المحاولات التي أراد منها المأمون إقناع الإمام الرضا (ع) بالخلافة عديدة ومستمرة وفي بعض الروايات قيل أنها استمرت اكثر من شهرين. ففي إحدى المحاولات قال المأمون للإمام الرضا(ع):

(يا بن رسول الله قد عرفت فضلك، وعلمك، وزهدك، وورعك، وعبادتك، وأراك أحق بالخلافة مني).

فقال الإمام (ع): (..بالزهد بالدنيا أرجو النجاة من شر الدنيا، وبالورع عن المحارم أرجو الفوز بالمغانم، وبالتواضع في الدنيا أرجو الرفعة عند الله).

فقال المأمون: (فإني قد رأيت أن اعزل نفسي عن الخلافة، واجعلها لك، وأبايعك).

فأجابه الإمام (ع) جوابا شافيا كرهه المأمون (.. هل أن الخلافة هي ثوب ألبسك الله إياه، فإن كان ثوبا ألبسك الله إياه، فلا يكون بإمكانك أن تنزعه منك وتمنحه إياي، وإن لم يكن شيئا أعطاك الله إياه، فكيف تعطيني مالا تملك) (1).

وجاء في بعض النسخ هكذا (.. إن كانت الخلافة حقا لك من الله فليس لك أن تخلعها عنك، وتوليها غيرك، وإن لم تكن لك، فكيف تهب ما ليس لك..) (2).

بعد هذا الجواب من الإمام قال المأمون: (.. لابد لك من قبول هذا الأمر).

فقال الإمام (ع): (.. لست افعل ذلك طائعا أبدا).

فما زال يجهد به أياما حتى يئس من قبوله.

وخرج ذو الرئاستين مرة على الناس قائلا: واعجبا لقد رأيت عجبا سلوني ما رأيت؟.

فقالوا: ما رأيت اصلحك الله؟.

قال: رأيت المأمون يقول لعلي بن موسى الرضا قد رأيت أن أقلدك أمر المسلمين وافسخ ما في رقبتي، واجعله في رقبتك.

ورأيت علي بن موسى الرضا يقول له: الله الله لا طاقة لي بذلك، ولا مقدرة لي عليه.. فما رأيت خلافة قط كانت أضيع منها، أمير المؤمنين يتفصى فيها ويعرضها على علي بن موسى وعلي بن موسى يرفضها ويأبى (3).

والسؤال هنا:

لماذا رفض الإمام الرضا (ع)الخلافة؟!.

ألم تكن فرصة لتنفيذ مبادئه وقيمه؟!.

الجواب:

عرض الخلافة على الإمام (ع) من قبل المأمون ليس جديا، فمن غير المعقول أن نرى رجلا يغصب الخلافة بالقوة ثم يعطيها إلى غيره بعدما قتل من اجلها قواده، ووزراءه، وحتى أخاه، حيث أعطى الذي جاءه برأسه مليون درهم، بعد ان سجد شكرا لله، ونصب الرأس على خشبة ليلعنه الناس.

المأمون ذلك الرجل المتعطش إلى الحكم، والذي قتل أخاه بتلك الصورة من اجله، لا يمكنه التنازل لرجل غريب بالنسبة له، ولو كان جادا في إعطاء الخلافة للإمام (ع)، فلماذا لا يجبره على قبولها، مع انه اجبره على قبول ولاية العهد.

ولوكان المأمون جادا في عرضه لذهب إلى الإمام (ع) وهو في المدينة وتنازل له..

وإذا كان جادا فلماذا يأمر الإمام (ع) بالسير على طريق البصرة - أهواز، ولم يتركه يسير كيف ما شاء.

وإذا كان حقا يريد التنازل ويرجع الحق إلى أهله فلماذا يكتم فضائل الإمام (ع) عندما اخبره بها رجاء بن أبي الضحاك. الخلافة بالنسبة للمأمون قضية ملك وسلطان فلا يمكن التنازل عنها، حيث تعلم المأمون درسا بليغا من أبيه لايمكن أن ينساه أبدا عندما قال له (... والله لو نازعتني أنت هذا الأمر لأخذت الذي فيه عيناك، فان الملك عقيم) (4).

عندما عرض المأمون الخلافة على الإمام (ع) كانت الدولة الإسلامية تعيش في جو مملوء بالفساد والانحراف وخاصة في أوساط بني العباس، حيث يصفهم المأمون فيقول: (..وانتم ساهون، لاهون تائهون، في غمرة تعمهون، لا تعلمون ما يراد بكم، وما ظللتم عليه من النقمة، وابتزاز النعمة، همة أحدكم أن يمسي مركوبا، ويصبح مخمورا، تباهون بالمعاصي، وتبتهجون بها، محنثون مؤنثون، لا يتفكر متفكر منكم في إصلاح معيشة، ولا استدامة نعمة، ولا اصطناع مكرمة، ولا كسب حسنة يمد بها عنقه يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم، أضعتم الصلاة، واتبعتم الشهوات، واكببتم على اللذات، فسوف تلقون غيا..)(5).

هذه الصورة لا تكشف كل الحقيقة فحالة الفساد والتسيب الإداري اكبر من ذلك ناهيك عن المجون والتحلل الأخلاقي الذي أصبح سمة ذلك العصر، فهي والحالة هذه تحتاج إلى تغيير جذري وشامل، لا تغيير شكلي ينتهي بعد أيام. والإمام الرضا (ع) لا يمكنه أن يعمد إلى الأجهزة الموبوءة ويطلب منها أن تطبق الإسلام وتقيم حدوده، وذلك لأن الإمام كان وحده، لا يملك الجهاز الواعي المتفتح ولا الكوادر اللازمة التي تستطيع تطبيق مفردات المنهج الإسلامي في الحكم بكل أمانة واخلاص، ومعنى ذلك أن أي خطأ من الأجهزة المنفذة سوف يقع لومه على الإمام(ع).

لماذا قبل الإمام (ع) ولاية العهد؟ المحاولات التي قام بها المأمون لإقناع الإمام (ع) بولاية العهد عديدة ومتنوعة، فتارة بواسطة الرسائل حين كان الإمام (ع) لا يزال في المدينة المنورة، وتارة يقوم بإرسال بعض الشخصيات أو القواد، أمثال رجاء بن أبي الضحاك والفضل والحسن ابني سهل، لإقناع الإمام بولاية العهد. وتارة يتهدد الإمام بالقتل تلويحا وتصريحا، والإمام (ع) يرفض قبول ما يطرح عليه، إلى أن علم الإمام (ع) أن المأمون لا يمكن أن يكف عنه، فلا بد وأن يقبل ولاية العهد، فلذلك قبل ولاية العهد مكرها في السابع من شهر رمضان سنة (201هـ).

* فقد جاء عن أبي الفرج: (.. فارسلهما (يعني الفضل والحسن ابني سهل) إلى علي بن موسى، فعرضا ذلك (يعني ولاية العهد) عليه، فأبى، فلم يزالا به، وهو يأبى ذلك ويمتنع منه.. إلى أن قال له أحدهما: إن فعلت ذلك، وإلا فعلنا بك وصنعنا، وتهدده)، ثم قال له أحدهما: (والله امرني بضرب عنقك إذا خالفت ما يريد).. ثم دعا به المأمون وتهدده، فامتنع، فقال له قولا شبيها بالتهديد، ثم قال له: (إن عمر جعل الشورى في ستة، أحدهم جدك وقال: من خالف فاضربوا عنقه ولا بد من قبول ذلك..) (6).

* ويروي آخرون: إن المأمون قال له: (.. يا ابن رسول الله إنما تريد بذلك (يعني بما اخبره به عن آبائه من موته قبله مسموما) التخفيف عن نفسك ودفع هذا الأمر عنك، ليقول الناس: انك زاهد في الدنيا).

فقال الإمام الرضا (ع): (والله ما كذبت منذ خلقني ربي عزوجل، وما زهدت في الدنيا للدنيا، وإني لأعلم ما تريد).

فقال المأمون: وما أريد؟.

فقال الإمام (ع): الأمان على الصدق؟.

قال المأمون: لك الأمان.

قال الإمام الرضا(ع): تريد بذلك أن يقول الناس إن علي بن موسى لم يزهد في الدنيا، بل زهدت الدنيا فيه، ألا ترون: كيف قبل ولاية العهد طمعا في الخلافة؟.

فغضب المأمون، وقال له: (انك تتلقاني أبدا بما اكرهه. وقد أمنت سطوتي، فبالله اقسم: لئن قبلت ولاية العهد، وإلا أجبرتك على ذلك، فان فعلت، وإلا ضربت عنقك).

فقال الإمام (ع): (.. قد نهاني الله تعالى أن القي بيدي للتهلكة، فان كان الأمر على هذا فافعل ما بدا لك..) (7).

* وقال الإمام الرضا (ع): في جواب الريان له، عن سر قبوله لولاية العهد:

(.. قد علم الله كراهتي لذلك، فلما خيرت بين قبول ذلك وبين القتل، اخترت القبول على القتل، ويحهم أما علموا أن يوسف (ع) كان نبيا ورسولا فلما دفعته الضرورة إلى تولي خزائن العزيز قال: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)، ودفعتني الضرورة إلى قبول ذلك على إكراه وإجبار بعد الإشراف على الهلاك على أني ما دخلت في هذا الأمر إلا دخول خارج منه فإلى الله المشتكى وهو المستعان) (8).

وقال الإمام الرضا (ع): في جواب محمد بن عرفه، عندما قال له: يا بن رسول الله ما حملك على الدخول في ولاية العهد؟. (.. ما حمل جدي أمير المؤمنين (ع) على الدخول في الشورى..) (9).

يقول الهروي (والله ما دخل الرضا (ع) في هذا الأمر طايعا ولقد حمل إلى الكوفة مكرها ثم اشخص منها على طريق البصرة وفارس إلى مرو) (10).

يقول الإمام الرضا (ع) في دعاء له: (.. وقد أكرهت واضطررت، كما أشرفت من عبد الله المأمون على القتل،متى لم اقبل ولاية).

بل لقد أعرب الإمام (ع) عن عدم رضاه في نفس ما كتبه على ظهر وثيقة العهد: فيقول (ع): (.. لكنني امتثلت أمر أمير المؤمنين، وآثرت رضاه والله يعصمني..) (11).

أما احمد أمين فيقول: (..والزم الرضا بذلك فامتنع ثم أجاب..) (12).

وقال القندوزي: (.. انه قبل ولاية العهد، وهوباك حزين..)‍‌ (13).

وقال المسعودي: (.. فألح عليه، فامتنع، فأقسم، فأبر قسمه..) (‍14).

وقبول الإمام للولاية ربما كان محاولة أخيرة للوقوف أمام الهدر المتواصل لدماء العلويين، حيث تذكر الأخبار بان المجازر توقفت بعد قبول الإمام لولاية العهد.

ربما يكون قبوله (ع) لولاية العهد في تلك الظروف خير وسيلة للدفاع عن مبادئ الإسلام والوقوف بوجه التيار الإلحادي الذي أوجده الزنادقة.

وعلى كل حال النصوص الدالة على عدم رضا الإمام (ع) كثيرة جدا ولمن أراد الاطلاع فليراجع ما كتبه الشيخ الصدوق والعلامة المجلسي -رحمهما الله- في عيون أخبار الرضا والبحار ج 49.

أهداف المأمون من فرض الولاية على الإمام (ع) ودوافعه تجاه الإمام (ع) لم تكن سليمة منذ بدايتها، لأنها كانت تنبع من نفس خبيثة أرادت تحقيق مصالح سياسية وأغراض وقتية فقط، فعندما طلب المأمون من الإمام (ع) المسير إليه، أمره في نفس الوقت أن لا يسلك طريق الكوفة والجبل وقم، بل عليه أن يسلك طريق البصرة أهواز فمرو وذلك لكثرة الشيعة في هذه المناطق خاصة قم وقلتها في البصرة والأهواز.

قال الربيعي: (.. كتب إليه المأمون: لا تأخذه على طريق الجبل وقم، وخذه على طريق البصرة والأهواز وفارس، وامنعه من الكوفة أيضا، لما علم من كثرة الشيعة في هذه البلدان، فخاف أن يفتتنوا به..) (15).

أما الدوافع أو الأهداف الكامنة في نفس المأمون فهي:

1- أراد المأمون أن يأمن من خطر الإمام (ع)، ومن الشخصية العظيمة التي ارتضاها أهل الخاصة والعامة، حتى يتسنى له:

أ) رصد تحركات الإمام (ع) ومراقبتها مراقبة دقيقة، بواسطة الجواسيس الذين يخبرونه بكل حركة من حركات الإمام، وكل تصرف من تصرفاته.

فقد كان: (هشام بن إبراهيم الراشدي من أخص الناس عند الرضا(ع) وكانت أمور الرضا تجري من عنده، وعلى يده. ولكنه لما حمل إلى مرو اتصل ابن إبراهيم بذي الرئاستين، والمأمون، فحظي بذلك عندهما. وكان لا يخفي عليهما شيئا من أخباره، فولاه المأمون حجابة الرضا. وكان لا يصل إلى الرضا إلا من احب، وضيق على الرضا، فكان من يقصده من مواليه، لا يصل إليه. وكان لا يتكلم الرضا في داره بشيء إلا أورده هشام على المأمون وذي الرئاستين) (16).

