انهم لم يسمعوا صوت الشارع الغاضب منذ خمسة اشهر، ويتصرفون اليوم وكإن شيئا لم يحدث، ويراهنون على عودة المنتفضين الى بيوتهم بعد ان يعييهم التعب ويعتريهم اليأس، بدلا من ان يكون صوتهم قد وصل من اول يوم، ويجب ان يبقى صداه يعتمل في المشغل السياسي بجميع اروقته الحزبية والمؤسسية...

في ذروة الحرب الاهلية اللبنانية، وتحديداً في العام 1979 او1980 كانت مجلة (الوطن العربي) التي تصدر في باريس، تنشر اسبوعياً مقالاً للشاعر نزار قباني الى جانب مقال اخر للكاتبة غادة السمان. وقد استوقفني قباني في مقال له ضمن سلسلة مقالاته تلك تحت عنوان (لبنان بلا حيطان)، ولان الذي جاء فيه كان مغاير لما ينبغي ان يقوله (شاعر) لذا ظل عالقاً بذاكرتي حتى اليوم وكأني قرأته البارحة!

كان رئيس لبنان وقتذاك الياس سركيس، الذي كان بلا حول ولا قوة امام جبروت الميليشيات التي سيطرت على شوارع لبنان وحاراتها، وتقاسمت النفوذ فيها، تاركة الرئيس محاصراً في (قصر بعبدا) يعد الايام الثقيلة ويستعد للرحيل، رافضاً دعوات التجديد، لشعوره بانه ليس رئيساً الاّ على خدم القصر وجنود الحماية! وكان قباني يصف حالته تلك بطريقة شاعرية، ويقول؛ ان سركيس رجل طيب لا يقوى على قتل نملة وله خصال حميدة كثيرة.

لكن لبنان لا يحتاج الى رئيس كهذا، بل يحتاج الى رئيس له شارب هتلر ولحية فيديل كاسترو وقبضة محمد علي كلاي!! وانقل هنا ما قاله بالمعنى وليس بالنص .. نعم لقد كان لبنان بحاجة الى رئيس له تلك المواصفات لكنه تأخر كثيرا، فبقي باب البلاد مفتوحا امام ارييل شارون الذي لم يتأخر في اجتياح لبنان في غفلة او صحو من المتقاتلين المنشغلين ببعضهم، ليدمر لبنان صيف عام1982 ويخرج بعدها الياس سركيس من قصره تاركا كرسيه المتهالك بفعل ضربات امراء الحرب .. وحكاية لبنان وحربه الطويلة معروفة للجميع.

عراق اليوم يعيش واقعا مزريا على مختلف المستويات، سياسيا واقتصاديا وامنيا، يضاف الى هذا كله، ان وحوش داعش مازالوا على الابواب، ووباء كورونا الذي حل ضيفا مرعبا، واسعار النفط المتذبذبة بين ارتفاع نسبي وهبوط حاد، طالما ان هذه السلعة باتت في قلب اللعبة الدولية وصراع الاقوياء، لاسيما على الشرق الاوسط المبتلى .. ما يعني ان العراقيين اليوم بحاجة الى نظام سياسي يحمل قدرا عاليا من المتانة تؤهله لإعادة هيبة الدولة التي صادرتها الفوضى ونخرها الفساد .. نظام بملامح وطنية واضحة وحكومة لها رئيس واحد وقوي، وليس اسما رمزيا لعشرات الرؤساء المتنفذين المقنعين تحت عناوين مختلفة، يتجه كل واحد منهم الى وجهة مغايرة للاخر ويكيد له، والبلد يتمزق بينهم! رئيس يعيد بناء مؤسسات الدولة على اسس مهنية صحيحة ويبني جيشاً قويا يحفظ الوطن، واجهزة امنية تحمي الناس، رئيس يعرف اذا ما فشل يخسر موقعه واذا نجح سيعاد انتخابه، كي يتمكن من انجاز مهمته ويوصل سفينة البلاد الى شاطئ الامان.

لايختلف عاقلان على ان الذي يفرّق الساسة ويجعل كتلهم تضرب احداها بالاخرى، ليس مصلحة البلاد، بل المصالح الشخصية والحزبية والجهوية، وان سفينة البلاد التي تكاد تغرق نتيجة لهذا الصراع، ستغرق بالشعب وحده، لان الساسة، اعدوا زوارق النجاة لهم ولعوائلهم، وسيكونون في منجى من كل الكوارث القادمة التي هيأوا لها كل اسباب التحقق.

فمن غريب امرهم، انهم لم يسمعوا صوت الشارع الغاضب منذ خمسة اشهر، ويتصرفون اليوم وكإن شيئا لم يحدث، ويراهنون على عودة المنتفضين الى بيوتهم بعد ان يعييهم التعب ويعتريهم اليأس، بدلا من ان يكون صوتهم قد وصل من اول يوم، ويجب ان يبقى صداه يعتمل في المشغل السياسي بجميع اروقته الحزبية والمؤسسية، او هكذا هو حال العالم، فالهدف من التظاهرات ان يسمع المتظاهرون صوتهم ويعودوا، ليتركوا المعنيين او المستهدفين يتدبرون الامر بعد ان يصبحوا ملزمين اخلاقيا وسياسيا ووطنيا، قبل كل شيء بتنفيذ مطالب الناس .. فهل نحن مثل بقية العالم ام نختلف؟!.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق