الفلسفة تبدأ حقا بارسطو لأن ارسطو كان اول فيلسوف يلخص منهجيا تعاليم أسلافه لكي ينتقدها. ربما كان موقف كيني صائبا، لأن تلك المنهجية تمثل رحيلا جديدا. انها اتجاه لم يتبنّاه افلاطون المعلم الكبير لأرسطو. نحن نستطيع الإحساس بالطبيعة الراديكالية لحركة ارسطو لو نظرنا في بعض الكلمات...

لماذا نعتقد ان الفلسفة نشأت في الأصل في اليونان القديمة؟ من الواضح ان المصريين القدماء الذين سبقوا فيثاغوراس وافلاطون وبارمنديس وارسطو بـ 2500 سنة، مارسوا الحكمة ايضا: "قوة الحقيقة والعدالة هي ان يسودا" كما ورد في حكمة بتاح حتب حوالي 2350 ق.م.(1)

في كتابه تاريخ الفلسفة الغربية (1945)، يرى برتراند رسل انه من الصحيح ان الفلسفة بدأت في القرن السادس قبل الميلاد في اليونان (في ميليتس، المستوطنة اليونانية التي تُعرف الآن بتركيا)، لأنه فقط من هنا بدأ الفلاسفة يميّزون الفكر من الثيولوجي. في كتابه الهام يطرح رسل مسألة واضحة وليس دفاعا او موقفا معينا. المفكر الذي اُطلق عليه أول فيلسوف، (طاليس)، يتذكر الناس قوله ان "كل الأشياء مليئة بالآلهة".

في كتابه تاريخ جديد للفلسفة الغربية (2004-2007)، يقترح فيلسوف جامعة اكسفورد (انتوني كيني) ان الفلسفة تبدأ حقا بارسطو (384-322)، لأن ارسطو كان اول فيلسوف يلخص منهجيا تعاليم أسلافه لكي ينتقدها. ربما كان موقف كيني صائبا، لأن تلك المنهجية تمثل رحيلا جديدا. انها اتجاه لم يتبنّاه افلاطون المعلم الكبير لأرسطو. نحن نستطيع الإحساس بالطبيعة الراديكالية لحركة ارسطو لو نظرنا في بعض الكلمات التي يصوغها لكي يصنع تلك الحركة.

فمثلا، افلاطون استخدم كلمة "انولوجي" وليس "تحليل". كلمة "تحليل" جرى اختراعها من قبل ارسطو. هذا يعني انه، بينما افلاطون افترض ان الهدف من الجدال هو الاشارة الى الحقيقة، لكن ارسطو وجد ان الجدال يمكن ان يجزّأ الموضوع قيد الدراسة تماما كتشريح النبتة او السمكة. كذلك، افلاطون استخدم كلمة "نوعية" ولم يستخدم كلمة "كمية" وهي الكلمة الاخرى التي صاغها ارسطو.

ذلك يفسر لماذا كان افلاطون دائما مهتما بالواحدية وبالثنائية وبالثلاثية اكثر من اهتمامه بـ واحد واثنين وثلاثة. اتجاه افلاطون في الرياضيات كان تأمليا كما اشير في قصته عن سقراط حين لاحظ قطرتي مطر يتّحدان ليشكلا كرة فضية واحدة من الماء. يسأل سقراط "أين ذهبت الثنائية، الانفصال، الازدواجية، الاستقلالية ؟ ". لكن ارسطو كان مختلفا. هو كان ايضا يتأمل الأعداد رياضيا. هو كان يجادل ان "3" هي رقم تام لأنه يحتوي على بداية ووسط ونهاية، لكنه كان ايضا مهتما بـ "الكم" والذي هو ما تعنيه "الكمية".

بعد هذا، اصبح المفكرون مهتمين بالمظهر الحسابي للأشياء في العالم التجريبي. وذلك يُعد شيئا جديدا. (اوين بارفيلد) يكتب، انه مع ارسطو، "بدأ ذهن الانسان يمارس الوزن والقياس، للفحص والمقارنة، وان ذلك الوزن والقياس استمر بشكل متقطع لمدة 23 قرنا" (التاريخ بكلمات انجليزية، 1926، ص 111). انت تستطيع القول انه، بعد ارسطو، يمكن التمييز بين المعرفة التطبيقية و المعرفة النظرية. ذلك يختلف عن حكمة الأساطير والتقاليد اللذين تشابك بهما مظهري المعرفة.

من الجدير مناقشة كم هو عميق ذلك التحول في التفكير. لألف سنة، شعر أسلافنا انهم ناقشوا حول الكون الذي كان مملوءا بالكينونات الحية، وان تلك التصورات صاغت الكيفية التي يعمل بها العالم. عندما كتب (بتاح حتب) حول الحقيقة والعدالة، هو لم يكن يفكر بأفكار مجردة كما نفعل نحن، هو كان يفكر بخصائص شخصية للإلهة (ماعت). حكمته المكتوبة كانت "العظيم هو ماعت". هذا هو فعل الدعاء الديني. الحقيقة والعدالة يسودان لأن الإلهة (ماعت) تعيش الى الأبد.

السايكولوجي التطوري (روبن دنبر) كان يدرس العقلية القديمة للتفكير حول اصل الدين. هو اصبح مندهشا بالكيفية التي كان بها جامعي البذور منخرطين في حالات من غياب الوعي او trance، ووصل الى قناعة انه في اواسط العصر الحجري القديم اي من 250 ألف الى 50 ألف سنة مضت، اكتشف الانسان انه بالإمكان تحفيز مثل هذه الحالات المتغيرة للوعي. هذا الاكتشاف قاد لما يسمى "الاديان الساحرة"، المرتكزة على تجارب الارواح والكائنات التي تجسدت في رؤى وممارسات شامانية(2). الرقص الجماعي والطقوس المؤثرة كان لها ميزة التكيف في إطلاق الاندروفين الذي ارتفع في اجسام المشاركين، والذي يعتقد دنبر اثبت انه لا يقدر بثمن. الشيء الجانبي لمثل هذه النشوة الجسدية هو مواد افيونية خففت التوترات التي توجد لدى جماعات كبيرة من الناس. لذلك فان حالات غياب الوعي المؤقت، لا تقود فقط الى تصورات عن الاله، انها رسخت كثيرا اجتماعية الانسان.

واذا كانت الجماعات البدائية الاولى مثل الشمبانزي، يتحدد حجمها بعدد الأعضاء الذين يمكن تطبيعهم بشكل متبادل عبر عملية الإعداد الاجتماعي social grooming(3)، فان تلك التجارب الدينية المبكرة كانت تعني ان جماعات الناس قد تتطور الى قبائل ومن ثم الى مدن. باختصار، الانسان اتخذ مسارا تطوريا ارتبطت فيه القصص والبقاء والمعنى الاسطوري للكون بشكل وثيق. تفكيك ذلك الارتباط كان عملا بطوليا وان هذا هو ما انجزته الفلسفة بتحليلاتها الجديدة.

ارسطو ذاته لم يغير كل شيء فجأة. في الحقيقة، يمكن القول انه سيكون مندهشا بالكيفية التي يقرؤه الناس بها اليوم، لأنه هو ذاته مارس رؤاه التطبيقية والنظرية كوحي الهي. هذا يفسر لماذا هو نصح اتباعه ان لا يفكروا كاناس فانين، وانما يتمتعوا بالطريقة التي نشارك بها حياة الخالدين، عندما نغرس ونربّي "أحسن الاشياء فينا"، والتي هي الفهم. نشوة ارسطو كانت ان يرى الكيفية التي استوعب بها ذهنه الحكمة العالمية من خلال البداهة والعقل. ان ابتكارات ارسطو في وسائل التفكير خلقت إمكانية لطريقة مختلفة جدا في ادراك العالم. ما نسميه الآن العلوم التجريبية هي نتاج عمله. في زماننا الحالي، اصبح ممكنا وصف العالم بدون الاشارة الى الارواح الحارسة او الذكاء المتجاوز.

التغيرات الجوهرية في الفكر

لذا فان (كيني) على صواب، بمعنى ان ارسطو كان عاملا رئيسيا في تطوير الفلسفة بشكل خاص. مع ذلك، نرى ان حركة سابقة كانت ايضا ضرورية. شيء آخر كان يجب ان يحدث قبل ثورة ارسطو، والتي أعدّت الأرضية للناس ليكونوا قادرين على تقدير قيمة التفكير بعبارات من الكمية والتحليل. كان هذا تحولا اخراً في الوعي – ميلاد الذهنية المطلوبة لإكتشاف هذه المظاهر من الواقع، وجعلها تقف بالضد من خلفية تدفق الآلهة والاشياء الحية. مقياس هذا التحول المسبق بالوعي يمكن تصوره عندما نسأل ماذا يلزم القيام به لعمل ما قام به ارسطو. هو كتب حول "الاخلاق"، لأول مرة معطيا توضيحا منهجيا لكيفية ازدهارها. هو وصف "المنطق"، القواعد المجردة التي يمكن ان ترشد الفكر. هو اشتق طرقا لفهم العالم الذي لا يوجد تلقائيا في الطبيعة باستعمال "التصنيف"، "الانواع"، و"الميكانيك". للقيام بكل هذا، كان يجب عليه ان يكون قادرا على الانسحاب الذهني من الموضوع لكي يمكن فهمه موضوعيا. كان عليه ان يمتلك فكرة عما سماه (ثوماس ناجل) "الرؤية من لا مكان". فقط من خلال هذا المنظور الفكري المنفصل أمكن له كتابة الاخلاق والمنطق وكل المتبقي. لكن هذا الموقف لم يكن في الحقيقة انجازه. انه كان إنجاز أسلافه الفلسفيين.

لننظر في احد فلاسفة ما قبل سقراط وهو اناكسيمينس (586-526 ق.م)، الذي نتذكّره الآن لتجاربه. فمثلا، هو نفخ في يده بطريقتين: الاولى مع فتح الفم، ومن ثم مع زم الشفتين. هو لاحظ شيء ما. عندما يكون فمه مفتوحا فانه يشعر بالهواء دافئا، وعندما يزم شفتيه يشعر بالهواء باردا. ما هو مهم في التجربة هو ان عددا لا يحصى من الناس قبل اناكسمينيس قاموا بنفس التجربة. ما جعل انكسامينس مختلفا هو انه توقّف، انسحب ذهنيا من التجربة، وسأل السؤال البسيط: لماذا؟ لماذا هناك اختلاف؟ ماذا يجري؟

في وقتنا الحالي سنقول عنه انه لم يفهم جيدا أساس التبريد: عندما يتمدد الغاز سيبرد، وهو ما يحدث عندما تزم الشفتين. هذه العملية تسمى قانون بويل. لكن اناكسيمينيس لم يفكر بتطبيق اكتشافه لأجل أخذ براءة اختراع والبدء بثورة صناعية. ما يجب تذكّره عن اناكسيمينيس في العصور القديمة هو التحول في العقلية المرتكزة على الفضول التجريبي. حاليا، من المهم جدا الاشارة الى ان الناس بإمكانهم التراجع ذهنيا من الانغماس في تدفّق التجربة اليومية.

تجنّب الانغماس المفرط للذهن كان عملا راديكاليا. في ذلك الوقت، عوقب الفلاسفة لطرحهم اسئلتهم، وهو ما قاد الى عقوبة الموت لبعضهم بما في ذلك سقراط. المشكلة لم تكن فقط ان الفلاسفة تحدّوا الحكمة الشائعة، هم أقلقوا الناس ايضا. ذلك يشكل الكثير من التحدي المقلق الذي يمكن ان يقود الى ثورة في الفكر. لمعان ارسطو كان انه استطاع على أكمل وجه ركوب موجة بدأت بما قبل سقراط. هو دفع ثمنا لها ايضا بنفيه مرتين من اثينا.

ان ماهو اكثر راديكالية هو ان توقّف الافراد ذهنيا في تجاربهم، يعني استطاعة الناس اكتشاف باطنهم: هم استطاعوا التمييز بوضوح بين تفكيرهم الخاص و بقية العالم. نستطيع القول انه ولأول مرة في التاريخ الانساني، برز هناك فلاسفة كافحوا لتكون لديهم افكارهم الخاصة. ما قام به هؤلاء المفكرون كان اختراع معنى ان تكون فردا. نظرية دونبر في اصل الدين يمكن استخدامها لتجسيد هذا الادّعاء. بعد اكتشاف حالة الغيبوبة او اللاوعي، يعتقد دونمبر، ان نوع ثاني من التديّن نشأ تدريجيا. انه كان مرتكزا ليس على الحالات المتجاوزة للذهن، وانما على الاستخدام اليومي للمزيد من الطقوس الرتيبة والشعائر. اراقة الخمر، تلاوة الصلاة، التضحية في الأضرحة، زيارة الكهنة والقديسين لأجل السحر والشفاء، هذه الفعاليات نمّطت التجربة الدينية وطرق الحياة وجعلتها روتينية. من بين اشياء اخرى، هذا يعني ان الناس ما كان يجب عليهم الذهاب بعيدا في إنجاز الحالات المتغيرة من الوعي لكي يكسبوا الفوائد الاجتماعية للدين. زيارة العوالم الروحية والأسلاف يمكن الاحتفاظ بها للمهرجانات وأيام الولائم.

دونبر يسمي هذا النوع الثاني من التديّن بـ "الدين العقائدي". هو يرى ان ذلك حدث بشكل واضح اثناء ثورة العصر الحجري الحديث (عشرة الاف الى خمسة الاف سنة قبل الميلاد)، عندما دجّن اسلافنا الحيوانات وبدأوا الزراعة وممارسة حياة اكثر استقرارا، وكذلك عندما بدأوا ببناء المعابد.

مصر القديمة كانت واحدة من أعظم تجليات هذه الطريقة من الحياة. موروثها من الاهرامات العظيمة والفن الجنائزي لايزال يسحرنا الى يومنا هذا. انها تتحدث عن المرحلة الثانية. في هذه المرحلة، الاله (را) يمكنه الشعور انه ربح النزاع الابدي ضد الاله (ابوفيس) في كل مرة تشرق فيها الشمس.

الفردية من خلال الفلسفة والدين

بالعودة الى كيفية ارتباط الفلسفة بهذه التطورات، تجدر الاشارة الى ان افلاطون تعلّم حول طريقة مصر القديمة في التفكير بعد إعدام سقراط عام 399 قبل الميلاد. إهتمام افلاطون بالديانة المصرية يمكن العثور عليه في الحوارات اللاحقة لإفلاطون مثل (تيماس)، حيث يصف فيه الطقوس الكهنوتية المصرية وشعائر المعابد بكونها أصبحت ميكانيكية ومتحجرة. يُعتقد ان افلاطون زار مناطق من النيل وشارك في الالغاز ووجدها ليست بالمستوى المطلوب.انها لم تربطه بالاله (را) ولا بالآلهة الاخرى. تشخيصه لأسباب الفشل هو ان وعيا جديدا كان يبرز – وعي الفرد. هو شعر بهذا الرقي العالي في استجواب سقراط. سقراط كان تجسيدا للفرد الجديد وهو ما كلّفه حياته. "ذبابة اثينا" كما سماها سقراط أزعجت الناس بعمق لأنها جعلت السؤال لماذا؟ و"ماذا يعني هذا" طريقة في الحياة. هو حوكم بتهمة الخيانة ووُجد مذنبا لأنه أتُهم بالانسحاب من الطريقة الجمعية لحياة زملائه المواطنين: جزء من التهمة ضده كانت "إدخال آلهة غريبة". وبدلا من المشاركة في الدين الجماعي، امتلك سقراط موهبة فردية – ارتباط خاص بالاله ابولو. وكما نُقل عنه في حوار الابولوجي: "هذا ما منعني من المشاركة في الشؤون العامة وانا اعتقد انه كان صحيحا جدا ان يمنعني".