وعن أبي الصلت: إن الرضا (كان يناظر العلماء، فيغلبهم، فكان الناس يقولون: والله انه أولى بالخلافة من المأمون، فكان أهل الأخبار يرفعون ذلك إليه..) (17).

الجواسيس الذين كانوا حول الإمام (ع) نقلوا للمأمون أخباره الخارجية فقط، أما الأخبار الداخلية فنقلتها له ابنته أم حبيبة التي زوجها للإمام (ع) وقضت عليه فيما بعد، فتزويج الإمام (ع) من أم حبيبة كان لعبة سياسية لتحقيق مصالح سياسية.

ب) عزل الإمام (ع) عن شيعته ومحبيه، وقطع صلاتهم به، وتشتيت شملهم حتى لا يستفيدوا من توجيهاته وأوامره.

ويروي الشيخ الصدوق رسالة الإمام (ع) إلى احمد بن محمد البزنطي (.. وأما ما طلبت من الإذن علي، فان الدخول إلي صعب، وهؤلاء قد ضيقوا عليّ في ذلك الآن، فلست تقدر الآن، وسيكون إن شاء الله..) (18).

ويروي أيضا: رفع إلى المأمون: إن أبا الحسن علي بن موسى يعقد مجالس الكلام، والناس يفتتنون بعلمه، فأمر محمد بن عمر الطوسي - حاجب المأمون – فطرد الناس من مجلسه، واحضره، فلما نظر إليه المأمون زجره، واستخف به (19).

كما إننا نرى الإمام (ع) عندما وصل إلى القادسية، وهو في طريقه إلى مرو، يقول لاحمد بن محمد بن أبي نصر: (.. إكتر لي حجرة لها بابان: باب الى الخان، وباب الى الخارج، فإنه استر عليك).

ج) زرع الريب والشكوك في طريق زعامة أهل البيت (ع) خاصة عند القبول بولاية العهد، حيث إن هذا الأمر لا ينسجم مع الشعارات التي طرحتها مدرسة أهل البيت، ألا وهي اخذ البيعة للرضا من آل محمد، فقبول الإمام (ع)بولاية العهد يعني انه يقبل بأنصاف الحلول.

د) أراد أن ينتزع من الإمام (ع)اعترافا بخلافته، ولقد باح المأمون بهذا الدافع، عندما اجاب حميد بن مهران، وجمعا من العباسيين، الذين قالوا له ما أخوفنا أن يخرج هذا الرجل هذا الأمر عن ولد العباس إلى ولد علي، بل ما اخوفنا أن يتوصل بسحره إلى إزالة نعمتك، والتوثب على مملكتك، هل جنى أحد على نفسه وملكه مثل جنايتك؟.

فقال المأمون:

(..قد كان هذا الرجل مستترا عنا، يدعوإلى نفسه، فأردنا أن نجعله ولي عهدنا، ليكون دعاؤه لنا، وليعترف بالملك والخلافة لنا، وليعتقد فيه المفتونون به بأنه ليس مما ادعى في قليل ولا كثير، وإن هذا الأمر لنا دونه.

وقد خشينا إن تركناه على تلك الحال أن ينفتق علينا منه ما لا نسده ويأتي علينا مالا نطيقه. والآن فإذ قد فعلنا به ما فعلنا، وأخطأنا في أمره بما أخطأنا، وأشرفنا من الهلاك بالتنويه باسمه على ما أشرفنا، فليس يجوز التهاون في أمره. ولكننا نحتاج إلى أن نضع منه قليلا، حتى نصوره عند الرعية بصورة من لا يستحق هذا الأمر، ثم ندبر فيه بما يحسم عنا مواد بلائه..)(20).

هـ) أراد المأمون أن يسقط الإمام (ع)اجتماعيا، حيث يظهر لهم بالعمل لا بالقول أن الإمام رجل دنيا فقط.

2- إخماد الثورات واحتوائها وكسب عواطفها العلوية، وبالفعل فقد اخمد جميع الثورات بعد البيعة، فلم تقم اية ثورة سوى ثورة عبد الرحمن بن احمد في اليمن، حيث كان سببها ظلم الولاة وجورهم.

