يبدو ان ما يجري في العراق من قتال "داعش" في معركة تحرير "تكريت" قائم على جمع التناقضات بين ايران وحلفائها والولايات المتحدة الامريكية وحلفائها ايضا، وهو تناقض (في الاقوال وليس في الافعال) يركز على تحقيق الانتصارات العسكرية في المقام الاول، ومن بعدها يمكن استخدام الدبلوماسية الامريكية لفك الاشتباك بين الحلفاء انفسهم او بين الحلفاء واعدائهم ثانيا.

في البداية، ومنذ ان هاجم التنظيم الاراضي العراقية في التاسع من حزيران الماضي، وتمكن من السيطرة على عدة محافظات مهمة (بعضها او جميعها) كانت ايران اول المبادرين لتقديم المساعدات العسكرية والدعم اللوجستي للحكومة العراقية، وهو امر كان محل ترحيب من قبل الحكومة العراقية والامريكية، ومع بروز دور "التحالف الدولي" الذي دعت اليه الولايات المتحدة الامريكية (بعد اشهر من سقوط الموصل وتشكيل الحكومة العراقية)، وانضمت اليه عشرات الدول الغربية والعربية، لم تتوان ادارة الرئيس الامريكي "باراك اوباما" عن الإشارة الى "الدور الايجابي" لإيران، والتي كان منها ما قاله وزير الخارجية الأمريكي جون كيري "أعتقد أنه إذا كانت ايران تستهدف تنظيم الدولة الإسلامية في أماكن معينة ويقتصر دورها على استهداف تنظيم الدولة الإسلامية وهو أمر مؤثر وسيكون مؤثرا، فإن المحصلة النهائية إيجابية".

وعلى الرغم من غضب حلفائها (السنة) العاملين ضمن التحالف الدولي، وخوفهم من تنامي "الهيمنة الايرانية" في منطقة الشرق الاوسط بعد ما اعتبروه "تغير استراتيجي" في سياسية الولايات المتحدة الامريكية تجاه ايران والشرق الاوسط، سيما وان هذه المخاوف تنامت مع المؤشرات الايجابية الاخرى بقرب التوصل الى اتفاق نووي قد يطوي صفحة الخلافات الامريكية-الايرانية التي استمرت أكثر من 35 عام، الا ان التحالف الامريكي- الايراني (ان جاز هذا التعبير) استمر بمكافحة التنظيم داخل الاراضي العراقية، ومن منطقة "امرلي" التي كانت منطلقا للتعاون الامريكي والايراني والعراقي، ساهمت قيادات ايرانية بارزة، ومنهم قائد فيلق القدس "قاسم سليماني"، بالمشاركة بصورة ميدانية في قيادة القوات العسكرية، فيما كانت قوات التحالف تساهم بشكل حركة التنظيم من خلال الضربات الجوية، كما غضت الولايات المتحدة الامريكية الطرف، عن الضربات الجوية التي قامت بها طائرات ايرانية (امريكية الصنع من نوع فانتوم 4) على مناطق حدودية شرق العراق (ديالى).

الولايات المتحدة الامريكية ليس لديها مشكلة في التعامل مع ايران لمكافحة خطر تمدد التنظيم الذي قد يهدد مصالحها في المنطقة، مثلما لإيران اهداف "براغماتية" في التعامل مع الولايات المتحدة الامريكية لطرد التنظيم من العراق لأسباب امنية وسياسية ومصلحية، ويبدو ان ادارة البيت الابيض لديها مشكلتين اساسيتين في سبيل استمرار هذا التعاون:

1. عدم اغضاب حلفائها (السنة) من خلال السيطرة على منع تفكك "التحالف الدولي" لعوامل طائفية، وحذر رئيس اركان الجيوش الاميركية الجنرال "مارتن ديمبسي" من هذا الاحتمال في حال لم تقم الحكومة العراقية بتسوية هذا الملف في البلاد، وقال "ينتابني بعض القلق ازاء صعوبة ابقاء الائتلاف للمضي في مواجهة التحدي، ما لم تضع الحكومة العراقية استراتيجية وحدة وطنية سبق ان التزمت بها".

2. عدم تمدد الدور الايراني في العراق خارج الإطار الامريكي، وهي حدود ترسمها الولايات المتحدة الامريكية للجميع من دون استثناء، واي خروج عنها يعتبر "خروج عن النص"، ولعل في اشارة وزير الخارجي السعودي "سعود الفيصل" تلميح لهذا المعنى عندما اكد "قلق السعودية بالتدخلات الإيرانية في العراق"، مضيفا إن "إيران استولت على العراق".

بالمقابل يرى باحثون انها تعاملت بصورة اكثر حذرا مع الملف العراقي (وغيره من الملفات الاخرى)، وهناك توافق نوعي بين الادارتين (الايرانية والامريكية)، حول ادارة الازمات في الشرق الاوسط، يختلف عن الفترة السابقة (عام 2003 وما تلاها)، وهو ما يبرر ايضا سكوت الولايات المتحدة الامريكية عن التدخل الايراني في سوريا والعراق واليمن ولبنان، مقابل فشل الدول العربية (وابرزها السعودية والامارات وقطر) في التعامل مع هذه الملفات بالبراغماتية الايرانية، التي استوجبت نقد الولايات المتحدة الامريكية بعد ان اتهمها نائب الرئيس الامريكي "بايدن" بدعم الجماعات الارهابية في سوريا، اضافة الى فشلها في ادارة الملفات الاخرى.

وتدرك الولايات المتحدة الامريكية جيدا ان تقاربها مع ايران اصبح مثار سخط لحلفائها السنة، ومع ان الملك السعودي الراحل "عبد الله بن عبد العزيز" قبل على "مضض" هذا التحالف وحاول الصبر بانتظار نتائجه "الايجابية"، الا ان ضمان استمرار هذا "الصبر" مع الملك "سليمان بن عبد العزيز" لا يمكن التكهن به، وهو قلق امريكي ظهر خلال تحركات وزير الخارجية الامريكي "جون كيري" ورئيس اركان الجيوش الاميركية الجنرال "مارتن ديمبسي" الاخيرة في الخليج، في محاولة لطمأنة الحلفاء بان الامور ما زالت "تحت السيطرة"، لكن هل سيقتنع حلفائها بان الامور تحت السيطرة؟ وفي حال لم يقتنعوا فما الذي سيحدث؟.

اضف تعليق


التعليقات

ريم حسن
العراق- بغداد
ربما يكون هذا التناقض هو تناقض مصلحي ينتهي بنهاية المصلحة بين الطرفين، او بفشل المفاوضات النووية، مقال جيد شكرا للكاتب2015-03-11
محمد اللامي
العراق
اذا كانت هناك طائفية فستكون من صنع الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها السنة، التحليل كان واقعي لكنني اختلف مع الكاتب في بعض الفقرات وخصوصا فيما يتعلق بتحليلة حول الخروج عن النص2015-03-11