بقلم: محمد حسين

على الرغم من أن العراق قد أصبح في وضع سيمكنه من تحقيق عائدات نفطية مفاجئة، إلا أن هناك حاجة ماسة لإجراء إصلاحات جادة تضمن أن تعود هذه الأموال بالفائدة على الناس، وليس فقط على النخبة.

بعد مرور عامٍ كاملٍ من الجمود السياسي والصراعات العنيفة على السلطة، تمكنت النخبة الحاكمة في العراق أخيرًا من تشكيل حكومة بقيادة محمد شياع السوداني. وبفضل الطفرة في الأسعار الدولية للنفط الخام، ورثت حكومة السوداني الجديدة منجمًا نفطيًا كبيرًا إلى حدٍ ما، مع إمكانية تحقيق عائدات هائلة إذا تم التعامل مع هذه الثروة بشكلٍ جيد. إلا أن قدرة الحكومة على الاستثمار بشكل صحيح في هذه الفرصة، مع مراعاة خططها التنموية والإصلاحية، تشكل موضع شكٍ كبيرٍ بسبب التسوية السياسية ذاتها التي أدت إلى ولادة الحكومة الجديدة.

تُملي هذه التسوية، المعروفة محليًا بنظام المحاصصة، الانقسامات العرقية والطائفية التي ابتُليت بها الحكومة العراقية منذ عام 2003 لتقاسم السلطة. وفي الواقع، يُلام هذا النظام على نطاقٍ واسعٍ على الفساد المستشري، والاختلالات الهيكلية، وإضعاف مؤسسات الدولة، وفشل الحكومة في تقديم الخدمات للشعب العراقي. ومن أبرز الأمثلة على ذلك هو معدل الفقر الوطني في العراق الذي يتجاوز 25 في المئة، ومعدل البطالة الذي يتجاوز 14 في المئة.

نظرًا إلى النتائج التي حققها نظام المحاصصة في الماضي، لا يُحتمَل على ما يبدو أن تعمل حكومة السوداني بشكلٍ أفضل من سابقاتها، أو أن تكون قادرة تمامًا على الاستفادة من مكاسب سوق النفط لتحسين رفاهية العراقيين بدلًا من تحقيق ثروة إضافية للنخبة الحاكمة. وكما كان الحال في عام 2008، سوف يفوّت العراقيون هذه الفرصة لمعالجة بعض الهواجس الأكثر إلحاحًا في البلاد، ما لم تتمكن الحكومة من مواجهة عدة عوائق اقتصادية وسياسية رئيسية. ومع ذلك، توفر عائدات النفط المتزايدة موارد كثيرة لتلبية الاحتياجات الماسة للعراقيين، وتطوير بنيتهم التحتية وتمكينهم من العيش في بيئة أكثر أمانًا، وكلاهما شرطان أساسيان لتنشيط القطاع الخاص غير المتطور وتنويع الاقتصاد العراقي المعتمد على النفط.

الطفرة النفطية والتحديات الهيكلية في العراق

يُتوقع أن تكسب الحكومة الفيدرالية العراقية 114 مليار دولار من الريع النفطي بحلول نهاية عام 2022، ما يشكل طفرة واضحة من 75.651 مليار دولار في عام 2021 و41.948 مليار دولار في عام 2020. أما عائدات النفط التراكمية الإضافية للحكومة في عام 2022 – من دون المبيعات النفطية المستقلة من إقليم كردستان العراق - فيُتوقع أن تصل إلى 38 مليار دولار أمريكي. وعلاوةً على ذلك، تمكنت الحكومة السابقة في العراق من تحقيق فوائض مالية، ومن المتوقع أن يرتفع نمو الناتج المحلي الإجمالي للبلاد إلى 9.3 في المئة في عام 2022، بعد أن كان 3.6 في المئة في عام 2021، أي أعلى بكثير من متوسط النمو العالمي المتوقع والبالغ 3.2 في المئة. وقد عزز الحساب الجاري للحكومة احتياطيات البنك المركزي العراقي لتصل إلى 94 مليار دولار، وهو المستوى الأعلى الذي بلغته منذ عام 2003.

