ربما لم يكن من المستغرب ان يعلن زعيم حركة "بوكوحرام" الافريقية، ابو بكر شيكاو، مبايعته لزعيم تنظيم "داعش" الارهابية، ابو بكر البغدادي، على السمع والطاعة، ليعتبر بذلك جزء من "الدولة الاسلامية" التي يدعو اليها البغدادي انطلاقا من منطقة الشرق الاوسط لتشمل رقعة جغرافية واسعة تمتد على عموم اسيا وافريقيا واوربا، لتحقق الخلافة الاسلامية على هذه الاراضي بعد ازالة الحدود، طبعا سبب عدم الاستغراب في انضمام "بوكوحرام" الى "داعش" لوجود عدة عوامل مشتركة بين الحركتين قد تمهد لتوحد فكرهما الجهادي المتطرف وتعزز هذا التقارب بعيدا عن التنظيمات الجهادية الاخرى كتنظيم "القاعدة" او "طالبان"، ومن هذه العوامل يمكن ذكر بعضها، وليس على سبيل الحصر.

1. التمرد على التنظيمات الجهادية الكبرى، ومحاولة شق طريق جهادي خاص بها، وهو امر برز لدى التنظيمين (داعش وبوكوحرام)، ففي الوقت الذي رفض فيه تنظيم داعش الاعتراف بزعامة او توجيهات "ايمن الظواهري" باعتباره زعيم اكبر تنظيم جهادي في العالم "القاعدة"، والذي كان قادة داعش او الدولة الاسلامية يتأمرون بإمرها (امثال ابو مصعب الزرقاوي والمهاجر)، لم يتضح جليا ولاء "بوكوحرام" التي كانت تسمى "طالبان نيجريا" او "جماعة اهل السنة للدعوة والجهاد"، كما اختلف الباحثون في مرجعيها الفكرية (التي تنسب الى جماعة الاخوان المسلمين نسبة الى مؤسس الحركة محمد يوسف) والجهادية (والتي غالبا ما اعلن زعيمها ان الحركة جزء من تنظيم القاعدة بصورة اقرب الى الدعاية منه الى الحقيقية)، وعلى هذا الاساس، فان كلا الحركتين تمردتا على التنظيم الاكبر الذي حاولت تقليديه في بداية الامر لتشكل طريقا خاص بها.

2. كلا الزعيمين (ابو بكر شيكاو، ابو بكر البغدادي) هم قادة من الجيل الثالث، ولهم افكارهم الخاصة حول ممارسة العمل الجهادي واستخدام العنف المفرط العابر للحدود، فبعد مقتل مؤسس حركة "بوكوحرام" محمد يوسف عام 2009، ومقتل زعيم "الدولة الاسلامية" ابو مصعب الزرقاوي (مرت بمراحل عديدة حتى وصلت الى تسمية الدولة الاسلامية)، نمت وتطورت الحركتين بشكل ملفت للنظر، وتمكنت من خلال العنف المسلح واستخدام اساليب وطرق جديدة (استخدام النساء في العمليات الجهادية والعامل الديني او الطائفي واستهداف المدنيين والخطف واحتلال المدن وازالة الحدود بين الدول...الخ) في العمل الجهادي من توسيع نفوذها المناطقي خارج حدود نيجيريا (تشاد، النيجر، الكاميرون، بنين)، فيما سيطر تنظيم داعش على مناطق واسعة في سوريا والعراق منذ عام 2013، وهو يطمح للوصول الى شواطئ اوربا عبر اغراء الفصائل والميليشيات الاسلامية المتطرفة المنتشرة في شمال افريقيا بالانضمام الى الدولة الاسلامية التي يدعو اليها التنظيم، وربما تستقطب مثل هكذا دعوات المزيد من التنظيمات والحركات الجهادية في المستقبل، مثلما استقطبت حركة "بوكوحرام".

3. تهدف كلا الحركتين الى اعلان الخلافة الاسلامية بالعنف والقوة المسلحة، التي وان تشابهت في دعواها مع التنظيمات الاخرى، الا ان هذه الدعوة لم تبقى في اطارها النظري، بل تحركت الجماعتين نحو اعلان الخلافة بصورة فعلية على اي مدينة او ارض استولت عليها من الجهات الحكومية، ومع ان اعلان الخلافة بصورتها الجهادية التي تدعو اليها هذه الحركات المتطرفة، تستبطن الكثير من علامات الاستفهام التي تتعلق بطبيعة هذه الخلافة، الا ان هذه الحركات قد استفادت كثيرا من هذه الدعوة (الدعائية) في استقطاب المزيد من المقاتلين والمتعاطفين، فحركة بوكوحرام لم تتجاوز في بداية تأسيسها "200" طالب ديني متعاطف مع اهداف الحركة، لتتجاوز الالاف فيما بعد، في حين تجاوز تعداد تنظيم داعش "50" الف مقاتل في سوريا وحدها، قدموا من 90 دولة عربية وغربية.

4. هناك هدف مشترك بين الحركتين للوصول نحو اوربا عبر المياه الدافئة، ففي الوقت الذي تعتبر داعش الجهاديين في اوربا النوع المفضل لديها، وهم الاكثر انضماما الى صفوفها من بين الدول الغربية الاخرى، فان اوربا (وبالأخص فرنسا التي استعمرت عدة دول افريقية سابقا ومنها نيجيريا) متورطة في قتال الحركات الاسلامية الافريقية في عدة دول افريقية (مالي، نيجيريا، تشاد)، وهو امر قد يقرب وجهات النظر بين الحركتين لقتال عدو مشترك، مثلما هو مصدر من مصادر رفدها بالجهاديين.

ويبدو ان خطر تنظيم "داعش" في المستقبل القريب لن ينحصر في منطقة الشرق الاوسط، فمع وجود حركات اسلامية متطرفة في شمال وغرب ووسط افريقيا، فان امكانية تنامي هيمنة التنظيم داخل افريقيا تمهيدا للوصول الى بوابات اوربا امر وارد الاحتمال، ولعل التركيز على الميليشيات الاسلامية المتصارعة داخل ليبيا واهمال باقي التنظيمات المتشددة في افريقيا قد يعقد الوضع الامني في عموم القارة، من دون نسيان مخاوف تنظيم "داعش" من خسارة معركة في العراق، والتي قد تدفعه للبحث عن ارضي جديدة داخل افريقيا او البحث عن حركات جهادية يمكن ان تكون جزء من التنظيم خارج حدود المعركة في العراق وسوريا.

 

اضف تعليق