3- أراد المأمون أن يلبس خلافته الثوب الشرعي، ويضفي على حكمه عناصر الهدوء والاستقرار فالخلافة التي اغتصبها وسيطر عليها بالقوة لا يمكن أن تقف بوجه العواطف والطقوس المتقلبة ما لم يلبسها ثوبا شرعيا، يحميه من جميع الظروف، فالعباسيون كانوا ينظرون نظرة شك وريب من خلافة المأمون الذي قتل خليفتهم(الأمين)، وفعل أفعاله الشائنة برأس أخيه عندما نصبه في صحن الدار وامر بلعنه، هذه الأفعال أثرت تأثيرا سيئا على سمعته وهزت ثقة العباسيين به، لا بل حتى العرب فقدوا ثقتهم به.

وقال له الفضل بن سهل، عندما عزم على الذهاب إلى بغداد:

(..ما هذا بصواب، قتلت بالأمس أخاك، وأزلت الخلافة عنه، وبنوأبيك معادون لك، وأهل بيتك والعرب.. إلى أن قال: والرأي أن تقيم بخراسان، حتى تسكن قلوب الناس على هذا، ويتناسوا ما كان من أمر أخيك..) (21).

أما العلويون ومواليهم فكانوا لا يؤمنون أصلا بخلافة العباسيين، فهم ينظرون إلى الخليفة بأنه غاصب حقوقهم بقوته، لذلك يرفضون طاعته والاعتراف به، فالمأمون اختار لولاية عهده رجلا يحظى بالاحترام والتقدير من جميع الفئات والطبقات وله من النفوذ والعلم والقوة والكلمة المسموعة، ما لم يكن لأي أحد سواه في ذلك الحين.

يقول الدكتور الشيبي:

(.. وقد كان الرضا من قوة الشخصية، وسمو المكانة، أن التف حوله المرجئة، وأهل الحديث، والزيدية، ثم عادوا إلى مذاهبهم بعد موته..) (22).

مواقف تاريخية للإمام (ع) بعد قبوله الولاية:

الإمام (ع)عندما قبل ولاية العهد بعد التهديد، كان يعلم أن المأمون يريد أن يجعله وسيلة لتحقيق مصالحه السياسية وأغراضه الوقتية، التي تكون لها آثار سيئة وخطيرة على سمعة أهل البيت (ع) وعلى مستقبل الأمة والدين الإسلامي، فلا يمكنه أن يسكت مؤيدا أعمال المأمون الخبيثة. فلا بد له أن يتخذ إجراءات ومواقف يستطيع بواسطتها إفشال مؤامرات المأمون ومخططاته الشريرة. لذلك فالإمام (ع) رفض الخلافة ومن ثم ولاية العهد، وهو في المدينة، وحين خروجه منها، عندما كان المأمون يبعث له الرسائل والأشخاص طالبا منه القبول، وحتى في مرو الإمام (ع) رفض اشد الرفض، ولكن المأمون اجبره بقبول الولاية، فالإمام (ع) لم يبق ذلك الإجبار طي الكتمان، فأعلن انه لن يقبل ولاية العهد مختارا وإنما قبلها بعد إكراه وتهديد. وقد عرّف المأمون بنواياه الحقيقية عندما قال له:

(.. تريد أن يقول الناس إن علي بن موسى لن يزهد في الدنيا بل الدنيا زهدت به، ألا ترون كيف قبل ولاية العهد طمعا في الدنيا وطمعا في الخلافة..) (23).

ونرى كذلك موقف الإمام (ع) في كيفية البيعة عندما قال له المأمون ابسط يدك للبيعة، ودخل الناس يبايعون، كانوا يصفقون بأيمانهم على يمين الإمام، من أعلى الإبهام إلى الخنصر ويخرجون، حتى بايع في آخر الناس شاب من الأنصار فصفق بيمينه إلى أعلى الإبهام، فتبسم الإمام (ع)ثم قال: كل من بايعني بايع بفسخ البيعة، غير هذا الشاب فإنه بايعني بعقدها.

فقال المأمون:

وما فسخ البيعة من عقدها؟.

قال أبو الحسن (ع): عقد البيعة هومن أعلى الخنصر إلى أعلى الإبهام، وفسخها من أعلى الإبهام إلى أعلى الخنصر.

فماج الناس في ذلك وأمر المأمون بإعادة الناس إلى البيعة على ما وصفه أبو الحسن (ع).

فقال الناس: كيف يستحق الإمامة من لا يعرف عقد البيعة، إن من علم لأولى ممن لا يعلم.

ويظهر لنا موقف الإمام(ع)بوضوح عندما اشترط على المأمون بوثيقته التاريخية التي كتبها على أن لا يمارس أي نوع من أنواع السلطة في حل وعقد وفي عزل وتعيين، فقد قال الإمام (ع)للمأمون عندما اجبره بالقبول: (وأنا اقبل ذلك على أن لا أولي أحدا ولا اعزل أحدا ولا انقض رسما ولا سنة وأكون في الأمر من بعيد) (24).

موقف الإمام (ع) هذا تعبير وإعلان صريح بان نظام الحكم فاسد لا يجوز التعاون معه في ابسط الأمور، لأنه نظام فاقد الشرعية.

وهذا يعني أيضا أن الإمام(ع) أعلن براءته من حكم المأمون ومن كل تبعاته، وانه لا يمكن له أن يعمل في وسط يحتاج إلى التغيير والتبديل من الجذور.

وهناك موقف أخر للإمام (ع) في صلاة العيد، عندما اشترط على المأمون أن يخرج كما كان يخرج جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا كما يخرج الآخرون.

فالإمام (ع) عندما اشترط على المأمون أن يخرج كما خرج الرسول صلى الله عليه واله وكما خرج أمير المؤمنين (ع)، أراد بذلك إفهام الناس بان سلوكه وأسلوبه والمفاهيم التي يحملها تختلف عن سلوك ومفاهيم المأمون وأشياعه، وخطه وخط الرسول صلى الله عليه واله، ومنهجه ومنهج أمير المؤمنين(ع)، ليس خط المأمون، الذي اعتادوا عليه.

وبمعنى أخر أراد الإمام (ع) فضح تصرفات المأمون وأشياعه، وإفهام الناس بان الحاكم هكذا يجب أن تكون تصرفاته وأعماله.

هذه المواقف إضافة إلى مواقف أخرى اتخذها الإمام (ع) ومن جملتها سلوك الإمام في حياته الاجتماعية، وخطبته عندما بايعه الناس، التي بيّن فيها قبوله للولاية مكرها وأكد عدم شرعية خلافة المأمون: كل هذه المواقف أذهلت عقل المأمون وجعلته يتخبط لا يعرف ماذا يفعل لذلك صمم القضاء عليه.

الإمام الرضا (ع) وولاية الحاكم الجائر:

المتتبع لسيرة أهل البيت (ع) يرى انهم يولون مسألة الحاكم الظالم وما يدور في فلكه عناية خاصة تنم عن عظم الخطر الذي يأتي من هذا الجانب، فالأحاديث في هذا المضمار عديدة ومتشعبة، فقد افرد لها الشيخ الأنصاري - رحمه الله - بابا خاصا في مكاسبه تحت عنوان (ولاية الجائر).

وعلى الرغم من التأكيدات المختلفة من قبل جميع أئمة أهل البيت (ع) على عدم قبول التعاون بأي شكل كان مع الحاكم الجائر أو الظالم نرى هناك صوراً أخرى معاكسة -ظاهراً- لما يصدر عنهم (ع) أمثال السماح لعلي بن يقطين وإسماعيل بن بزيغ بالعمل تحت مظلة الحكام. منها انهم (ع) سكتوا حينا على بعض المظالم كما يحلو للبعض ان يقول، وقبلوا حينا آخر ببعض المناصب ولعل ولاية عهد الإمام الرضا تأتي في مقدمة المسائل التي تثار ضد أهل البيت (ع) في هذا المضمار.

فيما يتعلق بالنماذج التي ذكرت والتي باركها وايدها بعض أئمتنا الأطهار (ع)، فهي لم تقدم على أية خطوة إلا بعد حصولها على تصاريح خاصة بالموافقة على الدخول في هذا الأمر، وذلك لانهم يحملون مزايا وخصائص تفردوا بها عن غيرهم، وهذه الفوارق والامتيازات هي التي جعلتهم ينالون رضى إمام زمانهم وموافقته على إبقائهم في مناصبهم الزمنية، فالأئمة (ع) لا يسمحون لأي شخص كان بالتعاون مع الجائر او الظالم ولم يعطوا العذر لأي أحد من شيعتهم عندما كان يراجعهم بشأن العمل مع الظلمة ولوكان واقعا في اشد المحن والابتلاءات وحتى إن أدى إلى فقدان عمل الشخص أو ماله أو مركزه، لان الشخص العادي إن تقرب إلى الحاكم الظالم سوف لا يسلم على نفسه بالتأكيد فمن يصحب صاحب السوء لا يسلم، ومن يتقرب إلى الظلمة فان طبعه يسرق من طبعهم وهولا يعلم، وبالتالي يكون واحدا منهم وجسرا يعبرون عليه لتحقيق مآربهم، والى ذلك أشار الإمام زين العابدين (ع) عندما قال لمحمد بن مسلم الزهري (.. واعلم إن أدنى ما كتمت وأخف ما احتملت انك آنست وحشة الظالم وسهلت له طريق الغي بدنوك منه حين دنوت وإجابتك له حين دعيت..أوليس بدعائه إياك حين دعاك جعلوك قطبا أداروا به رحى مظالمهم وجسرا يعبرون عليك إلى بلاياهم، وسلّما إلى ضلالتهم، داعيا إلى غيهم، سالكا سبيلهم، يدخلون بك الشك على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهال إليهم..فما اقل ما أعطوك في قدر ما اخذوا منك..) (25).

أما فيما يتعلق بالإمام الرضا (ع) فنقول:

إن الإمام العالم العارف بجميع الظروف الموضوعية لا يحتاج إلى غيره لكي يحدد له مسارات تحركه وبنود أعماله، فالظرف التاريخي وما يحيط به من ملابسات وما يتعلق به من أحداث قريبة أوبعيدة كانت أمام المعصوم مكشوفة واضحة يراها كما يرى أصابع يده، فان دخل في ولاية العهد او رفضها فالمعيار ليس حفظ النفس من القتل فقط وانما فائدة هذا العمل وانعكاساته على استمرارية الرسالة المحمدية وبقائها نقية بيضاء من كل دنس، وهذا ما كان ينظر إليه الإمام الرضا (ع) عند موافقته على عرض المأمون، فكيف به والحال انه أجبر على الموافقة، وهناك نفوس بريئة – من العلويين أو غيرهم – يراد حفظ دمائها والمحافظة عليها..

الإمام الذي رفض التعاون مع أولئك الذين أرادوا اغتيال المأمون وضيع فرصة ذهبية في نظر البعض (26) يمكن أن تعيد إليهم الخلافة المغتصبة، لابد وأنه كان ينظر بعيدا وبعيدا جدا حتى يترك هذا الأمر ويفضل المسالك الأخرى، ربما كان هناك ما يخشاه على الإسلام واستمرارية رسالة السماء، وربما جاءت موافقته من هذا الباب، أو أن هناك أعداء من داخل الحكم ينوون شرا بالإسلام أمثال الفضل والحسن ابني سهل الذين كانا يضمران للإسلام وأهل البيت (ع) كل الحقد والكراهية، وهناك دلائل تاريخية تشير إلى أن هؤلاء كانت لهم خطة لتصفية الإمام والمأمون والاستحواذ على الحكم، وربما تشير سرعة قتلهم من قبل المأمون إلى انكشاف مؤامرتهم الخطيرة.

بعد تفشي طاعون الزنادقة في أوساط الأمة ودخولهم في مختلف المحافل العلمية بعلم أو بدون علم من الحكام أو غيرهم، قد تكون ولاية العهد خير فرصة لمواجهة هذا المد المتنامي وتفنيد كل اساساته وخططه، خصوصا وان الإمام كان يعيش حالة من الحصار والتعتيم منعته من التصدي لهكذا أفكار وآراء، ولعل هذا يفسر كثافة ما ورد عنه (ع) في الفترة التي كان فيها وليا للعهد ولو بصورة شكلية، وما وصل إلينا – في هذه الفترة تحديدا - من الكم الهائل من أحاديث الإمام (ع)يفوق كل ما جاء عنه (ع)طوال السنوات الأخرى التي عاشها، وما يستفيد منه المسلمون والشيعة على الخصوص اليوم جاء الكثير منه من الإمام الرضا (ع)، وربما هذا سبب آخر جعل الإمام يقبل ولاية العهد ولا يلقي بنفسه في التهلكة.