هذا المعنى الراقي للفردية كان ناضجا لأرسطو. هو تمكّن من توسيع الاتجاهات الابتكارية للحياة ليجعل ذلك المعنى ممكنا، مستوحىً في كلماته الجديدة وأعماله الفلسفية. بمعنى اخر، اذا اردت ان تعرف لماذا ارسطو كان لاحقا هاما جدا للمفكرين الاوربيين للآلفين سنة القادمة، يجيب المرء انه في عمله بلور ومكّن الوعي.

انواع جديدة من الوعي لا تولد كل يوم. هي ايضا تأخذ وقتا لتترسخ وتزدهر. هذا ما حدث خلال ظهور فلسفة اليونان القديمة. ان نوع العقلية التي نستطيع الارتباط بها، والمرتكزة على الفردية، جاءت الى الصدارة منذ القرن السادس الى القرن الرابع قبل الميلاد في اليونان. والفلسفة كما نعرفها وُلدت مع خلق الفرد.

قد لا يرى البعض ان هذا النوع من الوعي أصبح فورا منتشرا مع سقراط وافلاطون وارسطو. لكن المدرسة الاكثر شعبية بين المدارس الفلسفية في القرون التي تلت كانت الرواقية، والتي عملت الكثير لنشر ذلك الوعي. الرواقيون طوروا تقنيات قوّت معنى الفردية عندما لاحظوا انها اكتسبت فوائد علاجية. هم كانوا يمارسون اختبار الذات، وعي الذات، التعبير عن الذات الذي طوّر المعرفة الذاتية بالأخطاء الفردية والضعف والفضيلة والقوة. الهدف كان لضمان الإتزان الداخلي. مؤرخ الفلسفة القديمة بايير هادوت (1922-2010) سمى هذه التقنيات "تمارين روحية" لأنها عملت في مستوى الحياة الداخلية للفرد: "التمارين الروحية كانت دائما تمتثل للحركة التي يركز بها "انا" ذاته على ذاته ويكتشف انه ليس ما اعتقد"، هو يوضح ذلك في (ماهي الفلسفة القديمة؟ 1995، ص190).

المعنى الجديد لكون الفرد فردا اصبح منتشرا بعد ولادة المسيحية. وفي أعقاب مفكرين مثل (اوين بارفيلد)، نعتقد ان دمقرطة الفردية كانت السبب الرئيسي الذي جعل المسيحية تصبح محبوبة جدا في القرون الاولى من الألفية الاولى.

المسيحيون يعتقدون ان يسوع كان كلا الأمرين اله كامل وانسان كامل، وان هذه الرسالة كانت لجميع الناس ليقبلوا بها شخصيا. هذه الفكرة نقلت الفردية من كونها انجاز فلسفي الى كونها مثال لكل الانسانية.

المسيحيون ايضا بدأوا الارتباط الاخوي مع مسيحيين آخرين ليس بسبب انهم ينتمون الى نفس العوائل او المدن، كما كان يحصل في العالم القديم، وانما على اساس التحول الفردي والالتزام بالايمان الجديد. هم استطاعوا الارتباط كأفراد وليس كأقارب او مواطنين، وهذا يفسر سبب انتشار المسيحية. يكتب المؤرخ كايل هاربر في (مصير روما، ص 156، 2017) ان "اقوى مزايا المسيحية كانت القدرة الغير قابلة للاستنزاف لنسيان الارتباطات الشبيهة بالنسب بين الغرباء الفضلاء".

وعيهم كان مثل وعينا، كونهم امتلكوا الفردية. لكنها لم تكن فردية بالضبط كما نحن لأنه، في اواخر العصور القديمة والقرون الوسطى، لازال الافراد يشعرون بانفسهم انهم مرتبطين بالطبيعة، الكون، الاله. الافراد لم يعد يشعرون انهم كانوا عرضة للاجتياح من الاله او الارواح الاخرى، وانما هم شعروا انهم لو عاشوا حياة فاضلة فان فرديتهم ستعكس حياة الاله. لكن وعي الوقت الحالي تحوّل مرة اخرى، واصبح ممكنا الشك بذلك الموقف من الاعتماد المتبادل، وحتى الشك بوجود الالهة والارواح. نحن نستطيع ان نصبح افرادا معزولين غرباء عن العالم الذي حولنا، والذي ممكن اعتباره كما لو لايمتلك حياة داخلية ابدا.

حتى مع هذا، نحن لانزال نقرأ افلاطون وارسطو والفلاسفة الهليستينيين ونجد انهم يضيئون حياتنا، لأننا، بطرق معينة، لانزال نشترك بوعيهم. عندما نتعلم حول حياة سقراط وموته، نحن نتعلم حول ما تتطلبه الفردية لتولد. هناك معنى ان تضحيات سقراط كانت مطلوبة كي تنشأ تجربتنا في الحياة. نحن نعجب به. هو يبدو ليس كالخائن وانما بطلا. هذا يفسر لماذا نظن ان الفلسفة برزت في اليونان القديمة.

....................................
المصادر:
1- Philosophy and The creation of Individual,Dr. Mark Vernon, Philosophy Now, June-July2020
2- Wikipedia The free Encyclopedia
الهوامش
(1) هو مسؤول ووزير مصري في مصر القديمة في القرن الخامس والعشرين قبل الميلاد، يعتقد العديد من الباحثين ان بتاح حتب كتب اول كتاب في التاريخ. كتابه بعنوان (حِكم بتاح حتب) احتوى على العديد من المواضيع التي اُشتقت من المفاهيم الاساسية للحكمة المصرية والادب والتي جاءت من الإلهة (ماعت). هذه كانت بنت النظام الكوني والانسجام الاجتماعي الاول. تعاليم بتاح حتب كُتبت كنصائح للناس لأجل الحفاظ على النظام الاجتماعي. انها نصائح معمقة تغطي مواضيع مختلفة تتراوح من آداب الطعام الى النجاح في الألعاب وحتى مساعدة الزوج في ادامة جمال زوجته. المؤرخ (ول دورانت) إعتبر بتاح حتب اول فيلسوف كتب في الفلسفة الأخلاقية.
(2) الشامانية shamanism ممارسة دينية تستلزم وجود الممارس او الشامان الذي يُعتقد انه يتفاعل مع عالم روحاني من خلال الحالات المتغيرة للوعي، مثل الغيبوبة. الهدف من هذه الممارسة هو توجيه تلك الارواح او الطاقات الروحية الى عالم مادي لأجل الشفاء او لأغراض اخرى.
(3) الإعداد الاجتماعي هو سلوك يقوم به الحيوان الاجتماعي بما فيه الانسان بتنظيف الجسم والحفاظ على مظهر حيوان آخر. التطبيع يمثل فعالية اجتماعية كبرى ووسيلة تستطيع بها الحيوانات التي تعيش متجاورة بترسيخ وفرض الهياكل الاجتماعية والارتباطات العائلية وبناء الصحبة. الإعداد الاجتماعي اُستخدم ايضا كوسيلة لحل الصراعات.
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق