إسلاميات - اهل البيت

سيدة الحب والإخلاص

بمناسبة استشهاد أم المؤمنين خديجة (ع)

من الذين أشادوا بفضائل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وحدّثوا السيدة خديجة (عليها السلام) عن عظيم مقاماته، هو (ميسرة) خادمها الذي رافق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) طيلة سفره إلى الشام، وشاهد بعينيه كل المعجزات والكرامات المحمودة التي اتّفقت لـه أثناء الطريق

يحدث أن يكبر شخص في عينيك إلى درجة أنّ وجوده يكفيك كي تعيش كل حياتك بخير وسعادة، بعيداً عن ضوضاء البشر.

يكبر إلى أسمى حدوده كي تنفق ما تملك لأجله، ربما يكون في عيون الآخرين مجرد إنسان كبني جلدته في هذا العالم، لكنه يكون بالنسبة لك العالم كله، هذا هو الحب عندما يسكن أعماقنا وأطرافنا، نشتاق لرؤية من نحب ونضيع في دائرة الأحزان لو غابوا عنا.

إنهم يسكنون داخلنا ولكن نتلهف لرؤيتهم في كل لحظة...

الحب لا يُختصَر في كلمات، بل هو أسمى وأرقى من ذلك، هو العلاقة السامية بين طرفين، حيث يجعل أغنى امرأة في قريش من حيث المكانة والفضيلة والعلم والأدب، ترفض جميع الأمراء والفضلاء الذين تقدموا لخطبتها، وتقبل بيتيم لا يملك من الدنيا شيئا، كما قاطعنها بعض النسوة عندما عرفوا بزواجها.

ورد في البحار أنّها كانت عندما تزوّجها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عذراء، وإنه لم يبق من أشراف قريش ومن ساداتهم وذوي الجدة منهم، إلاّ وخطب السيّدة خديجة ورام الزواج منها، فامتنعت على جميعهم من ذلك.

فلمّا تزوّج بها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) غضبن عليها نساء قريش وهجرنها وقلن لها: خطبك أشراف قريش واُمرائهم فما تزوّجت أحداً منهم وتزوّجت محمداً يتيم أبي طالب، فقيراً لا مال لـه؟

فكيف يجوز في نظرهم أن يتزوج من خديجة يتيم لا مال لـه، وتمتنع عن سادات قريش وأشرافها على أموالهم الكثيرة. الحب هو أن يسكنك الحبيب بإرادة الله ويغير سبحانه كل شيء ويقول له كن فيكون كي تصل إلى مبتغاك بإذنه ويكون حبك لله وفي الله.

من الذين أشادوا بفضائل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وحدّثوا السيدة خديجة (عليها السلام) عن عظيم مقاماته، هو (ميسرة) خادمها الذي رافق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) طيلة سفره إلى الشام، وشاهد بعينيه كل المعجزات والكرامات المحمودة التي اتّفقت لـه أثناء الطريق.

فلمّا عاد ميسرة من السفر التفتت إليه السيدة خديجة وقالت: حدّثني كيف كان سفركم؟ وما الذي عاينتم من محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)؟.

فقال: يا سيدتي وهل أُطيق أن أصف لك بعضاً من صفاته وما عاينت منه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم أخبرها بحديث السيل والبئر والثعبان والنخل وما أخبره الراهب وما أوصاه إلى خديجة.

فقالت: حسبك يا ميسرة اذهب فأنت حرّ لوجه الله، وزوجتك وأولادك، ولك عندي مائتا درهم وراحلتان وخلعت عليه خلعة سنية وقد امتلأ سروراً وفرحاً.

ثم إنّ السيّدة خديجة (عليها السلام) التفتت إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقالت: يا سيدي كيف كان سفركم؟.

فأخذ (صلى الله عليه وآله وسلم) يحدّثها بما باعه وما شراه.

فرأت خديجة ربحاً عظيماً، وقالت: يا سيدي لقد فرّحتني بطلعتك وأسعدتني برؤيتك فلا لقيت بؤساً ولا رأيت نحساً.

الحب يعني إعلان الحداد وعام من الحزن والأسى بعد أن تودع سيدة قريش الحياة، من الطبيعي أن تختفي كل الألوان عند رحيل هذه الزهرة المباركة التي كانت تفوح منها رائحة الصدق والإخلاص، ممن آزرت وجاهدت بجميع الأساليب.

بالتأكيد سيفرض السواد نفسه على العالم لينتحب الجميع فقدانها.

النبي صلى الله عليه واله يبشرها بمكانها في الجنة: لمّا حضرتها الوفاة دخل عليها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال لها: تكرهين ما أرى منك وقد جعل الله من الكره خيراً.

وعند دفنها نزل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حفرتها وأدخلها القبر بيده الشريفة في الحجون*1 وقد كانت وفاة السيّدة خديجة (عليها السلام) وأبي طالب (عليه السلام) في عام واحد قبل الهجرة بثلاث سنين، أي في السنة العاشرة من البعثة بعد خروج بني هاشم من الشعب، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «ما اغتممت بغمّ أيام حياة أبي طالب وخديجة».

لما كان أبو طالب (عليه السلام) يدفعه عنه وخديجة (عليها السلام)، تعزّيه وتصبّره وتهوّن عليه ما يلقاه في ذات الله عزّ وجلّ، ولذا عند ما توفي عمه أبو طالب وزوجته خديجة سمّي ذلك العام بعام الحزن *2.

الحب يعني مرور الذكرين والسمعة الحسنة

أن يذكر الحبيب حبيبته حتى وإن غابت عنه وفارقت الحياة

فعن عائشة قالت: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا ذكر خديجة لم يسأم من ثناء عليها واستغفار لها، فذكرها ذات يوم فحملتني الغيرة، فقلت: لقد عوَّضك الله من كبيرة السن!.

قالت: فرأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) غضب غضباً شديداً، فسقطت في يدي، فقلت: اللهمَ إنَك إن أذهبت بغضب رسولك (صلى الله عليه وآله وسلم) لم أعد بذكرها بسوء ما بقيت.

قالت: فلمَا رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما لقيت قال: كيف قلت؟ والله لقد آمنت بي إذ كفر الناس، وآوتني إذ رفضني الناس، وصدَّقتني إذ كذَّبني الناس، ورزقت منّي الولد حيث حرمتموه.

قالت: فغدا وراح عليّ بها شهراً*3

من الأمور المتفق عليها حب النبي صلى الله عليه لها وعظمة مكانتها وعلو شأنها، فقد كانت خير نساء النبي صلى الله عليه وآله حيث صرّح الرسول صلى الله عليه وآله بذلك مراراً وتكراراً، إنها تجردت عن رداء التكبر والفخر رغم كل الممتلكات، وفدت بنفسها وكلما تملك لإنجاح هذا المشروع السماوي، فقد شكر الله سعيها وأرسل لها كفناً من الجنة ودفنت برداء رسول الله صلى الله عليه وآله كي ترتل أجمل ألحان الحب بعد الرحيل، وتستأنس به حتى وان كانت بعيدة عنه، فسلام على خير نساء أهل الجنة.

فكما ورد في المراجع شهد ‎رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك: «خير نساء الجنّة مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون»*4

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر
‎1- الحجون: بفتح الحاء جبل بمكّة وهي مقبرة، بحار الأنوار: ج18 ص97.
2- بحار الأنوار: ج19 ص20
3- كشف الغمّة: ج1 ص512.
4- الخصال: ج1 ص206 باب الأربعة ح23.

اضف تعليق