في ظل غياب أي صندوق نشط للثروة السيادية -وهو إحدى الوسائل التي تستخدمها دول الريع النفطي الأخرى في المنطقة لإدارة الفوائض- ولّد ارتفاع عائدات النفط عدة نقاشات بين العراقيين حول أفضل السبل لاستخدام هذه العائدات. فمن جهة، يركز النواب الشعبويون والكتل السياسية الشعبوية على الجانب التوزيعي للاقتصاد العراقي القائم على الاستيراد. وتدافع هذه الشخصيات عن خفض قيمة الدينار العراقي في محاولة للحد من التضخم واسترضاء المواطنين ذوي الدخل المنخفض.

ومن جهة أخرى، حذّر عدة خبراء وسياسيين من خطورة تخفيض قيمة الدينار العراقي، فارتفاع قيمة الدينار العراقي سيؤدى إلى رفع تكلفة الإنتاج بالنسبة للعراقيين، وتقليص تنافسية السلع المحلية لصالح الواردات الإيرانية والتركية منخفضة الثمن. كما سيؤدي تخفيض قيمة العملة إلى تقويض استقرار الاقتصاد الكلي للبلاد، وسيكلف الدولة ما لا يقل عن 15 مليار دولار أمريكي، مع الاخذ في الحسبان أن الحكومة تقوم ببيع النفط الخام (نحو 99 ٪ من جميع صادرات البلاد) بالدولار الأمريكي، بينما جعل معظم نفقاتها بالدينار العراقي. ومن ثم، فإن الحفاظ على سعر الصرف عند مستواه الحالي يمثل أمرا ضروريا للحفاظ على الاستقرار الكلي وتيسير استغلال عائدات النفط لإجراء إصلاحات في مؤسسات الهيكلي، وتحسين البنى التحتية، وتنفيذ إصلاحات اقتصادية تأسيسية من أجل معالجة الاختلالات الهيكلية في البلاد.

بغض النظر عن كيفية انتهاء الجدال، سيتطلب تحويل هذه الفرصة إلى نتائج بنّاءة حقًا سيتطلب الكثير من العمل من حكومة السوداني–وهي حكومة يؤيدها "الإطار التنسيقي" المدعوم من إيران. وبدأت هذه الحكومة تتحمل عبء المطالب المستمرة لزيادة الاستثمارات في البنية التحتية غير المتطورة ومؤسسات الخدمات المعطلة في البلاد. أما القطاع الخاص الضعيف في العراق فهو بحاجة ماسة إلى إعادة إحيائه، كما يحتاج اقتصاده المعتمِد على النفط إلى التنويع.

ربما ستكون أفضل طريقة لإنفاق عائدات النفط هذه هي تمويل مشاريع البنى التحتية العامة المهمَلة. فأُوقِف أكثر من 1450 مشروعًا عامًا –من مشاريع تشمل مستشفياتٍ وطرقًا ومدارس وجسورًا وغيرها- بسبب نقص التمويل والفساد والعوائق البيروقراطية، فيما تم التخلي عن عدة مشاريع منذ بداية الأزمة المالية في عام 2014. وسيؤدي تمويل هذه المشاريع إلى تعزيز مؤسسات الخدمات وتحسين بيئة الأعمال وتحفيز سوق العمل في القطاع الخاص في نهاية المطاف.

بالإضافة إلى هذه التحديات المعتادة، عرّض شح المياه والجفاف العراق لمجموعة جديدة من الأزمات. ففي حين أنه احتل المرتبة الخامسة بين الدول الأكثر عرضة للانهيار المناخي، قد يؤدي فقدان العراق للمياه من أنهار رئيسية، بما فيها دجلة والفرات، إلى تحويل مناطق شاسعة من البلاد إلى صحراء. وقدّر المسؤولون الحكوميون خسارة 50 في المئة من احتياطيات المياه في العراق اعتبارًا من عام 2021. ويطرح التدهور البيئي وسوء إدارة المياه تهديدات خطيرة على استدامة الأمن الغذائي للمواطنين العراقيين البالغ عددهم 42 مليون نسمة.

لقد ظهرت أزمات محلية جديدة تتمثل في النزوح الداخلي وفقدان سبل العيش والتوسع الحضري المفرط - وكلها مرتبطة بهذه القضايا البيئية. كما يثير شح المياه أسئلة هامة حول قدرة حكومة السوداني على حماية الزراعة العراق، التي توظف خِمس القوى العاملة في البلاد، من دون الإقدام في الوقت نفسه على معالجة قضايا إدارة المياه في البلاد والتدفق المحدود للمياه من الدول المجاورة للعراق على ضفاف الأنهر.

المسارات التي يمكن اتباعها

حتى لو قررت الحكومة العراقية الجديدة الخروج من الوضع الراهن، يبقى السؤال الأصعب للإجابة عليه هو كيف سيستجيب السوداني ومجلس وزرائه فعليًا للتحديات المستمرة. فإذا أرادوا إنفاق أموال الثروة النفطية على التنمية، ربما يمكن الاستعانة بـ "الورقة البيضاء للإصلاح الاقتصادي" كمخطط، بعد أن تم تبنيها والإشادة بها في العراق عام 2020، ولكنها لم تُنفَّذ. فيقدّم هذا التقرير رؤية واضحة حول كيفية معالجة أكثر التحديات الاقتصادية جسامةً في البلاد، ابتداءً من الرواتب العامة المتضخمة ووصولًا إلى سوء إدارة المياه ومكامن القصور في مجال توفير الطاقة الكهربائية.

بدءًا بقانون الموازنة لعام 2023، يمكن أن تتخذ الحكومة الجديدة خطوات جادة في الاتجاه الصحيح من خلال توسيع نطاق الاستثمارات في البنى التحتية، وتحديث مؤسسات الخدمات، وإزالة الحواجز التي تحول دون تطوير القطاع الخاص. فستضع هذه الجهود الأساس لإجراء المزيد من الإصلاحات الهيكلية.

علاوةً على ذلك، سيساعد تفعيل صندوق الثروة السيادية في العراق على ادخار عائدات النفط واستغلالها بشكلٍ صحيح. وهو مخصص لإيداع واحد في المئة من الريع النفطي في البلاد من أجل تكوين احتياطيات نقدية للأجيال القادمة، وإنشاء مخزون هدفه مقاومة الصدمات الناتجة عن التقلبات في أسعار النفط الدولية. وبما أن النفط الخام كان يمثّل 99 في المئة من صادرات العراق، و85 في المئة من موازنة الحكومة، و42 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد على مدى العقد الماضي، يُعتبَر توفير هذه الحماية من الصدمات أمرًا بالغ الأهمية. كما يمكن استخدام الودائع المحتملة لصندوق الثروة السيادية من أجل تمويل مشاريع الطاقة المتجددة، ما يعالج مكامن القصور المزمنة التي يواجهها العراق في مجال توفير الطاقة الكهربائية منذ "حرب الخليج" التي اندلعت عام 1990. ومع ذلك، إن الواقع هو أن الحكومة المذكورة غير مستعدة على الأرجح للمضي قدمًا في تنفيذ أيٍ من هذه الإصلاحات.

تعاظُم التحديات وغياب المعدات المناسبة

تفتقر حكومة السوداني على الأرجح إلى الأدوات اللازمة للتعامل مع العقبات الوافرة التي تعترض طريقها نحو تنفيذ مثل هذه الاستثمارات بشكلٍ فعال. ويُعَدّ الفساد المستشري والصراعات الداخلية المنتظَرة بين النخب -وخاصةً بين أتباع رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر و"الإطار التنسيقي"- بعضًا من أكبر هذه العراقيل. ولا يُعتبَر التخوف من إضاعة العراق للمكاسب النفطية المفاجئة في الصراعات الداخلية التي تنشأ بين النخب أمرًا مستغرَبًا للغاية. فقبل بضعة أشهرٍ فحسب، اقتحم أتباع الصدر "المنطقة الخضراء" وتسببوا في إحداث شلل سياسي هائل أثناء تشكيل حكومة السوداني، ويُحتمَل أن يقوموا بذلك مرة أخرى إذا شعروا أن الحكومة الجديدة تتعاطى معهم بازدراء.

كما لن تكون هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها استنفاد ريع النفط العراقي بطريقة احتيالية على مر العقدين الماضيين. فكان آخر مظاهر الفساد المستشري في هذا البلد هو الكشف عن مخطط اختلاس بقيمة 3.7 تريليون دينار عراقي (أي حوالي 2.3 مليار دولار أمريكي) حدثَ في خلال الأشهر الأربعة عشر الماضية داخل "مصرف الرافدين" الذي تملكه الدولة، وذلك عبر شبكة من موظفين عموميين وخمس شركات مشبوهة. وعلى الرغم من التصريحات الخطابية التي تدّعي العكس، من المتوقع أن تحافظ حكومة السوداني على نهج "العمل كالمعتاد" في بغداد إزاء فساد النخبة الحاكمة، ما لم تعاود الضغوط ظهورها من القاعدة الشعبية لمكافحة الفساد ودعم القوى الإصلاحية داخل الحكومة.

وعلى غرار الحكومات السابقة، فمن المرجح أن تحاول حكومة السوداني الدفع بالاقتصاد من خلال استغلال أرباحها النفطية المفاجئة قبل الانتخابات المبكرة المزمع عقدها في أواخر عام 2023. لذلك، إذا عملت القوى الإصلاحية والمنظمات غير الحكومية ووسائل الإعلام على توحيد جهودها لحث الحكومة على تخصيص جزءًا من عائدات النفط لتوسيع استثماراتها في البنية التحتية العامة، سيتغير حال معظم العراقيين إلى الأفضل. وفي السياق ذاته، يعد قانون الموازنة لعام 2023 فرصة ذهبية يجب اقتناصها للتركيز على قطاعات الخدمات الرئيسية مثل التعليم والصحة والطاقة الكهربائية عوضاً عن التركيز على زيادة النفقات العسكرية والأمنية.

من الواضح ان محاولة الموازنة بين مطالب النخبة الحاكمة التي تدعم السوداني وبين احتياجات ملايين العراقيين الذين خرجوا للشوارع للمطالبة بحكم أفضل، لن تكون يسيرة. وبالتالي، سيتحتم على السوداني التعامل مع مقايضة تتمثل في إرضاء النخبة الحاكمة أو زيادة الاستثمار في البنية التحتية لتقديم خدمات أفضل، وتنشيط سوق العمل الخاص من خلال تخصيص جزء من عائدات النفط للمواطنين ذوي الدخل المنخفض الذين يعملون في قطاع الاقتصاد غير الرسمي. ومع ذلك، فإن، الفشل في التعامل مع هذه المقايضة سيعرض حكومة السوداني لنفس التحديات التي واجهتها الحكومات السابقة، ومن المرجح أن يتسبب ذلك عودة الاضطرابات المدنية التي عصفت بالبلاد خلال السنوات السابقة.

..........................................
* محمد حسين هو باحث وخبير اقتصادي مقيم في كردستان وعضو في "شبكة الاقتصاديين العراقيين." ويركز عمله على قطاع الطاقة وسوق العمل في العراق. وقد ظهرت مقالاته في وسائل إعلام عراقية وكردية ودولية مختلفة مثل "تقرير نفط العراق" (Iraq Oil Report)، و"الشؤون الخارجية" (Foreign Affairs)، و"السياسات الخارجية" (Foreign Policy).

اضف تعليق