معالي أخلاقه فإنها نفحة من روح الله يهتدي بها الحائر ويسترشد بها الضال وقد حاكى بهذه الظاهرة جده الرسول (ص) الذي امتاز على سائر النبيين بسمو اخلاقه. وكان (ع) يقابل كل من اساء إليه بالعفو والصفح الجميل، ويغدق عليه ببره ومعروفه، ليقلع من نفسه جذور البغي والاعتداء على الغير...

واجمع رجال الفكر والعلم في عصر الامام زين العابدين على تعظيمه واكباره وتقديمه بالفضل على غيره وهذه بعض كلماتهم.

1 ـ سعيد بن المسيب.

وغمرت هيبة الامام وعظمته سعيد بن المسيب فراح يقول: « ما رأيت قط افضل من علي بن الحسين، وما رأيته قط إلا مقت نفسي، ما رأيته يوما ضاحكا.. » (1).

2 ـ الزهري:

وهام الزهري بحب الامام يقول: « ما رأيت قرشيا أفضل منه » (2) وقال: « ما رأيت أفقه من علي بن الحسين » (3).

3 ـ زيد بن اسلم:

يقول زيد بن اسلم: « ما رأيت مثل علي بن الحسين » (4).

4 ـ عمر بن عبد العزيز:

وقال عمر بن عبد العزيز لما أتاه نعي الامام: « ذهب سراج الدنيا، وجمال الاسلام، وزين العابدين » (5).

5 ـ أبو حازم:

يقول أبو حازم: « ما رأيت هاشميا أفضل من علي بن الحسين » (6).

6 ـ مالك:

يقول مالك: « لم يكن في أهل بيت رسول الله (ص) مثل علي بن الحسين » (7).

7 ـ جابر بن عبد الله:

وممن هام بحب الامام الصحابي العظيم جابر بن عبد الله الانصاري يقول: « ما رؤي من أولاد الأنبياء مثل علي بن الحسين. » (8)

8 ـ الواقدي:

يقول الواقدي: « كان علي بن الحسين من أورع الناس وأعبدهم واتقاهم لله عز وجل.. » (9)

وحكت هذه الكلمات انطباعات هؤلاء الاعلام من الامام، فقد اقروا جميعا على تقديمه بالفضل والعلم على غيره من ابناء الأسرة النبوية ـ في عصره ـ التي تمثل الكمال المطلق للإنسان.

سمو اخلاقه:

أما معالي أخلاقه فإنها نفحة من روح الله يهتدي بها الحائر ويسترشد بها الضال وقد حاكى بهذه الظاهرة جده الرسول (ص) الذي امتاز على سائر النبيين بسمو اخلاقه.

وكان (ع) ـ فيما أجمع عليه المؤرخون ـ يقابل كل من اساء إليه بالعفو والصفح الجميل، ويغدق عليه ببره ومعروفه، ليقلع من نفسه جذور البغي والاعتداء على الغير، وهذه بعض البوادر التي أثرت عنه.

أ ـ يقول المؤرخون: إن اسماعيل بن هشام المخزومي كان واليا على يثرب، وكان من أعظم المبغضين والحاقدين على آل البيت (ع) وكان يبالغ في إيذاء الامام زين العابدين، ويشتم آباءه على المنابر، تقربا الى حكام دمشق، ولما ولي الوليد بن عبد الملك الخلافة بادر الى عزله والوقيعة به لهنات كانت بينه وبينه قبل أن يلي الملك والسلطان، وقد أوعز بايقافه للناس لاستيفاء حقوقهم منه، وفزع هشام كأشد ما يكون الفزع من الامام (ع) لكثرة إساءته له، وقال: ما أخاف إلا من علي بن الحسين فانه رجل صالح يسمع قوله فيّ، ولكن الامام عهد إلى أصحابه ومواليه ان لا يتعرضوا له بمكروه، وخف إليه فقابله ببسمات فياضة بالبشر، وعرض عليه القيام بما يحتاج إليه في محنته قائلا له:

« يا ابن العم عافاك الله لقد ساءني ما صنع بك فادعنا إلى ما احببت.. »

وذهل هشام، وراح يقول بإعجاب:

(اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ) فيمن يشاء.. » (10)

ب ـ ومن معالي اخلاقه هذه البادرة التي ترفعه الى مستوى لم يبلغه أي مصلح كان عدا آبائه، كما تدلل على امامته.

