الواقع المذهبي المتعدد، بحاجة إلى مشروع فكري وقانوني وسياسي، يضبط نزعات الاختلاف والتباين، ويوظف عملية التعدد والتنوع في إثراء الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية.. والتعددية المذهبية كغيرها من التعدديات، إذا لم تضبط بقانون عادل ومساواة سياسية وثقافية واجتماعية، فإنها تتحول إلى عبء على الواقع الاجتماعي على...

مقدمة:

على المستوى التاريخي لم يكن التعدد الفقهي والمذهبي في التجربة التاريخية الإسلامية مظهرا من مظاهر الانقسام والتشظي في الدائرة الإسلامية، بل دليل حيوية عقلية وفكرية ومناخ اجتماعي حر ومنفتح أدى إلى تطوير عملية الاجتهاد ونشوء الاتجاهات الفكرية والسياسية في الدائرة الإسلامية.

و"علماء المسلمين يدركون بعمق وهم يسعون للتقريب بين المذاهب، أن المذهب في الإسلام لم يكن في نشأته الأولى مظهرا الانقسام المسلمين وتوزعهم، وإنما كان تعبيرا عن حيوية عقلية وعملية أدت إلى تشعب الآراء ونشوء التيارات المنهجية في استنباط الأحكام الشرعية ودلالات النصوص على النحو الذي أغنى الإسلام عقيدة وشريعة وأتاح للمسلمين أن يمارسوا أعمق أشكال الحوار المستند إلى المنطق والعلم. فسجلوا في تاريخ الفكر الإنساني وتطوره مأثرة الاستماع للرأي الآخر واحترامه". السيد محمد حسن الأمين، الاجتماع العربي الإسلامي، مراجعات في التعددية والنهضة والتنوير، ص 85، بيروت، 2003م.

لذلك فإن احترام هذا التعدد المذهبي فيما يعني حمايته. لأنه نتاج الحوار والبحث المضني والمتواصل عن الحقيقة. وحينما نطالب بحماية التعدد المذهبي في الدائرة الوطنية، فإننا نقصد حماية تلك القيم والمبادئ التي أنتجت ثراءا فقهيا وفكريا وعلميا في التجربة التاريخية الإسلامية. فلا يمكن أن نفصل ظاهرة تعدد المدارس الاجتهادية والفقهية في تجربتنا التاريخية عن قيم الحوار والاعتراف بالآخر وجودا ورأيا، وتوفر المناخ الاجتماعي المؤاتي للاجتهاد بعيدا عن ضغوطات السياسة أو مسبقات التاريخ.

وهذا بطبيعة الحال، يقتضي انفتاح المذاهب الإسلامية على بعضها في مختلف المستويات، وإزالة كل الحواجز والعوامل التي تحول دون التواصل الفعال بين مختلف المدارس الفقهية والمذهبية.

تقارب أم تعارف:

وفي تقديرنا أن مقولة التقريب من المقولات التي تجاوزها الزمن. وذلك لأنه على الصعيد الفكري والعملي تبلورت خيارات ومفاهيم، أخذت كل إيجابيات مقولة التقريب، وأضافت إليها أبعادا عملية واجتماعية.. فالتعارف كمفهوم ثقافي وممارسة اجتماعية، من المقولات والمفاهيم، التي تحتضن مضامين وحمولة عقدية وفكرية واجتماعية أرقى من مقولة التقريب. لهذا فإننا نعتقد أن الواقع المذهبي المتعدد، بحاجة إلى مشروع فكري وقانوني وسياسي، يضبط نزعات الاختلاف والتباين، ويوظف عملية التعدد والتنوع في إثراء الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية..

والتعددية المذهبية كغيرها من التعدديات، إذا لم تضبط بقانون عادل ومساواة سياسية وثقافية واجتماعية، فإنها تتحول إلى عبء على الواقع الاجتماعي على أكثر من صعيد ومستوى. فالتقريب كوعاء نظري أضحى لا يفي بحاجات ومتطلبات واقع التعددية المذهبية في المجالين العربي والإسلامي. فالتعددية المذهبية حقيقة قائمة في الكثير من الدول والبلدان العربية والإسلامية، ولا يمكن التغافل عن هذه الحقيقة أو متوالياتها ومتطلباتها، وإنما نحن بحاجة إلى نظام اجتماعي ـ ثقافي ـ سياسي، يحمي هذه الحقيقة ويحترم خصوصياتها، ويوفر للجميع على حد سواء الحماية والحرية.. ونحن نرى أن المقولة التي نطرحها على الصعيد الثقافي والاجتماعي كبديل عن مقولة التقريب، هي مقولة التعارف وهي من المقولات القرآنية والتي تحمل مدلولات ومضامين واسعة على صعيد تشكيل العلاقة الايجابية بين مختلف المكونات المذهبية في الأمة.

وهذه المقولة (التعارف) على صعيد العلاقة المذهبية تعني:

1- توفر الاستعداد النفسي والاجتماعي والأخلاقي لبناء علاقة تعارف متواصلة مع الآخرين. فالنص القرآني الذي يحث على نسج تعارف وعلاقات بين القبائل والشعوب يوفر لنا إمكانية القول، أن التعارف مع الآخرين هو مشروع مفتوح على كل المبادرات والخطوات الإنسانية النبيلة، والتي تتغذى باستمرار مع وجود استعداد نفسي وأخلاقي واجتماعي عند جميع الأطراف لبناء علاقة تواصل مستديمة تفسح المجال لبناء علاقة سوية وسليمة بين جميع الأطراف والمكونات.

2- الاعتراف بالآخر، حيث أنه لا يمكن أن تنطلق في مشروع التعارف مع الآخرين بدون الاعتراف بوجودهم وآرائهم وأفكارهم. فالتعارف يقتضي الاعتراف أن في الوجود أو المجتمع أو الوطن آخرين. وهذا الاعتراف هو الذي يقود إلى مشروع التعارف على أسس واضحة ومثمرة.

3- إن التعارف في مضمونه وآفاقه، ينطوي على دعوة عميقة وجوهرية لمعرفة الآخر من خلال استكشافه وولوج منظوماته وقراءته كما هو، بعيدا عن الذاتية التي تسقط على هذا الآخر عصبيتها الاجتماعية والفكرية. وهذا يقتضي الحوار المتواصل والمستديم بين جميع الأطراف والمكونات، حتى يتسنى للجميع المعرفة المتبادلة واكتشاف الآخر بعيدا عن المسبقات والقناعات الجاهزة.

فالتعددية المذهبية في مجتمعنا وأوطاننا، ليست عيبا يجب إخفاؤه، ولا عبئا ينبغي التخلص منه، وإنما هي حقيقة تاريخية - اجتماعية ينبغي التعامل معها بحكمة وروية وبعد نظر، حتى ترتفع كل العناصر السيئة التي تشوب العلاقة بين المكونات المذهبية في المجالين العربي والإسلامي.. ومقولة التعارف هي أولى الخطوات في مشروع صياغة العلاقة الايجابية بين أهل المذاهب الإسلامية.

نقد الطائفية:

لعلنا لا نأتي بجديد حين القول ابتداءً، أن التعدد المذهبي لا يشرع بأي حال من الأحوال إلى ممارسة الطائفية ضد بعضنا البعض، بحيث يكون الانتماء المذهبي، هو الذي يحدد مستقبل المواطن. فإذا كان منتميا إلى المذهب الرسمي فإن أبواب الوظائف والمناصب في كل الحقول والميادين تكون مفتوحة أمامه.

أما إذا كان المواطن ينتمي إلى مذهب آخر، فإن العديد من دوائر الحياة تغلق في وجهه ولا يسمح له خدمة الوطن في بعض المواقع والحقول. لذلك فإن الخطوة الأولى في مشروع إعادة صوغ العلاقة بين أهل المذاهب الإسلامية في الفضاء الوطني، هو رفض الطائفية بكل مسوغاتها وتبريراتها، التي هي في المحصلة النهائية تساهم في تمزيق المجتمع وتفتيت الوطن. فبدون محاربة الطائفية ونقد أسسها الثقافية والسياسية ومرتكزاتها العقدية والفكرية، لن نتمكن من بناء العلاقة بين مكونات الوطن المذهبية والسياسية على أسس العدالة والاعتراف والاحترام المتبادلين.

وإن تقسيم أبناء الوطن على أسس طائفية لا يضر حاضر الوطن فقط بل يهدد مستقبله. وذلك لأن هذا التقسيم هو مقدمة التفتيت والانهيار.

لذلك فإننا جميعا ومن مختلف مواقعنا، ينبغي أن نقف ضد كل مظاهر التمييز الطائفي، وذلك لأن هذا التمييز لا يضر فقط الطرف الموجهة ضده، بل تضر وحدة الوطن والمواطنين، وتزيد من فرص الاحتراب الداخلي. فنقد الطائفية وفضح ورفض كل مظاهرها ووقائعها، هو الخطوة الأولى في مشروع بناء الوحدة الوطنية الصلبة وتطوير مستوى الانسجام والاندماج الاجتماعي.

