الصراع بين طهران وتل أبيب لم يخرج إلى المواجهة المباشرة منذ قيام الثورة الإيرانية، ولم يتبادل الطرفين توجيه أي ضربة إلى الداخل (الإيراني والإسرائيلي)، وقد اقتصرت المواجهة على الحرب بالوكالة، فضلاً عن ذلك، ربما تكون هناك منافع متبادلة من هذا الصراع لا تزال قائمة لحد...

تغيرت طبيعة الصراعات السياسية في المنطقة، منذ اندلاع الثورة الإيرانية في العام 1979. فهذا التاريخ غيّر موازين القوى السياسية وأطاح بأنظمة سياسية كانت حليفة للغرب وللولايات المتحدة الأمريكية، فضلاً عن ذلك، فقد غيّرت الثورة الإيرانية مجريات الأحداث في المنطقة وطبيعة التحالفات السياسية فيها. فبعد أن كانت إيران في عهد الشاه حليفاً كبيراً للولايات المتحدة، أصبحت عدواً لها ولأغلب دول المنطقة.

إذ تغير الصراع في المنطقة من صراع سياسي بدوافع دينية إلى صراع سياسي بدوافع السيطرة والنفوذ وتسويق الإيديولوجيات، وحل الصراع العربي – الإيراني محل الصراع العربي – الإسرائيلي، لاسيما مع بدء الإيرانيون تسويق ثورتهم الإسلامية إلى خارج حدود دولتهم القومية، مما أربك دول المنطقة وأدخلها في تحالفات دولية من أجل حماية أنظمتها السياسية، فضلاً عن ذلك، فقد أصبحت إسرائيل محور تسويق الثورة الإسلامية إلى المنطقة، وأشعل الصراع الإيراني – الإسرائيلي المنطقة مرة أخرى، مما جعل الأمنين (الخليجي والإسرائيلي) يواجهان تحديات مشتركة ومخاطر كبيرة على المستويين السياسي والأمني.

وبفعل تنامي القدرات الإيرانية مطلع القرن العشرين، لاسيما بعد الإطاحة بالنظام السياسي العراقي في العام 2003، وتصاعد ثورات الربيع العربي التي أطاحت بالعديد من الأنظمة العربية التقليدية، تمكنت إيران من فرض وجودها السياسي والعسكري في المنطقة بشكل كبير، واستطاعت أن تقوض مصالح الولايات المتحدة الأمريكية في أكثر من بلد عربي، لاسيما في العراق وسوريا. وعلى أثر التطورات الأخيرة التي حصلت في المنطقة سواء تلك المتعلقة بتسوية الأزمات العربية (السورية واليمنية) أو تلك التي تتعلق بتبادل مناطق النفوذ بين أقطاب النظام العالمي (الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا)، فضلاً عن التطورات العسكرية الأخيرة التي قامت بها إسرائيل في سوريا من خلال الضربات العسكرية التي وجهتها تل أبيب إلى المواقع الإيرانية بتنسيق مسبق مع القوات الروسية المتواجدة في سوريا.

هناك من يتساءل عن مستقبل ذلك الصراع في المنطقة وعن مصداقيته وطبيعته العسكرية!، وهل سيؤدي ذلك الصراع إلى مواجهة عسكرية مباشرة أم ستكون مناطق النفوذ ساحة لتلك المواجهة؟

بالتأكيد، إن إسرائيل لا يمكن أن تمضي في أي هجوم على أهداف أو مواقع إيرانية في سوريا إلا بدعم من قبل واشنطن وموافقة مسبقة من قبل موسكو، وأن إطفاء الأخيرة لمنظومة دفاعاتها الجوية S300 في الهجمات الأخيرة تؤكد ذلك، فضلاً عن ذلك، فأن التحركات الإسرائيلية الأخيرة، ربما تأتي متزامنة مع التحركات الأمريكية في المنطقة بشكل عام والعراق بشكل خاص، لاسيما مع تلك الأخبار التي تؤكد على عزم واشنطن في خوض مواجه غير مباشرة مع إيران في العراق.

كيف ستكون طبيعة المواجهة؟

تأكيداً لفرضية هذا السؤال، هناك من يعتقد بأن المواجهة العسكرية المباشرة بين إيران وإسرائيل ستكون حاضرة بين الطرفين في حال استمرت إسرائيل بغاراتها الجوية على المواقع الإيرانية في سوريا أو في لبنان أو حتى في العراق، وعلى العكس من ذلك الاعتقاد، هناك من يؤمن بأن الصراع لا يمكن أن يصل أو يرتقي إلى المواجهة العسكرية المباشرة. فإيران لا يمكنها أن ترد على الغارات الإسرائيلية مالم تصل تلك الغارات إلى العمق الإيراني، وهذا ما يستبعده صانع القرار الإسرائيلي، فكلا الطرفين لا يريدان خوض حرب عسكرية مباشرة، لاسيما وأن إيران تمتلك أدوات عسكرية من الممكن أن تعتمد عليها في صراعها ضد إسرائيل سواء كان ذلك في لبنان أو في سوريا.

وهذا ما أكده أكثر من مسؤول إيراني بقولهم: "إن إيران ستعتمد في حربها ضد إسرائيل على حلفائها في المنطقة وليست على قدراتها الذاتية"، وهذا ما سيجعل المنطقة تعاني من حالة عدم استقرار دائمة، لاسيما تلك الدول التي تقبع تحت النفوذ الإيراني المباشر، مما يطيل من عمر أزماتها السياسية والأمنية. وبالتالي، فإن عنصر المواجهة سيكون محصوراً في دول محددة ولم يصل إلى العمق الإسرائيلي أو الإيراني، ما دامت إسرائيل لا تهدد العمق الإيراني بشكل مباشر.

مصداقية الصراع الإيراني – الإسرائيلي

بغض النظر عن التداعيات التي ستترتب على الصراع الإيراني - الإسرائيلي، فهناك من يشكك في مصداقيته؛ تحت ذريعة تسويق المشاكل الداخلية لكلا الطرفين وحماية أمنهم القومي وجعل شعوبهم أمام تحديات مستمرة. فالبعض يعتقد بأن الصراع الحالي بين طهران وتل أبيب لا يعكس النوايا الحقيقة لكلا الطرفين، وهناك من يدعم تلك الفرضية بدلائل معينة تتعلق بعمق الخلاف التاريخي، وبعنصري الزمان والمكان، لاسيما وأن طهران ما زالت توظف ذلك الصراع كقوة ناعمة في سياستها الخارجية في بعض الدول العربية والإسلامية، كذلك الحال بالنسبة لإسرائيل فكثير ما توظف صراعها الدائم مع طهران من أجل الضغط على الأنظمة العربية والخليجية وإعادة ترتيب أوراقها في المنطقة وكسب التعاطف العالمي.

مستقبل الصراع الإيراني – الإسرائيلي

فرضية هذا السؤال لا يمكن أن تتحدد من خلال موقف طهران وتل أبيب فقط، وإنما وفقاً لمواقف المحاور الدولية الأخرى أيضاً، لاسيما موقف الولايات المتحدة الأمريكية وطبيعة تعاطيها مع الجمهورية الإسلامية. ولهذا سيكون سيناريو المواجهة غير المباشرة أو الحرب بالوكالة المشهد الذي يبقى مسيطراً على الصراع الإيراني – الإسرائيلي؛ لأن الولايات المتحدة الأمريكية لا تريد خوض غمار حرب عسكرية مباشرة مع إيران لسببين:

الأول: لأن الحرب المباشرة مع طهران ستؤدي إلى إشعال المنطقة برمتها، وهذا ما لا ترتضيه الولايات المتحدة في الوقت الراهن.

الثاني: ربما لا تزال صلاحية النظام الإيراني قائمة حتى الآن (وفقاً للعقل السياسي الأمريكي)، فالأخير مازال يوظف الدور الإيراني في المنطقة في تحقيق مآربه ومصالحة الذاتية سواء في دول الخليج أو في المنطقة بشكل عام.

وبالتالي فإن المواجهة العسكرية مع طهران مستبعدة في الوقت الحالي، وسيقتصر شكل الصراع على طبيعته الحالية بعيداً عن المواجهة المباشرة؛ فالصراع بين طهران وتل أبيب لم يخرج إلى المواجهة المباشرة منذ قيام الثورة الإيرانية، ولم يتبادل الطرفين توجيه أي ضربة إلى الداخل (الإيراني والإسرائيلي)، وقد اقتصرت المواجهة على الحرب بالوكالة، فضلاً عن ذلك، ربما تكون هناك منافع متبادلة من هذا الصراع لا تزال قائمة لحد الآن، وعليه ستكون سوريا والعراق ولبنان أراضي خصبة وساحات مفتوحة أمام الصراع الإقليمي سواء كان بين إسرائيل وطهران أو بين طهران والولايات المتحدة الأمريكية.

نتيجة لذلك، من الممكن أن تبادر طهران إلى تعزيز دورها بشكل أكبر في سوريا، وهذا ربما يتعارض مع الرغبة الروسية في قادم الأيام أو أن تضع حلفائها في (سوريا والعراق ولبنان وفلسطين) في خط المواجهة مع إسرائيل، أي بمعنى أن يكون الرد محدود بما ينأى بها عن المسؤولية المباشرة.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2019Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق