يدرك القادة الإسرائيليين أن مسألة محو الوجود الفلسطيني مستحيلة، لا سيما وأنك تتعامل مع شعب تعداده سبعة ملايين يضم فلسطيني الداخل، وقطاع غزة، والضفة الغربية، وأن التعامل بالقوة لا يمكن أن يأتي بحلول تضمن الاستقرار الذي تنشده إسرائيل، فهي بذلك تشبه الجندي الذي يظل على طول الوقت...

عاد الخلاف الفلسطيني–الإسرائيلي إلى البروز من جديد على الساحة، بعد أن اختفى لمدة من الزمن بفعل متغيرات عدة أبرزها: التطبيع المستمر بين الجانبين العربي والإسرائيلي، وتراجع الدعم العربي للفلسطينيين، وأزمة كورونا الجائحة التي اجتاحت دول العالم كافة، مما حتم عليها الانشغال بهذا الخطر الذي هدد أمنها الصحي، فضلًا عن انشغال دول منطقة الشرق الأوسط لا سيما العربية بقضايا أخرى، لم تكن في مقدمتها القضية الفلسطينية كما كان هو الحال قبل عقود، والدعم الأمريكي اللامحدود لإسرائيل لا سيما أثناء إدارة الرئيس الأمريكي السابق (دونالد ترامب).

وقبل البحث في أسباب ومآلات ما يدور حاليًا في فلسطين/إسرائيل، سأبحث في عوامل الضعف لدى كلا الجانبين.

أولًا: المشهد الفلسطيني

يمكن القول أن أبرز الأسباب التي أدت الى ضعف القضية الفلسطينية هي:

- الانقسام الفلسطيني وبحث الفرقاء عن تعزيز السلطة فقط وهذا ما شخصه عزمي بشارة في أحد لقاءاته.

- عدم وجود مشروع فلسطيني سياسي جديد يمكن أن يكون بديلًا عن حماس وفتح، ويعبر عن آمال الشعب الفلسطيني بشكل حقيقي، ويكون بعيدا عن تجاذبات ومصالح الدول الخارجية.

- ضعف وسقوط الأنظمة العربية القومية التي كانت تدعم القضية الفلسطينية.

- أغلب من يؤيدها في الوقت الحاضر من الأنظمة السياسية أو الحركات الأخرى الخارجية هي أما: فاسدة، أو مستبدة، أو انتهازية، أو أنها تجمع كل ما تقدم، الأمر الذي أضعف القضية الفلسطينية أكثر مما خدمها.

- الانحياز الأمريكي التام لإسرائيل على غير ما كانت تصدره باعتبارها طرف محايد بين الجانبين، وكان هذا واضحًا في عهد الرئيس الأمريكي السابق (دونالد ترامب).

ويعد السببان الأول والثاني المتغيران الرئيسان اللذين أسهما في نفور جزء كبير من شعوب البلدان العربية منها، ولم تعد تشكل بالنسبة لهم أدنى أهمية؛ لأنهم يرون أنها أضحت وسيلة لا غاية، يتم عبرها أما سرقة ثرواتهم، أو الاستبداد بهم، أو حتى تصفية من يعارض الأنظمة القائمة، أو وسيلة التمسك بالسلطة والنفوذ، أو ورقة تفاوضية تستخدمها الدول كما هو حال إيران.

والقضية حتى تنتصر بحاجة إلى قدوات، وهذا غير متوفر في الوقت الحاضر بالنسبة لهذه القضية، فضلًا عن أن موازين القوى ليست في صالح العرب، أو الفلسطينيين

ثانيًا: المشهد الإسرائيلي

تعيش إسرائيل خطرين وجودين الأول يتعلق بالجغرافيا، إذ تؤرق هذه القضية القيادة الإسرائيلية منذ قيام هذه الدولة، فكيف يمكن الحفاظ على وجودها، بالنظر إلى أنها محاطة بعدد من الدول العربية التي تفوقها من حيث المساحة والسكان؟، وارتأت إلى ضرورة امتلاك إسرائيل تفوق في القوة يكون نوعي وضارب قياسًا بما لدى العرب، مع منع أية قوة عربية أخرى من تحقيق تفوق نوعي مكافئ لها، والاعتماد على التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية، التي تحقق عبرها توازن في القوى في المنطقة.

فضلًا عن ذلك ضمان وجود مناطق عازلة بين الأراضي الإسرائيلية وغير الإسرائيلية كالضفة الغربية، وغزة، وحتى الجولان، وتكون هذه العوازل بمثابة عمق استراتيجي للدولة الاسرائيلية فإذا ما تعرضت لهجوم بري أو صاروخي، تستطيع القوات الإسرائيلية الاستعداد اللازم قبل أن تصل الجيوش إلى تخوم اسرائيل. لهذا يؤكد بنيامين نتنياهو في كتابه (مكان بين الأمم) بالقول ((إن إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية سيؤدي إلى انهيار المنطقة الفاصلة في الجهة الشرقية للدولة، وتسلب قدرة إسرائيل على السيطرة على الجدار الواقي الحيوي، لصد التهديد القادم من الشرق))، ووجود هذه الدولة سيلزم دولته بمواجهة عاجلة أو آجلة مع جبهتين في غاية الخطورة يهددان وجودها: جبهة شرقية قومية متحدة مع العراق (يقصد العراق قبل عام 2003، بالتالي هذا الاحتمال في الوقت الحاضر غير صالح بحكم ما تعانيه الدولة العراقية من مشكلات عديدة)، وجبهة إسلامية متطرفة بزعامة إيرانية(1)، وهذا صحيح بحكم دعم إيران لحركة حماس في قطاع غزة، وحزب الله في لبنان، ووجودها في سوريا، مما يشكل طوقًا ناريًا يحيط بإسرائيل يهدد أمنها.

كيف تعاملت إسرائيل مع هذه العقبة الجغرافية؟، ذلك عبر الدفع باتجاه تشجيع السياسة الاستيطانية في المدن التي تضم الفلسطينيين، كما حدث في الآونة الأخيرة في مدينة الشيخ جراح، وضمان تفوق نوعي في القوة، والوقوف بالضد من القوى الإقليمية التي ترى فيها خطرًا على أمنها، ودعم سياسات التطبيع مع الدول العربية، فضلًا عن تعزيز تحالفها مع الولايات المتحدة الأمريكية.

أما الخطر الثاني فيتعلق بالديموغرافيا، والتهديد الذي تخشاه إسرائيل من هذه الجنبة، يتعلق بالعرب في الداخل الإسرائيلي، الذي يطلق عليهم تسمية عرب الداخل، أو عرب إسرائيل، والذين يصل تعدادهم إلى (1,9) مليون نسمة (2)، أي أنهم يشكلون حوالي (21%) من مجموع سكان إسرائيل، وهذه النسبة مهمة وخطيرة بالنسبة لوجود إسرائيل الديموغرافي؛ لا سيما إذا ما وضعنا هذا الرقم مع عدد سكان الفلسطينيين الذي يقطنون في قطاع غزة، والضفة الغربية، فبحسب الجهاز المركزي الإحصائي الفلسطيني، يبلغ عدد السكان في كلا المنطقتين (5,1) مليون فلسطيني(3)، وعرب الداخل وإن كانوا يتمتعون بالجنسية الإسرائيلية، وبعض المزايا الأخرى، إلا أنهم ما زالوا يشتركون مع عرب غزة والضفة الغربية ذات الهموم وأبرزها: الاضطهاد، والاستيلاء على أراضيهم، والتمييز ضدهم، وغيرها من الأسباب، وإذا ما جمعنا هؤلاء فإن سيصل عددهم الكلي إلى حوالي (7) مليون نسمة، أي أنهم تقريبًا مساوين لعدد اليهود في الدولة الإسرائيلية، وهنا مكمن الخطر الذي تستشعره القيادة الإسرائيلية، إذ أن التوازن في القوى الديموغرافية هنا مهدد، وستفقده إسرائيل في الأعوام القليلة القادمة لصالح الفلسطينيين.

لا سيما إذا ما علمنا أن معدل الإنجاب والزيادة السكانية هو لصالح الشعب الفلسطيني، وأيضًا إن سياسة تشجيع هجرة اليهود في مختلف دول العالم إلى إسرائيل، لم تعد تتمتع بعنصر جذب بالنسبة ليهود الخارج، فهم مستقرون في دولهم لا سيما الأوربية والولايات المتحدة الأمريكية، ولهم نفوذهم وقوتهم الاقتصادية والسياسية بالتالي لا حاجة لهم بإسرائيل، وهذه من العقبات التي تجعل ميزان الديموغرافيا يميل لصالح الفلسطينيين، لهذا يقول أول رئيس وزراء إسرائيلي بن غوريون ((من دون هجرة مرتفعة ومطردة من اليهود إلى إسرائيل، ومن دون زيادة كبيرة في معدل المواليد اليهود في البلاد، فمصيرنا أن نصبح أقلية، حتى لو أحبط جيشنا تهديد الدكتاتوريون العرب بإبادة إسرائيل. إن تجاهل هذا الخطر يعكس مقولة، أنا ومن بعدي الطوفان)) الأمر الذي يشكل خطرًا وجوديًا على أمن دولتهم، ولا يوفر لها قاعدة مستقرة بحسب بن غوريون(4).

لا سيما من حيث التمدد نحو إسرائيل، أو المطالبة بالأرضي التي ضمتها، أو إشعال الاضطرابات في الداخل الإسرائيلي كما حدث في مدينة اللد في الأيام الأخيرة، وهو ما يعني أن التهديد الأمني صار في قلب الدولة الإسرائيلية، لا سيما وأن عرب الداخل يمارس ضدهم تمييز عنصري كبير، فأساسًا إسرائيل قائمة على مرتكز يهودية الدولة بشكلٍ واضح، وهو مثبت في عدد من القوانين والممارسات الإسرائيلية، مما يعني عدم الاعتراف بالسكان الذي هم من غير اليهود لا سيما العرب، حتى أنهم ممنوعون من الوصول إلى الجيش، أو أي مركز حساس في الدولة الإسرائيلية.

تعاملت إسرائيل مع هذا الخطر عبر سياسة الفصل العنصري (الأبارتهايد)، فمثلًا يوصف قطاع غزة بأنه أكبر سجن بشري، إذ يقطنه أكثر من مليونين نسمة، محشورين في بقعة جغرافية صغيرة، ومحاصرة على الدوام، أما الضفة الغربية، فتعمل إسرائيل على قضم أراضيها عبر الاستيطان، وطرد السكان من مدنهم وقراهم، وأيضًا تحاول البحث عن حلول أخرى ذات بعد إقليمي، فهي تهدف إلى إيجاد مخرج معين يؤدي إلى ترحيل الفلسطينيين باتجاه إحدى الدول العربية، التي يمكن لها القبول بهذا الحل بحسب التصور الإسرائيلي، بعد أن يضمن لها عدد من الامتيازات لا سيما المتعلقة بالجانب الاقتصادي، ومن الدول المرشحة الأردن، ومصر، وقد يكون العراق من بينها، فهنالك نوايا لتوطين الفلسطينيين في هذه الدول، وقد يكون في غاية الصعوبة تطبيق هذا الحل؛ لأنه لا أعتقد أن هنالك دولة سترضى بأن تأتي بقنبلة موقوتة وتضعها فوق أراضيها، بالتالي تحاول إسرائيل التخلص من هذا الخطر بأي شكل من الأشكال، فلا يمكن لها القبول بأي صيغة يمكن أن تؤدي إلى بقاء الفلسطينيين، سواءً أولئك الذين هم في الداخل الإسرائيلي، أم في قطاع غزة والضفة الغربية، لأنها تعد وبناءً على رؤيتها الدينية أن الأراضي المقدسة (فلسطين) هي من حقها الإلهي بالكامل، ولا يحق لأية جماعة أخرى غير يهودية مشاركتها فيها، ويرى اليمين الإسرائيلي الذي يمثله نتنياهو أن أقصى ما يمكن تقديمه للفلسطينيين هو الحكم الذاتي، أي أنهم سيكونون خاضعين للدولة الإسرائيلية.

ثالثًا: الأبعاد الاستراتيجية لأزمة الشيخ جراح

كما يعلم الكثير منا إن السبب الرئيس الذي أدى إلى نشوب الأزمة الأخيرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، هو محاولة إسرائيل طرد سكان حي الشيخ جراح في مدينة القدس، من أجل ضمه واستيطانه من قبل السكان اليهود، الأمر الذي قابله أهل الحي بالرفض وعدم قبولهم بالخروج، مما أدى إلى حدوث مناوشات بينهم وبين الشرطة الإسرائيلية، لتمتد الأزمة إلى المسجد الأقصى، ثم مدينة اللد في الداخل الإسرائيلي التي يشكل السكان العرب الفلسطينيين فيها حوالي (30%)، وبعدها تدخلت حركة حماس، لتقوم بعدد من الهجمات الصاروخية على إسرائيل ردًا على أحداث الشيخ جراح، ومسجد الأقصى، واللد، أدى ذلك إلى إشعال الحرب بين الجانبين، وحدوث قصف متبادل بينهما، لتحدث سلسلة من ردود الأفعال الإقليمية والدولية المساندة لهذا الطرف أو ذاك، ومطالبة بضرورة وقف ما يحدث. ما حدث يبين الآتي:

• تبين أن الخطوات الأخيرة التي اتبعتها إسرائيل في المنطقة لا سيما سياسة التطبيع مع الدول العربية، غير مجدية ولم توهن من عزيمة الشعب الفلسطيني كما كانت تتوقع، وأيضًا لم تنجح على مستوى التطبيع الشعبي، إذ عبرت غالبية الشعوب العربية والإسلامية، عن وقوفها مع الحق الفلسطيني في النضال، وهو ما مثل بتصوري صدمة للقيادة الإسرائيلية، مما شكل ضغطًا إعلاميًا كبيرًا عليها.

• دخول عرب الداخل على خط الأزمة وهو ما لم يكن متوقعًا.

• محاولة إسرائيل تثبيت الأمر الواقع فيما يتعلق بالقدس واعتبارها العاصمة الأبدية لها، لا سيما بعد قرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمةً لها، وهو ما أكده نتنياهو في خضم الأزمة عبر تغريدة له قال فيها ((‏أقول بوضوح أيضًا لأفضل أصدقائنا - أورشليم الكاملة هي عاصمة إسرائيل الأبدية وسنواصل البناء فيها، في كل أحيائها، مثلما يبني كل شعب في عاصمته ويعمرها. هذا حق طبيعي في دولة ذات سيادة ولن نتخلى عنه وسنواصل ممارسته))، بما يعني أن ما حدث في الشيخ جراح ما هو إلا تصرف من دولة ذات سيادة اتجاه أرضي خاضعة لها بحسب منطق نتنياهو.

• فشل سياسة القوة التي تتبعها إسرائيل، وأيضًا تأكد وعبر الهجمات الصاروخية التي تشنها حركة حماس، حجم الوهن الجيوبولتيكي الذي تعاني منه هذه الدولة، وهو ما بيناه فيما سبق، أي أنها ليست في مأمن على الإطلاق، ولا يوجد لها عمق استراتيجي يستطيع امتصاص هذه الهجمات.

• استثمار المتطرفين في كلا الجانبين لهذه السياسات المتشددة؛ من أجل البقاء في السلطة كما هو حال عند نتنياهو، ومواصلة حماس لبقائها واستثمار القضية لتعزيز سيطرتها على غزة، والحصول على الدعم المادي من قبل الدول المؤيدة لها، وهو ما يشكل عقبة أمام المعتدلين لإيجاد الحلول المناسبة للقضية، فاليسار الإسرائيلي متفهم نوعًا للمطالبات الفلسطينية على العكس من اليمين.

• أتصور أن دخول حماس على الخط، يعني هنالك دفع إيراني باتجاه تأزيم الوضع، لا سيما عبر الهجمات الصاروخية التي تشنها حماس، فهي أي إيران أرادت تحقيق أهداف عدة عبر ذلك أبرزها: الرد على الهجمات الإسرائيلية السيبرانية الأخيرة التي شنتها ضد المنشآت النووية الإيرانية، فضلًا عن الرد على اغتيال العالم النووي (فخري زاده)، وإيصال رسالة لإسرائيل مفادها: أن إيران تستطيع ضرب الداخل الإسرائيلي عبر حلفائها، وأن أية خطوة إسرائيلية قد تهدف إلى شن ضربة جوية تستهدف الداخل الإيراني، سيكون نتيجته رد إيراني يضرب العمق الإسرائيلي، وقد يكون أكبر وأشد من مجرد هجمات صاروخية تشنها حليفتها حركة حماس.

• استخدام هذه الورقة كورقة رابحة في المفاوضات الإيرانية–الأمريكية، الدائرة حاليًا في فيينا عاصمة النمسا، والتي تهدف إيران عبرها إلى: رجوع الولايات المتحدة الأمريكية إلى الاتفاق النووي الذي انسحب منه ترامب، ورفع العقوبات الاقتصادية، ونيل اعتراف أمريكي بأنها قوة إقليمية لها وزنها، بالتالي ستضغط على الولايات المتحدة الأمريكية حليفة إسرائيل، فكلما اشتد الضغط الصاروخي، تأمل إيران بأن ذلك يؤدي إلى تحسين موقعها في المفاوضات، فأحيانًا تلجأ الدول إلى ورقة القوة على الأرض، من أجل الدفع بالعملية الدبلوماسية في المكاتب، فالقوي على الأرض غالبًا يستطيع تحقيق شروطه إن لم يكن كلها فعلى الأقل جزءًا منها.