إن الممارسات الطائفية البغيضة، هي التي تدق إسفينا عميقا في مشروع البناء الوطني، حيث أنها تساهم مساهمة كبرى في تفتيت المجتمع وخلق الإحن والأحقاد بين أبناء الوطن الواحد.

لذلك فإن فريضة الوحدة الاجتماعية والوطنية، بحاجة ماسة وملحة اليوم، إلى الوقوف بحزم ضد كل أشكال التمييز وبث الكراهية بين أبناء المجتمع الواحد.

ولا يمكن أن نبني علاقة سوية بين أبناء الوطن الواحد، إلا بنقد ومنع كل أشكال التمييز بين أبناء هذا الوطن. وبصرف النظر عن عوامل التمييز وموضوعاته، لا يصح أن نمارس التمييز المقيت ضد بعضنا البعض، لأن هذا التمييز هو الذي يدخلنا في أتون الضياع والصراع المفتوح على كل الاحتمالات والمخاطر.

إننا مع التعايش والوحدة بكل مستوياتها. الوحدة التي لا تبنى بتهميش مكونات المجتمع، وإنما بالاعتراف بها وتوفير كل موجبات الاحتضان والاحترام.

والتعايش لا ينجز بدحر التعدد المذهبي، بل بتوفير الفضاء السياسي والحضاري المناسب، لكي يمارس هذا التعدد دوره في بناء الوطن وتعزيز جبهته الداخلية.

والوقوف بحزم ضد كل حالات وأشكال التمييز الطائفي، يقتضي الالتزام بالآتي:

1. الاعتراف القانوني والسياسي بالمذاهب الإسلامية المتوفرة في الوطن، وإعطاءها المجال والفرصة لكي تمارس بحرية كل أعمالها وأنشطتها الثقافية والدينية والاجتماعية.

2. سن القوانين التي تجرم وتعاقب كل مواطن، يمارس التمييز الطائفي. فلا يمكننا أن ننهي التمييز الطائفي من فضائنا الاجتماعي والوطني، إلا بوجود منظومة قانونية متكاملة، تتعامل مع كل أشكال التمييز الطائفي باعتبارها جرما يعاقب عليه القانون.

3. تنقية المناهج التعليمية والتربوية والمنابر الإعلامية، من كل العناصر والقضايا التي تبث الكراهية الدينية والمذهبية. فلا يمكننا أن ننهي المشكلة الطائفية من واقعنا، إلا بإنهاء المصادر الثقافية والإعلامية التي تغذي هذه المشكلة وتمدها بالأسباب والمبررات. لذلك نحن بحاجة إلى جهد وطني حقيقي لتنقية كل المناهج الدراسية من كل المفردات التي تطعن في المذاهب الإسلامية الأخرى، أو تطعن في عقائدها ورموزها التاريخية. فتنقية مناهجنا التربوية ووسائل إعلامنا من كل المفردات الطائفية، هي خطوة ضرورية لإنهاء المشكلة الطائفية من فضائنا الاجتماعي والوطني.

فلا يمكن أن يسود الأمن فضائنا الوطني، ونحن نبث أو نسمح ببث ثقافة تدعو وتشجع على المفاصلة العملية والاجتماعية بين أبناء الوطن الواحد.

4. بناء ثقافة وطنية جديدة، قوامها الوحدة واحترام التعدد والتنوع بكل مستوياته وصيانة حقوق الإنسان. إذ إننا لا يمكن إنهاء المشكل الطائفي من فضائنا ومحيطنا، بدون إرساء ثقافة اجتماعية ووطنية جديدة، تعيد الاعتبار إلى الوحدة على أساس احترام التنوع، وتتعامل مع تعدد الاجتهادات الفقهية والفكرية باعتبارها من الحقائق التي تثري المجتمع والوطن. فنقد الطائفية بكل مستوياتها، يقتضي العمل على تطوير ثقافة الوحدة والحوار والتعدد في الفضاء الاجتماعي. فلا يمكننا أن ننهي الواقع الطائفي بالشعارات المجردة والمقولات الجاهزة، بل بالبناء الثقافي الجديد، الذي يرفض العقلية الأحادية والثقافة الإقصائية والمناهج الاستبدادية.

وذلك لأن المشكل الطائفي يستمد حيويته وفعاليته، من تلك العقلية الإقصائية والمناهج التي لا ترى إلا ذاتها وتلغي ما عداها. لذلك فإن مواجهة المسألة الطائفية في وطننا، تقتضي العمل على تفتيت جذور الثقافة الإقصائية والعقلية الآحادية المتخشبة التي لا تقبل التعدد وتحارب مقتضيات الحوار الحر والموضوعي.

التعددية المذهبية والحماية القانونية:

لعلنا لا نحتاج لكلام كثير لإثبات أن العلاقة القائمة بين مكونات الأمة المذهبية، علاقة مليئة بالكثير من الصعوبات والمشاكل والالتباس والهواجس المتبادلة. وإزالة هذه العناصر السلبية، لا يمكن أن يتم بالخطاب الثقافي العام، الذي يؤكد على الوحدة وضرورتها، وأهمية أن تستعيد الأمة الإسلامية وحدتها وتضامنها، وإنما نحن بحاجة إلى منظومة قانونية متكاملة، تحمي حقيقة التعددية المذهبية وكل متوالياتها ومتطلباتها.

وفي تقديرنا أن غياب الأطر والإجراءات القانونية، التي تحمي التعددية المذهبية، وتوفر مناخ حضورها الايجابي في الحياة العامة، هو الذي يؤدي في أحد أبعاده إلى دخول المواد السامة وعناصر التوتر في العلاقات المذهبية الإسلامية. ولا يمكن أن تضبط نزعات التوتر المذهبي، بدون المنظومة القانونية الحامية والرادعة في آن. وإن الاختلافات المذهبية بكل متوالياتها، ليست مدعاة أو سببا لسلب الحقوق أو نقصانها. فكما أن للإنسان حق الاختلاف مع أخيه الإنسان، فله في ذات الوقت حق ممارسة حقوقه بعيدا عن السلب أو التمييز.

فالعلاقة في الدائرة الإسلامية بين مختلف التعبيرات المذهبية، هي علاقة اختلاف ومساواة في آن واحد، فلا يمكن أن نلغي حالة التعددية المذهبية في الفضاء الاسلامي، كما أنه لا يمكننا صياغة واقعنا الاسلامي العام على أسس التهميش والإقصاء بدعوى التنوع والتباين في المرجعيات والأفكار. وإنما اعترافنا بهذا التنوع الأصيل، ينبغي أن يقودنا جميعا إلى بناء أنظمتنا السياسية والاجتماعية والتربوية والثقافية على قاعدة الاعتراف بحق الاختلاف المذهبي والمساواة في الحقوق والواجبات.

والدولة هنا تتحمل مسؤولية قانونية وأخلاقية، لإيجاد البيئة المناسبة للتعايش السلمي بين مختلف مكونات المجتمع والوطن. فالتعدد المذهبي لا يشرع بناء الكانتونات الاجتماعية المتحاجزة والبعيدة عن بعضها البعض، وإنما لا بد أن يقودنا واقع التعددية المذهبية إلى بناء وطني جديد على أسس لا تحارب التعدد ومقتضياته، ولا ترذل التنوع وحاجاته، بل تتعامل بوعي وحكمة مع هذه التعددية. الوعي الذي يؤسس لحالة حضارية من التعايش السلمي على أسس الفهم والتفاهم والحوار والتلاقي وتنمية الجوامع المشتركة وصيانة حقوق الإنسان. والحكمة التي تمنع اندفاع أي طرف للقيام بأي تصرف يضر بمفهوم المواطنة أو يؤسس لخيارات اجتماعية لا تنسجم ومقتضيات الوحدة. والخطر الذي يتهدد الأوطان واستقرارها، ليس من جراء التعددية المذهبية، بل هو من جراء سياسة التمييز الطائفي التي تعمل على تفتيت المجتمع على أسس طائفية مقيتة.

لذلك فإننا مع الاعتراف التام القانوني والسياسي بالتعددية المذهبية، ولكننا في الوقت نفسه ضد كل السياسات الطائفية التي تحول حقيقة التعدد من نعمة إلى نقمة، ومن عامل إثراء للسياسة والثقافة والاجتماع إلى مدخل للصراعات الطاحنة التي تدمر كل المكاسب والمنجزات. والآخر المذهبي ليس مشروعا للنفي والإقصاء المتبادل، وإنما هو مجال مفتوح وحيوي للتعارف والتفاعل والاغتناء.

إننا بحاجة إلى مواطنة مبنية على انتماء متكافئ بين متطلبات الخصوصيات المذهبية وضرورات العيش والانتماء الوطني المشترك. فالحرية المذهبية هي شرط المواطنة المتساوية، ولا يمكن أن ننجز هذا المفهوم في فضائنا الاجتماعي والثقافي والسياسي بعيدا عن شرط الحرية لكل التعدديات والتعبيرات.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق