لماذا بعض الخلافات يصعب جدا حلها بالجدال العقلاني المهذب. الناس ربما يتمسكون بعقائد تبدو كأنها متناقضة لأنهم يستعملون عقائدهم بمختلف السياقات. الناس يختلفون في أي العقائد هي مركزية لحياتهم، وأي منها هامشية، من غير الواضح ان كانت نشأت بفعل تجربة مقلقة ام بفعل جدال عقلاني مهذب...

ان الآراء الدينية والسياسية عادة تبدو متجذرة في الأذهان، عصية على محاولات الإقناع العقلاني.(نتذكر كيف كانت امهاتنا يحذرننا من الحديث مع الغرباء عن الدين والسياسة). ولكن مؤخرا، جرى تسييس جميع انواع القضايا غير السياسية. الناس الذين على هامش السياسة يميلون لإنكار تقلّبات المناخ، يؤمنون بسطحية الارض، ويقفون بالضد من اللقاحات. لنرى ما هي مشكلة هؤلاء الناس؟ كيف يمكن لهم إنكار الحقائق الواضحة؟ ألا يهتمون بالدليل؟

لا نستطيع توضيح لماذا يتزايد عدد المتشددين حينا ويتراجع حينا آخر، رغم كثرة التفسيرات السائدة بين الناس. سنحاول هنا تقديم اسباب عدم نجاح العمليات العادية للجدال في إقناع الناس على الجانب الآخر. في ضوء ما تعلّمه الفلاسفة وعلماء النفس حول تركيب عقائدنا، فان التشبث بالرؤى المتطرفة هو ما يجب ان نتوقعه. لكي نرى سبب ذلك، نحتاج لفهم بعض أسس العقيدة.

المنطق والسياق

ان عقائدنا ليست متماسكة منطقيا. لا أحد يعتقد دائما حتى في النتائج المنطقية الواضحة لعقيدته، ونحن دائما ما نؤمن ببعض التناقضات المنطقية.

فمثلا، افرض ان محرك سيارتك لا يعمل. وبعد اختبارات بسيطة، مثل فحص الهورن والضوء تستنتج ان البطارية قد نفدت، وانت يجب ان تحاول ربط السيارة الى بطارية حية. لذا، ظاهرا، انت تعتقد انه

1- "انك لا تستطيع تشغيل السيارة ببطارية ميتة"، و

2- "انت تستطيع تشغيل السيارة ببطارية ميتة" كأن يكون بربطها الى بطارية حية. كلا العقيدتين تبدوان متناقضتين منطقيا. ربما ان ما تعتقد به حقا هو ليس انك لا تستطيع ابدا تشغيل السيارة ببطارية ميتة، وانما انت تؤمن بعقيدة اكثر تحفظا وعناية وهي انك لا تستطيع تشغيل السيارة ببطارية ميتة بالطريقة العادية. ولكن مثل هذه الاستراتيجيات تعني اننا لانؤمن حقا بمعظم عقائدنا المعبّر عنها. ربما أفضل ستراتيجية هي الإعتراف اننا نؤمن "انك لا تستطيع تشغيل السيارة ببطارية ميتة" فقط في المواقف التي نلجأ بها لتلك العقيدة، مثل عندما نحاول توضيح سبب عدم عمل محرك السيارة. عندما يتغير السياق، الى محاولة تشغيل السيارة، نحن نضع جانبا العقيدة "انك لا تستطيع تشغيل السيارة ببطارية ميتة"، وبدلا من ذلك نحفز الايمان "بانك تستطيع تشغيل السيارة ببطارية ميتة عبر ربطها لبطارية حية".

ملاحظتنا هنا هي اننا نتمسك بجميع العقائد التي نعبّر عنها او نعتقد بها بفاعلية، لكن فقط في تلك السياقات التي نعبّر او نفكر بها. لو استطعنا تحديد السياقات التي تعمل فيها العقيدة، عندئذ نستطيع القول بالضبط بماذا نؤمن، بمعنى في مثل سياقات معينة، السيارة ذات البطارية الميتة سوف لن تعمل. لكننا من غير المحتمل ان نعرف جميع السياقات مثل الاعتقاد ان السيارة سوف لن تعمل، او انك تستطيع تشغيل السيارة ببطارية ميتة. وفي سياق جديد، بعضنا سوف يحفز عقيدة لا يؤمن بها الاخرون. وحتى عندما نتمسك بنفس العقيدة، نحن ربما لانزال نختلف حول السياقات الصحيحة التي يجب استدعائها.

نحن جميعنا نؤمن بالحكمة "لاتقتل"، لكن نختلف حول السياقات الملائمة. فمثلا، هل تنطبق الحكمة على الحيوانات؟ وحتى لو حددنا السياق بالكائن البشري، لاتزال هناك خلافات حول السياقات الملائمة: القتل الرحيم؟ الاجهاض؟ عقوبة رأس المال؟ الحرب؟ العقائد لا تأتي معها تعليمات حول السياقات الملائمة.

الإنموذجات والتوضيحات Explanations and models

كوننا نستدعي عقائد معينة في سياقات معينة، واحيانا عقائد غير منسجمة ضمن سياقات اخرى، ذلك ليس عيبا ذهنيا، وانما ضرورة لكي نستطيع المضي في الحياة. نحن نفكر حول العالم ونتخذ ردود أفعال ملائمة تجاهه وفق إنموذجات فكرية –صور للعالم– مرتكزة على عقائد نراها ملائمة لذلك السياق. تلك الانموذجات تتجاهل عدة ظروف وتعقيدات ممكنة. وهكذا، عندما نستدعي العقيدة التي بموجبها نستطيع تشغيل السيارة ببطارية ميتة عبر ربطها الى بطارية حية، بهذا نحن ربما نتجاهل إمكانية ان تكون السيارة ايضا خالية من الغاز، وهذا ليس جزءاً من سياق البطارية الميتة.

المسألة ليست مجرد غموض او عدم سعة افق ذهني حول مسائل رتيبة. العلماء ايضا، يعملون بإنموذجات لإستخدامها فقط في سياقات محددة. لنأخذ مثالا مشهورا. فيزياء نيوتن والنظرية العامة للنسبية لاينشتاين هما انموذجان غير منسجمان عن الكون لأنهما في بعض الظروف (مثل حقول الجاذبية القوية) يتنبآن بأشياء متناقضة. فيزياء نيوتن جرى استبدالها بفيزياء اينشتاين، ولكن في انواع المقاييس والحقول التي نواجهها في المواقف اليومية انها لاتزال تعطي الأجوبة الصحيحة وبصراحة وبديهية اكبر، لذا لاتزال تُستعمل بشكل واسع. لهذا، فان الفيزيائيين احيانا يستعملون فيزياء نيوتن، وفي احيان اخرى النسبية اعتمادا على السياق. ونفس الشيء، يستعمل الفيزيائيون نظرية الكوانتم في عدة مواقف ولكن ليس عندما يعدّون طعام الغداء.

من أين تأتي عقائدنا؟

في لحظة ما، انا اعتقد اني أجلس خلف طاولتي لكتابة مقال. حينما انهض من الطاولة، انا سوف أهمل عقيدة (هنا والآن) مفضلا عقيدة جديدة – ذلك لأني الآن أسير في أسفل القاعة، أتناول غداء، وهكذا فان عقائدي السابقة في (هنا والآن) اصبحت عقائد (هناك ومن ثم). لكن العديد من عقائدنا العامة حول العالم ليست مرتبطة بإحكام بالخبرة المباشرة. فمثلا، انا اعتقد أني أعيش في كوكب كروي. نحن نتمسك بمعظم عقائدنا العامة، مثل الاعتقاد في كروية الارض، لأن المصادر التي نثق بها مثل، الآباء، المعلمين، الأصدقاء، الكتب، التلفاز، الانترنيت هي التي أخبرتنا بذلك. نحن لا نعتقد بكل شيء قيل لنا وانما بالكيفية التي توصلنا بها الى معظم عقائدنا العامة.

ثقتنا في الناس الآخرين في توفير عقائدنا العامة هي مرة اخرى ليست عيبا في بنائنا الابستيمولوجي وانما هي قوة. صحيح، ان بعض عقائدنا التي فُرضت علينا إعتباطا سوف يثبت عيبها، ولكن أغلبها ليست كذلك. في الحقيقة، ان الحياة التي نقودها تعتمد على شبكة هائلة من المؤمنين المتخصصين الذين يقولون لنا ما نفكر. عندما نقود السيارة الى السوق لشراء لتر حليب، نحن ليس لدينا الكثير من العقائد التي نحتاجها لتصميم او تطوير سيارة او تكرير المعدن الذي تُصنع منه السيارة او الكازولين الذي يغذيها بالطاقة. ولا يجب ان نحتاج عدة عقائد مفيدة حول كيفية بناء طريق او طريقة حلب البقرة. من حسن الحظ، ان رحلتنا لشراء حليب لا تتطلب منا امتلاك هذه العقائد. يكفي ان الناس الآخرين لديهم العقائد الملائمة واننا نستطيع إستعمال المنتجات التي أتاحتها لنا تلك العقائد.

التجربة وتغيير العقيدة

عندما يحتاج احدنا الى خضراوات ويعتقد ان دكان البقال لازال مفتوحا، فسوف يتجه المرء الى هناك. ولكن عندما يصل الى البقال، يجده مغلقا. من الواضح، هو عليه ان يعدّل عقيدته حول ساعات عمل البقال. ومع إنكشاف الأحداث، والاندهاش بالنتائج، نحن باستمرار سوف نراجع عقائدنا. انه من السهل تعديل عقائدنا حول ساعات عمل البقال، ولكن ليس جميع المسائل المثيرة للدهشة يسهل حلها. لنسوق مثالا آخرا مشهورا، في بداية القرن العشرين وجد الفيزيائيون من الصعب تعديل عقائدهم ليأخذوا بالحسبان النتيجة المدهشة لتجربة مايكلسون ومورلي التي أثبتت ان سرعة الضوء لا تتغير مع اتجاه القياس، بالرغم من حركة الارض خلال الفضاء. هذا المأزق حُلّ فقط بعد تطوير اينشتاين لنظرية النسبية الخاصة، وهي النظرية التي كانت ايضا، مدهشة.

عندما قال كوين (wvo Quine) في (من وجهة نظر منطقية، 1961)، كل واحد منا لديه عقائد هامشية يمكن التخلص منها بسهولة، ولكن ايضا لديه عقائد اكثر مركزية يصعب التخلص منها كلما اصبحت اكثر اهمية لحياتنا. بالطبع، الشيء الأساسي لي ربما هو هامشي لك، والعكس صحيح.

التجربة غير المتوقعة لاتخبرنا بذاتها عن أي عقيدة نستطيع تغييرها. نحن نستطيع التمسك بأي عقيدة عامة في وجه التجارب غير المتوقعة لو رغبنا في تعديل عقائدنا الاخرى. طبقا لكوين، الناس سوف يجرون تغييرا أقل تدميرا لعقائدهم عبر التخلي عن عقائدهم الهامشية والتمسك بتلك الأكثر مركزية لهم. حيث يقول كوين:

"ان معرفتنا او عقائدنا الكلية، بدءاً من المسائل الأكثر عرضية في التاريخ والجغرافية الى القوانين العميقة للفيزياء الذرية وحتى الرياضيات الخالصة والمنطق، هي نسيج من صنع الانسان تؤثر على التجربة فقط عند حدود الحافات... الصراع مع التجربة عند التعديلات الطارئة الخارجية في داخل الحقل.. لكن الحقل الكلي لايتقرر بظروفه الهامشية، او التجربة، لدرجة هناك مجال اكبر للخيار حول اي البيانات نعيد تقييمها في ضوء اي تجربة منفردة مضادة.. اي بيان يمكن الايمان به كحقيقة لو قمنا بتعديلات عنيفة وكافية في مكان آخر من النظام.

حتى البيان القريب جدا من الهامش يمكن الايمان به كحقيقة في وجه التجربة المتمردة عبر اللجوء الى الهلوسة او الهذيان او عبر تعديل اقوال معينة من النوع الذي يسمى قوانين منطقية".

هذا ينطبق على العلماء بنفس القدر الذي ينطبق فيه على الناس العاديين. فمثلا، عندما أعلن الفيزيائيون في مشروع اوبيرا (OPERA) في سبتمبر 2011 انهم لاحظوا نيترونات بدت تسافر أسرع من الضوء، معظم الفيزيائيين تبنّوا موقف (ننتظر ونرى). الايمان بسرعة الضوء كحد مطلق كان مركزيا جدا في الفيزياء. ولاحقا في جولاي تعقّب علماء اوبيرا النتيجة ووجدوها تعود لعيوب في أجهزة القياس لديهم.

ان رفض التخلّي عن العقائد المركزية ماعدى في الظروف الاستثنائية من المحتمل ان يحمينا من الحالة الدائمة للارتباك والتردد. بدون مثل هذه المعوقات الابستيمولوجية، سيكون من الصعب جعل الناس يتعاونون او حتى يتصرفون.

الارتباط بالجالية The community connection

غير ان بعض عقائدنا الأكثر أهمية ترتبط بالأفعال ولكن فقط بشكل فضفاض. عقائدنا الدينية ربما تقرر أي كنيسة نذهب وعدد مرات الذهاب، لكن الرؤى حول ولادة المسيح الطاهرة او التحولات الاسطورية (مثل تحويل الخبز والخمر الى لحم ودم المسيح) ربما لها تأثير قليل على أي من أفعالنا الاخرى. ونفس الشيء ينطبق على العقائد السياسية التي ربما تقرر كيفية التصويت، لكن هذا غير دائم ويبقى فعلا خاصا يأخذ القليل من الوقت. بالنسبة لمعظمنا، عقائدنا حول التجارة والهجرة او المسائل السياسية الاخرى هي من غير المحتمل ان تؤثر كثيرا على أفعالنا اليومية. حتى في هذا، يتم التمسك بالعقائد الدينية والسياسية وبقوة الى النقطة التي تكون فيها محصنة من الجدال الحضاري.

وبينما ارتباطها بالفعل ربما يكون ضعيفا، لكن ارتباط العقائد السياسية بالحزب السياسي او ارتباط العقائد الدينية بالجماعة المتدينة يمكن ان يكون قويا. في الحقيقة، ان حزبنا السياسي قد يقرر بعض رؤانا السياسية، والكنيسة التي نذهب اليها تقرر بعض معتقداتنا الدينية بدلا من العكس. لذا، وبعيدا عن كونها جزءاً اساسي من الهوية الذاتية، ديننا او العقائد السياسية ربما ايضا تصبح مركزية للعديد منا لأن تغييرها قد يتطلب تغيير حلقاتنا الاجتماعية.

لماذا لا نتفق؟

الان نستطيع ان نرى لماذا بعض الخلافات يصعب جدا حلها بالجدال العقلاني المهذب.

اولا، الناس ربما يتمسكون بعقائد تبدو كأنها متناقضة لأنهم يستعملون عقائدهم بمختلف السياقات.

ثانيا، الناس يختلفون في أي العقائد هي مركزية لحياتهم، وأي منها هامشية، من غير الواضح ان كانت نشأت بفعل تجربة مقلقة ام بفعل جدال عقلاني مهذب، مختلف الناس ربما يختارون تعديل عقائدهم المختلفة.

ثالثا، العديد من العقائد لا تُشتق من التجربة الشخصية وانما من جماعة موثوقة، ولهذا السبب فان التخلّي عن تلك العقائد قد يهدد الروابط مع الجماعة.

هذه العقبات للاتفاق تبرز من الخصائص العامة والمفيدة لنفسية الانسان. حالات عدم الاتفاق تجعلنا نبحث عن معايير موضوعية. هناك العديد من الآراء، ولكن يمكن ان يكون هناك فقط موضوع واحد حقيقي. لكن الحقيقة ثبت انها زبون متقلب وغامض. نحن نأخذ عقائدنا حول العالم الخارجي لتمثّل العالم، وانها حقيقية للدرجة التي تكون بها تلك التمثلات دقيقة. واذا كان بعض الفلاسفة جادلوا بأن طبيعة العالم الخارجي هي بالنهاية لايمكن معرفتها، لكن أغلبنا مع ذلك يفترض ان هناك عالم خارجي يوجد بشكل مستقل عن كيفية تفكيرنا حوله بدلا من أخذ الرؤية الشكوكية حول العالم الخارجي. وكما جادل ديفد هيوم، انه افتراض يستحيل تجنبه:

"المحطم الاكبر.. للمبادئ المفرطة للشك هو الفعل والاستخدام، ومهن الحياة العامة. تلك المبادئ المشككة ربما تزدهر وتنتصر في المدارس الفلسفية، وحيث انها، من الصعب حقا ان لم يكن من المستحيل تفنيدها. ولكن حالما هي تغادر الظل، وبوجود الاشياء الواقعية التي تنشّط عواطفنا ومشاعرنا، ستوضع بالضد من المبادئ الأكثر قوة في طبيعتنا، انها تتلاشى كالدخان وتترك المشكك المتصلب والأكثر تصميما يعيش في نفس الظروف كالبشر الاخرين". (تحقيق يتعلق بالفهم الانساني، قسم 12، جزء 11، 1748).

لكن الاعتقاد بان هناك عالم خارجي لن يحل مشاكلنا، لأن هناك عدة تمثلات دقيقة لذلك العالم. لو أخذنا تمثلات الاستعارة بشكل جاد، فان عناصر العقيدة ستطابق عناصر العالم، والعلاقات بين عناصر العقيدة سوف تتبع العلاقات بين العناصر المطابقة للعالم. لهذا عقائدنا سوف تمثّل العالم بنفس الطريقة التي تكون فيها خارطة الطريق تمثل المناظر في الطبيعة. النقاط المشار اليها على الخارطة تتطابق مع المدن والقرى، والخطوط المسماة تتطابق مع الطرق الفرعية والطرق السريعة. غير اننا لا نستطيع القفز خارج تجربتنا لنفهم اشياء العالم الخارجي والارتباطات المتداخلة بطريقة مستقلة عن التجربة. نحن عالقون في الجانب التجريبي، ونستطيع معرفة العالم مستقلا عن تجاربنا فقط كسبب افتراضي لتجاربنا وعقائدنا المترتبة على ذلك.

الحقيقة والبراجماتية

نظرية اخرى للحقيقة هي البراجماتية التي ترى ان العقائد تكون صحيحة اذا ساعدتنا في الوصول الى التجارب التي نرغبها. ان قوة هذه النظرية هي إخلاصها للطريقة التي بها حقا نعدّل عقائدنا. عندما يقود التصرف وفق عقائدنا الى تجارب غير متوقعة، نحن سنغير عقائدنا بدون الخوف من أي علاقات غير معروفة بين عقائدنا والعالم الخارجي.

المشكلة مع البرجماتية هي ان أهدافنا تتغير، لذا فإن العقائد المتصارعة ربما مفيدة للناس ذوي الأهداف المختلفة. شارل ساندر بيرس، مؤسس البرجماتية الامريكية حاول حل هذه المشكلة بالقول انه، في النهاية، أنظمة عقائدنا المختلفة سوف تتلاقى في مجموعة منفردة من العقائد المثلى التي تمكّن كل واحد منا تحقيق أهدافه المختلفة. هذه العقائد (الأفضل لكل شخص) ستصبح هي الصحيحة (لعقيدة كل شخص) (الاوراق الملتقطة لشارلس ساندر بيرس، ص267، 1935).

ولكن في ضوء التنوع في أهدافنا ومواقفنا سوف لن تكون لدينا ابدا مجموعة من العقائد التي تفيد كل شخص. نحن محكوم علينا بنماذج مجزأة ومتعددة للعالم، ولذلك فان النماذج غير المنسجمة ستخدم على افضل وجه حاجات مختلف الناس في مختلف المواقف والاهداف.

مرة اخرى الخرائط توفر انموذجا مريحا لهذا المفهوم. في التنقل حول العالم، نستعمل مختلف الخرائط اعتمادا على المكان الذي نذهب اليه وكيفية الذهاب – هناك خرائط طرق للسياقة، الابحار في البحر، المسارات الخاصة للمشي، وهكذا. كل خارطة تتجاهل الكثير من الحقائق حول الاقاليم المثبتة في الخرائط لأنها حُكم عليها بشكل غير ملائم لأهداف المستعمل المقصودة. نحن نقول ان الخرائط دقيقة (صحيحة) عندما يقودنا اتّباعها الى المكان الذي نريد الذهاب اليه، حتى عندما يقود الناس ذوي الاهداف الاخرى الى الضلال. ونفس الشيء، لكي نرشد أفعالنا، نحن نستعمل عقائد (او نماذج فكرية) ملائمة لمواقفنا الفردية وأهدافنا. الناس في المواقف الاخرى وبأهداف مختلفة ربما يستفيدون من امتلاك عقائد اخرى.

ماذا نعمل؟

مع عدم وجود معيار موضوعي للحقيقة، كيف نتصرف بشأن تعديل عقائد الافراد الآخرين؟ الناس الذين لايشتركون بالعقائد ربما ببساطة لديهم أهداف مختلفة. ألم يكن (عش ودعه يعيش) هو الجواب المناسب للاختلافات في العقائد؟ نحن ربما سعداء لترك كل شخص يتخذ طريقه في الأفضليات الادبية او الموسيقية، والمسائل الاخرى للذوق الشخصي، لكن ليس عندما نأتي الى المسائل التي تؤثر على الآخرين. فمثلا، ربما نكون سعداء في السماح للناس الذين يرفضون اللقاحات في ان يختاروا ويعانوا النتائج. ولكن ماذا لو خلقت تلك النتائج معاناة للناس الذين لايستطيعون اللقاح بأمان، مثل المواليد الجدد؟ العقائد المضادة للّقاح لم تكن هناك بالصدفة، وهي من غير المحتمل ان تُزاح بالجدال. الحجج التي يعرضها المعارضون للقاح ربما تبدو سخيفة لنا، وهم ربما يشعرون نفس الشيء حول حججنا. ولكن اذا كانت الحجج لا تعمل فما العمل؟

الناس يغيّرون فعلا عقائدهم المركزية، ولكن فقط كنتيجة لحدث شخصي خالص، مثل الوقوع في الحب او موت أحد الاقارب او انتشار واسع لوباء او كارثة كالحرب. الأحداث الشخصية هي غير متنبأ بها، والكوارث غير مرغوبة لذا لايمكننا الوثوق بها في تغيير العقائد. الصراخ عند او السخرية من حجج الخصوم الاخرى قد يجعلنا نشعر جيدا ونقوّي ارتباطنا بعقائدنا الجماعية، ولكن من غير المحتمل تغيير عقائدهم. بالنهاية، هل ان صراخ وسخرية الجانب الآخر غيّر من عقيدتك سوى تخفيض انطباعك عن ذكائهم او اخلاقهم؟ القمع يُستخدم باستمرار لإسكات الناس ذوي العقائد غير المريحة، ولكنه لا يبدو منسجما مع نوع المجتمع المنفتح الذي يفضله أغلب الناس. ورغم ان القمع قد ينجح لفترة قصيرة، لكنه عادة يفشل في المدى البعيد.

تبنّي رؤية طويلة الأجل

اذاً ما مدى قدرتنا على جدال شخص ما انطلاقا من عقيدة ربما تبدو شاذة لنا؟ في جدالهم معنا ومهما كانت العقيدة التي لدينا هم يعتبرونها شاذة. ان نوع التغيير الذي نتحدث عنه يأخذ وقتا وربما أجيالا. هناك عدة أشياء يجب إبقائها في الذهن وهي:

1- كل واحد منا يعتمد على شبكة واسعة من المعتقدين الآخرين للوصول لأهدافنا المختارة. تبنّي عقائد من الناس الآخرين او على الاقل السماح لهم الاستمرار بالعقيدة، هو ضرورة لو اردنا ان نعيش كما نريد. ربما أنا لا أفهم ميكانيكا الكوانتم، لكني سعيد ان الآخرين يفهمونها. الاعتماد على عقائد الآخرين نادرا ما يتطلب منا التخلي عن عقائدنا العميقة. عندما أذهب لشراء حليب لا يهمني عقيدة البقال السياسية والدينية.

نحن عموما نستفيد عبر تعظيم عدد الناس الذين يساهمون في شبكة عقيدتنا. ونحن نعاني عندما يُمنع او لا يُشجع الناس للانخراط في حقل او في التعليم او في خدمات يحتاجونها، بسبب عرقهم وجنسهم ودينهم او بسبب السياسة او اي عوامل اخرى ليس لها علاقة بمقدرتهم على المساهمة.

اخيرا، من الأحسن لو كنا لا نمتلك كلنا نفس العقيدة. في المشكلة الشائكة نحن سوف نحتاج الاختيار من بين نطاق واسع من الحلول المقترحة. الرؤى غير التقليدية يجب ان يُسمح بها حتى لو لم يتم تبنّيها.

الرؤى المتطرفة هي في مد وجزر، لكن النزعة الطويلة الأجل تبدو مفضلة. النقل السريع وانظمة الاتصالات تسارعت في الفترات الاخيرة. المجتمعات المنعزلة في السابق ذات العقائد المتجانسة فجأة وجدت ان يقينياتها امام التساؤل. هم قاوموا واستمروا في الكفاح ولكن بلا أمل. الافكار والعقائد تتسرب، ثم تندفع عبر الحدود. ربما هنا بدايات وتوقفات، تقدّم وتراجع، لكن النتيجة النهائية تبدو واضحة:

في المجتمع المعولم تمتلك مختلف المجتمعات الفرعية عقائدها الخاصة وطرقها في عمل الاشياء، لكنها يجب ان تكون متسامحة في الطرق الاخرى للحياة.

تغيير العقائد الاساسية ربما امر صعب، ولكن على الأقل ان لا يعتقد أطفالنا بكل الهراء الذي نؤمن به. ان ضغط الأحداث سوف يحوّلهم تدريجيا نحو عقائد تعمل لهم، عقائد توسّع ايمان الجالية بينما تحتفظ عالميا بتنوّع الرؤى. انها عملية لا يمكن فرضها ولكنها تبدو حتمية.

The Tree of Knowledge, The Limits of Argument, Philosophy Now.Feb/March2021

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق