حينما يأتي الحديث عن التطرّف أو المتطرّفين أو الجماعات التكفيرية أو عمليات إقصاء وحذف الفكر الآخر، فإنَّ محرِّكات البحث سرعان ما تنطلق نحو القاموس الديني لتجد موقعها وتعريفها وتعريبها، معتبرة أنها مفاهيم دينية لها ارتباط وثيق بعالم المتدينين، ولا فرق في كون الباحث من أية فئة أو انتماء فكري، فتجد فيهم من هو محسوب على التيار الديني ومن هو علماني أو ليبرالي أو ملحد.

فالمتدين يرى تلك المفاهيم أنها من آفات التدين والدين ولابدَّ من علاجها بشكلٍ ما.

بينما يراه الخارج عن الإطار الديني أنه جزء من الدين وأن كل متدين إن أراد أن يكون مؤمنًا فلابد أن يكون متطرِّفًا وتكفيريًا وليس عليه إلا الجهاد من أجل إقصاء الآخر وعزله أو محوه من الوجود بدرجة من الدرجات وحسب الاستطاعة أو إقناعه ليغيِّر من إيمانه وعقيدته.

فهل يا ترى أن هذا التقييم صحيح وهل المكان الطبيعي لتلك المفاهيم هو القاموس الديني؟

إنَّ نظرةً سريعة على مصادر الشريعة الإسلامية الأصيلة تدل على عكس ذلك؛ بينما نظرة سريعة أُخرى على مصادر الطرف الآخر تدل على إنّ التكفير والتطرّف والإقصاء من خصائصه.

وبناءً على هذا؛ فإننا نجد نصوص القرآن الكريم تدعو إلى فسح المجال لاستماع كافة الأصوات والدعوة لاتباع الأفضل؛ "فبشِّر عبادِ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب"، وتستنكر ما يقوم به الطرف الآخر من إقصاء: "وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلّكم تغلبون".

ونجد أيضًا الأسلوب القرآني لم يكفِّر أو يضلِّل حتى المعاندين؛ "وإنا وإياكم لعلى هدىً أوفي ضلالٍ مبين". ويدعو إلى إشراك الطرف الآخر: "فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر".

كما نجد تجسيد تلك النصوص من خلال سيرة القائمين على الدين وهم رسول الله والأئمة المعصومين عليهم السلام.

فمثلا: النبي وأمير المؤمنين صلى الله عليهما وآلهما وسلم أُتيحت لهما فرصة الحكم والقيادة، كانت لغة الحوار والمنطق قائمة لديهما مع الخصم رغم عدم التزامه بذلك، وكذلك الأمر مع بقية المعصومين الذين لم يستتب لهم الحكم أو المنبر السياسي.

وكـ نموذج جلي وواضح لو أردنا أن نلقي نظرة على يوم عاشوراء وحادثة الطف العظمى وهي أهم حادثة على الإطلاق في التأريخ؛ نرى مثلًا زهير بن القين رضوان الله تعالى عليه يستأذن سيد الشهداء عليه السلام ليخاطب الخصم فيقول: "إنَّ حقًا على المسلم نصيحة أخيه المسلم، ونحن حتى الآن إخوة وعلى دين واحد وملة واحدة ما لم يقع بيننا وبينكم السيف، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة، وكنا أمة وكنتم أمة". (١)

في هذا الخطاب يُلاحظ؛ بالرغم من ارهاصات الحرب والقتال من جانب العدو، والحصار العسكري، والعدوان السياسي والإعلامي، وقطع الماء على النساء والأطفال، وإبراز كافة وسائل ومظاهر الإرهاب، إلّا أن الخطاب الحسيني جاء مسالمًا وبعيدًا عن أي حديّةٍ أو عنف؛ فهو لا يزال يراهم إخوة وعلى دين واحد ما لم يقع السيف والقتال، فإذا حصل ذلك فإنَّ المقاييس تتبدّل باعتبار أن الأرواح قد أُخرجت من الأبدان فيشملها القانون الغيبي.

وبعبارة أُخرى فإنَّ الخطاب الحسيني حتى لحظة الموت كان يدعو إلى الحوار والتعايش.

يقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في كتابه إلى أهل الأنصار قاصًا لهم ما جرى في صفين: "وكَانَ بَدْءُ أَمْرِنَا أَنَّا الْتَقَيْنَا والْقَوْمُ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ والظَّاهِرُ أَنَّ رَبَّنَا وَاحِدٌ ونَبِيَّنَا وَاحِدٌ ودَعْوَتَنَا فِي الْإِسْلَامِ وَاحِدَةٌ ولَا نَسْتَزِيدُهُمْ فِي الْإِيمَانِ بِاللَّهِ والتَّصْدِيقِ بِرَسُولِهِ..". (٢)

وعند سائر الأئمة الأطهار عليهم السلام من الذين لم يخوضوا المعترك السياسي مع السلطة فإنّهم قد دعوا شيعتهم وأتباعهم بدعوة الآخرين إلى الحق والحقيقة بعيدًا عن أي تصادم سياسي أو فكري أو عقائدي، بل منعوهم عن أي تلاسن حاد معهم.

يقول الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام: "كونوا دعاةً لنا بغير ألسنتكم". (٣) ويقول الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام: "إنَّما شيعتنا الخُرْس". (٤)

إنَّ الأسباب الرئيسية التي تدعو إلى التكفير والإقصاء بحق الطرف الآخر إنَّما هي ناشئة عن حالات من العُقَد النفسيَّة نتيجة ضعف أو ضحالة الفكر والمنطق، كما أنها ناشئة أيضًا من الخوف كالاضمحلال عن الوجود فتراه يتشبَّث بـ قِشَّة التكفير الديني أو الفكري حفاظًا على كيانه، وهذا ما لا يحتاج إليه الفكر الإمامي وذلك لقوة وجوده وثراء فكره الأصيل.

يقول الإمام السيد محمد بن المهدي الحسيني الشيرازي: "إنَّ الدنيا تسير إلى حكومة واحدة هي حكومة الإسلام، إذ تقارب الدنيا بعضها من بعض، ووحدة الحاجة والهدف الناشئة عن التقارب والاتصالات، لابد وأنْ تنتهي بها إلى وحدة القانون، وحيث إنّ قانون الإسلام أفضل قانون يحل مشاكل البشر ويوجب لهم السعادة لابدَّ وأنْ تنتهي الدنيا إلى قانون الإسلام." (٥) وهذا لا يكون إلّا إذا كان هذا الفكر قادرًا على التكيُّف والتعايش مع جميع الأفكار، ولقد صنّف أمير المؤمنين عليه السلام جميع الناس بهذا التصنيف: "إما أخٌ لك في الدين أو نظيرٌ لك في الخلق".(٦) فجميع البشر من حقهم أن يكونوا تحت ظل أي دين شاؤوا دون أن يُحرموا عن حقوقهم.

..........................
الهوامش:
(١) الشيخ محمد السماوي؛ إبصار العين في أنصار الحسين عليهم السلام. ص١٦٥.
(٢) الإمام علي عليه السلام؛ نهج البلاغة، باب الكتاب، الكتاب ٥٨.
(٣) ثقة الإسلام الكليني؛ أصول الكافي، ج٢، ص٦٥
(٤) ثقة الإسلام الكليني؛ أصول الكافي، ج٢، ص ٧٣
(٥) الإمام الشيرازي؛ فقه الحكم في الإسلام، ص٢١٩
(٦) الإمام علي عليه السلام؛ نهج البلاغة، باب الكتاب، من عهده عليه السلام إلى مالك الأشتر.

اضف تعليق