ما نقصده بالتغييب قد يكون تغييب ممنهج أو غير ممنهج، لكن في كلا الحالتين، سيكون له تداعيات خطيرة على مستقبل الدولة العراقية في فرض سلطتها السيادية (الداخلية والخارجية)، وهو ما اخذ اشكالاً وصور متعددة بجوانب مختلفة فقد ظهرت بعد عام 2003 سلطاتٍ موازية لسلطة الدولة...

تعاني الدولة العراقية منذ تأسيسها في بداية عشرينيات القرن الماضي من ضعف كبير على مستوى فرض سلطتها الداخلية، وقد استمر هذا الضعف في مرافقتها عبر تطورها التاريخي، لاسيما بعد العام 2003، عندما تمت الإطاحة بنظام صدام حسين. هذه المرحلة (مرحلة تغيير النظام السياسي) دائماً ما نرّكز عليها في كتاباتنا؛ لكونها تمثل مرحلة مهمة من مراحل ترسيخ العمل الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة عبر الآليات الديموقراطية في عصر العولمة والتكنولوجيا والانفتاح السياسي بين كل دول العالم. فما المقصود بتّغييب الدولة، وما المراد منه، وكيف غُيّبت سلطة الدولة العراقية؟.

ما نقصده بالتغييب هنا، قد يكون تغييب ممنهج أو غير ممنهج، لكن في كلا الحالتين، سيكون له تداعيات خطيرة على مستقبل الدولة العراقية في فرض سلطتها السيادية (الداخلية والخارجية)، وهو ما اخذ اشكالاً وصور متعددة بجوانب مختلفة (سياسية وأمنية واقتصادية وتربوية وصحية.. الخ).

فقد ظهرت بعد عام 2003 سلطاتٍ موازية لسلطة الدولة في جميع المجالات، ولعل أخطرها تلك السلطات التي تتعلق بالجوانب الأمنية، التي تنّازع الدولة أو تشاركها في سلطاتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما على مستوى ابرام العقود والاستثمار وغيرها. فقد ظهر في الجانب الأمني الكثير من الفصائل المسلحة التي شاركت الدولة "وما تزال تشاركها" في السلطة الأمنية، وربما أكثر من ذلك، وهذه سابقة خطيرة في تاريخ الدولة العراقية؛ لأن الدولة تعد اللاعب الوحيد التي يمكن لها أن تحتكر حق استخدام العنف المشروع، وأن أي تشاركية في هذا المجال سواء كانت من قبل فصائل مسلحة أو حركات أو مليشيات أو عشائر أو منظمات سيّعرض أمن الدولة ومستقبلها السياسي إلى خطر كبير، لاسيما في حال كانت تلك الفصائل أو الحركات مرتبطة بمنظمات دولية أو أنظمة سياسية مجاورة أو غير ذلك. وربما لا نبالغ في حجم مخاطر تلك المنازعة في السلطات، إذ قلنا بأن هذا التنازع أو التوازي في سلطات الدولة الأمنية يعد ثغرة في الأمن القومي العراقي، لاسيما مع تنامي خطر تلك الجماعات من حيث (القوة والقدرة).

إن التنازع الموازي لسلطات الدولة العراقية لم يكن على المستوى الأمني فقط، فهناك سلطات موازية لسلطاتها على الصعيد التعليمي والصحي والخدمي والإعلامي وغيرها من القطاعات الأخرى، ففي مجال التربية والتعليم، هناك التعليم الأهلي على مستوى الفئات العمرية كافة من (الروضة إلى الجامعات)، وكذلك انتشار الخدمات الصحية والمستشفيات الأهلية الموازية للمستشفيات الحكومية على الصعيد الصحي، فضلاً عن ذلك، فهناك سلطة الإعلام غير المنظمة، وسلطة الشركات والهيئات الاقتصادية للأحزاب السياسية والمصارف الأهلية في المجال الاقتصادي، وسلطة العتبات المقدسة والشركات الامنية وغيرها من السلطات التي تنازع سلطة الدولة أو تفوقها في بعض الاحيان، بموازاة ذلك، هناك ضعف وتردي حقيقي في قطاعات الدولة الرسمية المذكورة أعلاه.

هذا التغييب، قد يكون بعضه مقصوداً لدواعٍ سياسية؛ لأن إضعاف السلطة الأمنية للدولة العراقية فيه مصلحة سياسية، وتقف وراءه دول ومنظمات وإرادة إقليمية، تريد من خلاله أن يبقى العراق ضعيف على المستوى الأمني والعسكري والاقتصادي. ولهذا تعد السلطات الموازية لسلطة الدولة من العوامل التي ساعدت على تفكيك الدولة العراقية بعد عام 2003، وعامل مساعد في شيوع ظاهرة الفساد المستشري في مفاصلها الإدارية، لاسيما في المجال الاقتصادي، في عمليات (الاستثمار والعقود وبيع الدولار وغيرها من الجوانب الاقتصادية) على سبيل المثال.

وأن خطورة هذه المؤسسات والسلطات الموازية لا تكمن بممارستها الظاهرية ونشاطها المعلن فقط، وإنما تكمن في التأسيس لما يسمى بالدولة الموازية او الدولة العميقة داخل الدولة المركزية أو القانونية، إذ أن مثل هذا المفاهيم عادةً ما تسعى إلى اختراق كل مناحي الحياة العامة من (أجهزة أمنية وقضاء وشبكات اتصال وإعلام ومؤسسات اقتصادية وجمعيات ونقابات عمالية).

وهنا تكمن الإشارة إلى سلطة الزعامات والاحزاب السياسية، لاسيما تلك الزعامات المدعومة سياسياً، والتي تمتلك ماكنة إعلامية ضخمة وقدرة مالية كبيرة، تكون قادرة على اختراق كل طبقات المجتمع؛ ولذلك عادةً ما تكون الدولة العميقة أحد مظاهر الدول الفاشلة. وكثير ما تسعى إلى اضعاف سلطة الدولة القانونية من خلال تعدد مراكز النفوذ والسلطة والقرار.

لكن مع ذلك، ليس كل السلطات الموازية لسلطة الدولة، هي مظاهر سلبية، بل على العكس من ذلك ربما تكون بعض مظاهرها إيجابية وصحية، في حال لم تتجاوز سلطة الدولة والقانون، وأن لا تتعلى على سلطة الدولة الرسمية، بكونها اللاعب الوحيد الذي تحتكر الحق في استخدام العنف المشروع.

ولهذا على صانع القرار العراقي أن يتفادى تلك الازدواجية التي تتعارض مع سلطات الدولة القانونية، أو أن يسعى إلى فك الارتباط بين سلطات الدولة وبين السلطات الموازية من خلال الاخضاع السياسي والرقابة القانونية وفرض سيطرة الدولة الاتحادية؛ لأن شيوع السلطات الموازية قد يغيّب سلطات الدولة القانونية تدريجياً، وربما يضعنا إمام مشهد سياسي واجتماعي وقانوني معقد جداً، تكون تداعياته خطيرة على مستقبل الدولة العراقية.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2018
www.fcdrs.com

اضف تعليق