعي بنسبة تعادل 1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة أقل بكثير من تلك التي عرفتها الحرب الباردة. وهي خطوة كبيرة إلى الأمام. وعلى حلفاء الولايات المتحدة الخطو خطوات مماثلة.

وفي التعامل مع التهديدات المتعددة التي ترسم ملامح هذا العقد، ستحتاج الولايات المتحدة إلى التصرف، معاً، بحذر أكبر وجرأة أقوى في المجال الاقتصادي. وليس ثمة بديل جدي من الدولار، عملة احتياط عالمية. ولكن قد يأتي يوم، على الخصوص إذا لا يوجد حتى الآن بديل جدي من الدولار، عملةً احتياطية عالمية. ولكن قد يأتي يوم، على الخصوص إذا استمرت واشنطن في استخدام الدولار سلاحاً من طريق فرض العقوبات بشكل متكرر، واستهدفت البنوك المركزية، تبطل فيه هذه الحال. وإذا ظهرت عملة منافسة، فقدت الولايات المتحدة قدرتها على الاقتراض بمعدلات فوائد منخفضة، واستخدام التضخم للتخلص من ديونها الكبيرة التي تبلغ حالياً أكثر من 30 تريليون دولار. ويهدد هذا الدين اليوم بالحؤول دون إنفاق حكومي أكثر إنتاجية، لأن تكلفة تسديده سترتفع طرداً مع ارتفاع أسعار الفائدة. ولكنّ على الحذر المالي أن يقترن بنهج تجاري أكثر حزماً، ما قد يعني الانضمام إلى "الاتفاقية الشاملة والمتقدمة للشراكة عبر المحيط الهادئ"، وتوضيح الأطر التي أُعلن عنها أخيراً في منطقة المحيطين الهندي والهادئ والأميركتين، بغية تقليص الحواجز أمام تجارة السلع والخدمات، ووضع معايير خاصة بالبيانات، ومعالجة تغير المناخ بشكل هادف.

وعلى رغم ذلك، فإن أكبر خطر يتهدّد أمن الولايات المتحدة في العقد القادم مصدره الولايات المتحدة نفسها. إذ لا يمكن لدولة منقسمة على نفسها أن تستمر، ولا يمكن أن تكون فاعلة في العالم. فلن يُنظر إلى الولايات المتحدة المنقسمة على أنها شريك، أو قائد، يمكن الاعتماد عليه، أو يمكن توقّع تصرفاته، والتعويل على طاقته على مواجهة تحدياته الداخلية. وتخطي الانقسامات في البلاد يتطلب جهوداً متواصلة من جانب السياسيين والمعلمين والزعماء الدينيين وأولياء الأمور. وفي سياق متصل، فإنّ معظم الأعراف والسلوكيات المنشودة لا يمكن فرضها فرضاً، لكن لدى الناخبين القدرة على مكافأة السياسيين أو معاقبتهم وفقاً لسلوكهم. ويمكن إدخال بعض التغييرات بواسطة إجراءات رسمية، بما في ذلك توسيع نطاق تعليم التربية المدنية، وزيادة فرص الخدمة العسكرية.

والخروج بأمان من عقد صعب وخطير، والمحفوف بمخاطر جيوسياسية قديمة تضاف إلى التحديات العالمية المتزايدة، مثل العقد الحالي، يدعو إلى انتهاج سياسة خارجية تتجنب التطرف، جراء الرغبة في تغيير العالم أو تجاهله، في العمل الفردي أو الجماعي. ويحتاج الأمر إلى كثير من صانعي السياسة والدبلوماسيين الأميركيين، في وقت ينقسم فيه بلدهم انقساماً حاداً، ويتشتّت انتباهه بيسر. وما هو مؤكد هو أن مسار هذا العقد، والعقود القادمة، يعتمد على جودة المهارات السياسية التي يتمتع بها المسؤولون في الداخل، وفن الحكم الذين يستخدمونه في الخارج.

* ريتشارد هاس هو رئيس مجلس الشؤون الخارجية ومؤلف كتاب يصدر قريباً "شريعة الواجب: 10 عادات لمواطن صالح".
المقال مترجم من فورين أفيرز، سبتمبر (أيلول)/ أوكتوبر (تشرين الأول) 2022
https://www.independentarabia.com

اضف تعليق