لقد روى المؤرخون أنه كان في كل يوم من شهر رمضان يذبح شاة ويطبخها ويوزعها على الفقراء والمحرومين، وفي يوم حمل غلامه اناء فيه شيء من المرق وكان يغلى من شدة الحرارة فعثر الغلام بأحد اطفال الامام، فتوفي الطفل في الوقت، فارتفعت الصيحة من العلويات، وكان الامام يصلي فلما انفلت من صلاته أخبر بوفاة ولده فأسرع (ع) الى الغلام فرآه يوعد من شدة الخوف، فقابله بلطف وحنان، وقال له:

« لقد ظننت بعلي بن الحسين الظنون، ظننت أنه يعاقبك ويقتص منك.. اذهب فأنت حر لوجه الله، وهذه أربعة آلاف دينار هدية إليك، واجعلني في حل من الخوف الذي داخلك من أجلي... » (11).

أي نفس ملائكية هذه النفس، إنها لتفوق نفوس عباد الله الصالحين الذين امتحن الله قلوبهم بالايمان... لقد ورث هذه الاخلاق العظيمة من جده الرسول العظيم (ص) الذي أسس مكارم الاخلاق في الارض.

ج ـ ومن معالي اخلاقه أنه كان خارجا من المسجد فالتقى به رجل من شانئيه فقابل الامام بالسب والشتم فثار في وجهه بعض موالي الامام وأصحابه فنهرهم (ع) وأقبل على الرجل بلطف قائلا:

« ما ستر عليك من أمرنا أكثر... الك حاجة نعينك عليها.. »

واستحيا الرجل وودّ أن الارض قد وارته، وبان عليه الانكسار والندم، وبادر نحوه الامام (ع) فالقى عليه خميصة، وأمر له بألف درهم، وطفق الرجل يقول:

« اشهد أنك من بني الرسل!! » (12).

هذه بعض البوادر من معالي اخلاقه التي تفيض بالرحمة والحلم، ونكران الذات... والحق ان اخلاق أهل البيت (ع) مدرسة تقوم على الشرف والنبل وعلى كل ما يسمو به الانسان.

نشره للعلم:

وانصرف الامام زين العابدين (ع) بعد كارثة كربلا الى نشر العلم واذاعته بين الناس ولم يقتصر على علم الحديث والفقه، وإنما عنى بالأخلاق والآداب والفلسفة والحكمة.

وقد أمد الفكر الاسلامي بطاقات هائلة من العلم والحكمة وآداب السلوك حفلت بها صحيفته، ورسالته في الحقوق، وغيرهما من موسوعات الحديث وكتب الاخلاق، وقد قام بدور إيجابي وبناء في ابراز مثل الاسلام وقيمه وتعاليمه.

حثه على طلب العلم:

وكان (ع) يحث المسلمين على طلب العلم، ويدعوهم الى المبادرة في تحصيله لأنه الاداة الخلاقة لتطورهم وازدهار حياتهم يقول (ع): « لو علم الناس ما في طلب العلم لطلبوه ولو بسفك المهج، وخوض اللجج ».

وأوصى (ع) بعض أصحابه ببسط العلم ونشره، وأن لا يتجبر على من يعلمه، يقول (ع):

« فان أنت احسنت في تعليم الناس، ولم تتجبر عليهم زادك الله من فضله، وإن أنت منعت علمك، وأخرقت بهم عند طلبهم العلم منك كان حقا على الله عز وجل أن يسلبك العلم وبهاءه، ويسقط من القلوب محلك. » (13)

تكريمه لطلاب العلوم:

وكان (ع) يعتني بطلاب العلوم ويرفع مكانتهم، فاذا رأى أحدا منهم رحب به وقال له: « مرحبا بوصية رسول الله (ص) » ويقول الامام الباقر (ع) كان أبي زين العابدين اذا نظر الى الشباب الذين يطلبون العلم أدناهم إليه، وقال: مرحبا بكم أنتم ودايع العلم، ويوشك اذ أنتم صغار قوم أن تكونوا كبار آخرين (14).

احتفاف القراء به:

واحتف القراء بالامام زين العابدين، وكانوا لا يفارقونه فقد كانوا يكتسبون منه العلوم والمعارف والآداب، وتحدث سعيد بن المسيب عن مدى ملازمتهم للإمام يقول: إن القراء كانوا لا يخرجون إلى مكة حتى يخرج علي بن الحسين، فخرج وخرجنا معه الف راكب (15).

عتقه للموالى:

وكان الامام زين العابدين (ع) يعطف على الموالي كأشد ما يكون العطف، فكان يشتريهم، ويشتري نساءهم، ويعتقهم جميعا لينعموا بالحرية والكرامة، وإذا اعتقهم منحهم الأموال الطائلة، والثراء العريض ليستغنوا عما في أيدي الناس.

وقد تبنى طائفة من الموالي فجعل يغذيهم بأنواع العلوم والمعارف، وقد تخرج على يده مجموعة منهم كانوا من كبار العلماء في ذلك العصر، وكان ذلك هو السبب في تزعم الموالي للحركة العلمية في تلك العصور، كما ان ذلك هو السبب في انتشار الولاء لأهل البيت (ع) عندهم، وانضمامهم لكل حركة سياسية تدعو الى التخلص من الحكم الاموي، وارجاع الخلافة لاهل البيت (ع) الذين كانوا الملجأ لكل بائس ومحروم.

عبادته وتقواه:

وكان الامام زين العابدين من رهبان هذه الامة في عبادته وتقواه. وقد لقب بذي الثفنات لكثرة سجوده، كما لقب بالمتهجد، وزين العابدين، وسيد العابدين (16) والسجاد وهي تشير الى كثرة عبادته، وعظيم اقباله على الله، وقد روى المؤرخون أنه إذا توضأ اصفر لونه، فيقول له أهله: ما هذا الذي يعتريك عند الوضوء؟ فيقول لهم: أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم؟ (17) وقد دخل عليه ولده الباقر فرآه قد بلغ من العبادة ما لم يبلغه أحد، فقد اصفر لونه من السهر ورمصت عيناه من البكاء ودبرت جبهته من كثرة السجود، وورمت ساقاه من القيام في الصلاة، فلم يملك ولده نفسه من البكاء، وكان الامام زين العابدين في شغل عنه، فلما بصر بولده أمره ان يناوله بعض الصحف التي فيها عبادة جده الامام أمير المؤمنين (ع) فناوله تلك الصحف فجعل يتأمل فيها، ثم تركها ضجرا وراح يقول:

« من يقوى على عبادة علي ابن أبي طالب »:

(18) وكان (ع) إذا قام للصلاة بين يدي الله توجه بقلبه ومشاعره نحو الخالق العظيم، فلا يشغله أي شأن من هذه الحياة، ويقول الامام الباقر (ع): كان أبي اذا وقف للصلاة لم يشتغل بغيرها، ولم يسمع شيئا لشغله بها وقد سقط بعض ولده فانكسرت يده، فصاح أهله وجيء بالمجبر فجبر يده والصبي يصرخ من شدة الالم، والامام لم يسمع فلما اصبح ورأى الصبي قد شدت يده فسأل عن ذلك فأخبره أهله بذلك (19).

وقد أجهدته العبادة أي اجهاد، فقد حمل نفسه من أمرها رهقا، وقد خاف عليه أهله، فراحوا يتوسلون إليه ليخفف من عبادته، وهو يأبى ذلك، يقول الامام الباقر (ع): لما رأت فاطمة بنت الامام أمير المؤمنين ما يفعل ابن أخيها علي بن الحسين بنفسه من الدأب في العبادة اقبلت الى جابر بن عبد الله الانصاري فقالت له:

« يا صاحب رسول الله إن لنا عليكم حقوقا، ومن حقنا عليكم ان إذا رأيتم أحدنا يهلك نفسه اجتهادا أن تذكروه الله وتدعوه الى البقيا على نفسه، وهذا علي بن الحسين بقية أبيه الحسين قد انخرم أنفه، ونقبت جبهته وركبتاه وراحتاه مما دأب على نفسه في العبادة.. »

وانطلق جابر الى الامام زين العابدين فوجده في محرابه قد أضنّته العبادة، واجهدته الطاعة ونهض الامام فاستقبل جابر، واجلسه إلى جنبه، وسأله سؤالا حفيا عن حاله، واقبل جابر عليه قائلا:

« يا ابن رسول الله أما علمت أن الله تعالى إنما خلق الجنة لكم ولمن أحبكم، وخلق النار لمن أبغضكم وعاداكم، فما هذا الجهد الذي كلفته نفسك؟.. »

فاجابه الامام بلطف وحنان قائلا:

« يا صاحب رسول الله، أما علمت أن جدي رسول الله قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، فلم يدع الاجتهاد له وتعبد ـ بأبي وأمي ـ حتى انتفخ ساقه، وورم قدمه، وقد قيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: أفلا أكون عبدا شكورا... »

ولما نظر جابر الى الامام لا يغنى معه قول يميل به من الجهد والتعب، طفق يقول له: « يا ابن رسول الله، البقيا على نفسك، فانك من أسرة بهم يستدفع البلاء، وبهم تستكشف الادواء، وبهم تستمطر السماء... »

فاجابه الامام بصوت خافت:

« لا أزال على منهاج أبوي مؤتسيا بهما حتى القاهما... »

وبهر جابر، وأقبل على من حوله قائلا:

« ما رؤي من أولاد الأنبياء مثل علي بن الحسين إلا يوسف بن يعقوب، والله لذرية الحسين أفضل من ذرية يوسف بن يعقوب!! إن منهم لمن يملأ الارض عدلا كما ملئت جورا... »(20)

لقد كان الامام زين العابدين امام المتقين والمنيبين فقد اجتهد في عبادته وأخلص في طاعته، ولم يؤثر عن القديسين مثل ما أثر عنه من الاقبال على الله.

صدقاته وبره:

وكان الامام زين العابدين من أبر الناس بالضعفاء، وأرفقهم بالمساكين، وأرحمهم للبائسين، وكان يؤثر اصحاب الفاقة على نفسه وأهله، وقد اجمع المؤرخون انه كان يحمل جراب الخبز على ظهره فيتصدق به، ويقول: إن صدقة السر تطفئ غضب الرب (21) وكان يعول بمائة بيت في المدينة (22) وكان اذا ناول الفقير الصدقة قبله ثم ناوله (23) وإنما كان يفعل ذلك لئلا يبدو على الفقير أثر الذل والانكسار، ويقول المؤرخون: ان الامام أبا جعفر (ع) لما غسل أباه نظر بعض من كان حاضرا تغسيله الى مواضع المساجد من ركبتيه، وظاهر قدميه كأنهما مبارك البعير من كثرة سجوده إلا انهم نظروا الى عاتقه فوجدوا مثل ذلك الاثر عليه فسألوه عن ذلك فقال (ع):

« اما انه لو كان حيا ما حدثتكم عنه، كان لا يمر به يوم من الايام إلا اشبع فيه مسكينا فصاعدا ما أمكنه، فاذا كان الليل نظر الى ما فضل عن قوت عياله يومهم ذلك فجعله في جراب فاذا هدأ الناس وضعه على عاتقه، وتخلل المدينة وقصد قوما لا يسألون الناس الحافا فوصلهم من حيث لا يعلمون من هو، ولا يعلم بذلك أحد من أهله غيري، فانى كنت أطلعت على ذلك منه يرجو بذلك فضل اعطاء الصدقة بيده، ودفعها سرا، وكان يقول: صدقة السر تطفئ غضب الرب (24).

ويروي الامام الباقر (ع) بعض مبرات أبيه فيقول: كان أبي ربما يشتري مطرف الخز بخمسين دينارا فيشتو فيه، ويدخل به المسجد فاذا كان الصيف أمر فيتصدق به، أو بيع فيتصدق بثمنه (25).

لقد كان الامام زين العابدين (ع) نسخة لا ثاني لها في تأريخ الانسانية، فان مقايسه الخلقية، وفضائله النفسية لترفعه الى مستوى لم يبلغه أي انسان عدا آبائه.

* مقتبس من كتاب حياة محمد الامام الباقر (ع) دراسة وتحليل، لمؤلفه الشيخ باقر شريف القرشي

.........................................
(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 46.
(2) تهذيب التهذيب 7 / 305، وفي الحلية (ما رأيت هاشميا أفضل من علي بن الحسين).
(3) حلية الاولياء 3 / 309.
(4) طبقات الفقهاء (ص 34).
(5) تأريخ اليعقوبي 2 / 48.
(6) حلية الاولياء 3 / 141.
(7) تهذيب التهذيب 7 / 305.
(8) الامام زين العابدين (ص 73).
(9) البداية والنهاية 9 / 104.
(10) وسيلة المآل في عد مناقب الآل (ص 208).
(11) صفة الصفوة.
(12) وسيلة المآل فى عد مناقب الآل (ص 208).
(13) مكارم الاخلاق (ص 143) لرضي الدين الطبرسي.
(14) الدر النظيم (ص 181) الانوار البهية (ص 103).
(15) البحار 2 / 83.
(16) الدر النظيم (ص 179).
(17) درر الابكار في وصف الصفوة الاخيار من مصورات مكتبة الامام الحكيم.
(18) أعلام الورى (ص 360) عيون الاخبار وفنون الآثار (ص 151 ـ 152) الدر النظيم (ص 180).
(19) الدر النظيم (ص 179).
(20) الامام زين العابدين (ص 72 ـ 73) لاحمد فهمي، مناقب ابن شهرآشوب 4 / 148.
(21) حلية الاولياء 3 / 136.
(22) حلية الاولياء 3 / 136.
(23) حلية الاولياء 3 / 136.
(24) دعائم الاسلام 2 / 188.
(25) دعائم الاسلام 2 / 156.

اضف تعليق