صحيح أن التعاون مع حكام الجور والظلمة محرم بالعنوان الأولي، ولكنه قد يكون مستحبا في بعض الموارد، وواجبا في موارد أخرى كأن يتوقف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على قبول منصب من طرف الظالم فحينئذ يكون القبول ملزما، أو تكون هناك أهمية تفوق مسألة عدم التعاون كأن يحمي نفسه واتباعه في فترة من الزمن لحين تمكنه من تقوية نفسه والاستعداد لخطوة مغايرة أو يتعاون لحين الانتهاء من دفع خطر اعظم متوجه نحو الإسلام والمسلمين، وكل هذه الأمور منوط حكمها بالإمام المعصوم فهو الوحيد القادر على تشخيص الحكم وتعيينه، لحكمة او لظروف موضوعية يراها مقدمة على غيرها، وهذا ما نراه جليا من رسالة الإمام الكاظم (ع) لعلي بن يقطين عندما طلب منه البقاء في منصبه، حيث قال له: (عسى أن يجبر الله بك كسرا ويكسر بك نائرة المخالفين من أوليائه.) (27). واليوم فان مسألة التعاون مع الظلمة منوطة بشورى الفقهاء باعتبارها الجهة الشرعية الوحيدة التي تستطيع تشخيص الحكم وتحديد الأولويات وتقديم الأهم على المهم.

الإمام (ع) عندما اكره على قبول الولاية، أراد الحصول على اكبر قدر ممكن من الفوائد والمكاسب وان كان يعلم انه سيستشهد بعد فترة قصيرة، ومن المعلوم أن الحفاظ على النفس ولو لساعات قليلة افضل من إلقائها في التهلكة، وخصوصا أن الظروف التي كان يعيشها الإمام الرضا (ع) هي غير الظروف التي عاشها الإمام الحسين (ع) والتي كانت تتطلب إراقة دمائه الزكية لإحداث هزة عنيفة في نفوس المسلمين، ولو فعل الإمام الرضا ذلك في ظروفه تلك لضاع دمه ولما حصلت فائدة تذكر من حياته الشريفة.

بعد قبول الإمام ولاية العهد دخل عليه بعض البسطاء ممن لا يعرفون مقام الإمامة فقالوا له أصلحك الله يابن رسول الله كيف يرد اسمك مع أسماء هؤلاء وقد رفض آباؤك من قبل مثل هذا فقال (ع): (قد علم الله كراهتي لذلك فلما خيرت بين قبول ذلك وبين القتل، اخترت القبول على القتل، ويحهم أما علموا أن يوسف (ع)، كان نبيا رسولا، فلما دفعته الضرورة إلى تولي خزائن العزيز قال له: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)، ودفعتني الضرورة إلى قبول ذلك على إكراه وإجبار، بعد الإشراف على الهلاك، على أني ما دخلت في هذا الأمر، إلا دخول خارج منه. فإلى الله المشتكى، وهو المستعان...)(28).

وهذا الاستدلال على بساطته قد يكون خير جواب على أولئك الذين يرون في قبول ولاية العهد من قبل الإمام الرضا (ع) بابا واسعا لهم للتعاون المطلق وغير المشروط مع حكام الجور والظلمة وذريعة يتشبثون بها عند كل ملمة تواجههم، فهم غير معذورين بما يفعلونه ومحاسبون في الدنيا قبل الآخرة على أعمال ابتدعوها..

* مقال نشر في مجلة النبأ العدد 54-ذو القعدة 1421/شباط 2001

...............................................
المصــــادر:
1) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 139.
2) تاريخ الشيعة ص 51.
3) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 140.
4) المصدر السابق ج 1 ص 91.
5) بحار الأنوار ج 49 ص 213.
6) مقاتل الطالبيين ص 562.
7) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 139 والبحار ج 49 ص 130.
8) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 138.
9)عيون أخبار الرضا ج 2 ص 140 والبحار ج 49 ص 140.
10) عيون أخبار الرضا ج 2 140.
11) بحار الأنوار ج 49 ص 208.
12) ضحى الإسلام ج 3 ص 294.
13) ينابيع المودة ص 284.
14) إثبات الوصية ص 205.
15) وفاة الرضا ص16.
16) عيون أخبار الرضا ج2 ص 153.
17) المصدر السابق ص 239.
18) المصدر السابق ص 213.
19) المصدر السابق ص 213.
20) بحار الأنوار ج49 ص 183.
21) المصدر السابق ص 166.
22) الصلة بين التصوف والتشيع ص 223.
23) علل الشرايع ج 1 ص 226.
24) المصدر السابق ص 228.
25) تحف العقول ص 198.
26) انظر عيون أخبار الرضا ج 2 ص 164.
27) سفينة البحار ج6 ص 440.
28) بحار الأنوار ج49 ص 136

اضف تعليق