أما على مستوى الداخل الفلسطيني، فبتصوري:

• سيستمر الانقسام الذي يعد أبرز أسباب الإخفاق الذي أصاب القضية الفلسطينية وحقوق شعبها، وكل ما يمكن أن يتحقق من نتائج بعد توقف الأزمة، هو إبقاء الوضع الراهن على ما هو عليه، فحركة حماس ستظل مرتبطة بداعميها الإقليميين (إيران، تركيا، قطر)، وحركة فتح والسلطة الفلسطينية بزعامة محمود عباس أيضًا ستبقى قريبة من الموقف المصري – السعودي والإماراتي المناوئ لحركة حماس وحلفائها، وأبرز أسباب هذا العداء هو البعد الآيديولوجي المتمثل بحركة الإخوان المسلمين التي تعود إليها حماس.

• تحتاج القضية الفلسطينية إلى مشروع استراتيجي جديد بعيد عن فتح وحماس، فكلا الحركتين أصابهم العطب السياسي إذا صح الوصف، ولم يعد بإمكانهما تقديم اللازم لهذه القضية، لا سيما وأنهما باتا خاضعتين للتجاذبات الإقليمية، التي تتعكز على استثمار هذه القضية لصالحها وليس لصالح الشعب الفلسطيني.

ختامًا أقول: يعي قادة الشعب الفلسطيني جيدًا أن قيام دولتهم المنشودة في ظل مناطق محدودة متناثرة لن يضمن لها البقاء على الإطلاق؛ لأن الواقع الجيبولتيكي لا يسمح لها بضمان وجودها، وفي الأساس الجغرافيا لا تحتمل قيام دولتين؛ لأن مساحتها الجغرافية صغيرة تصل إلى (26) ألف كم مربع، تسيطر إسرائيل على (٢٠) ألف منها، والبقية الـ (٦) آلاف كم مربع، موزعة بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وهي غير متصلة أساسًا، بالتالي يستحيل أن تقوم دولة تامة الأركان على بضع كيلومترات مربعة.

وأيضًا يدرك القادة الإسرائيليين أن مسألة محو الوجود الفلسطيني مستحيلة، لا سيما وأنك تتعامل مع شعب تعداده سبعة ملايين يضم فلسطيني الداخل، وقطاع غزة، والضفة الغربية، وأن التعامل بالقوة لا يمكن أن يأتي بحلول تضمن الاستقرار الذي تنشده إسرائيل، فهي بذلك تشبه الجندي الذي يظل على طول الوقت واضعًا يده على الزناد، وأقل غفلة منه قد تؤدي إلى مقتله.

وبما أنني بعيد عن الواقع الفلسطيني والإسرائيلي، بالتالي يصعب الحديث عن حلول ناجعة؛ إلا أنه أعتقد أن قيام دولة فيدرالية تجمع الدولتين أو الشعبين هو الحل الأمثل، وإن كان في الوقت الحاضر قد يكون طوباوي، أو مرفوض من الجانبين، فقد يمثل في المستقبل حلًا مفيدًا، ويبقى افتراض وتصور يساعدنا على التفكير بشأن ما يمكن أن تكون حلولًا منطقية تخدم القضية الفلسطينية.

....................................
المصادر:
1- بنيامين نتنياهو، مكان بين الأمم، ترجمة: محمد عودة الدويري، مراجعة: كلثوم السعدي، الأهلية للنشر والتوزيع، ط2، عمان، 1996، ص ص360-361.
2- أحداث القدس: من هم الفلسطينيون حملة الجنسية الإسرائيلية؟، BBC NEWS عربي، نشر في 14 آيار 2021، استخرج في 15/5/2021، على الموقع الألكتروني: https://www.bbc.com/arabic/middleeast-57120499
3- الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، استخرج في 15/5/2021، على الموقع الألكتروني: http://pcbs.gov.ps/postar.aspx?lang=ar&ItemID=3773
4- نقلا عن: كريستيان لوبركريت، الردع ام خوض المعركة: البنية الديموغرافية والتعئبة الاثنية القومية، من كتاب: الديمغرافيا السياسية: كيف تعيد التغيرات السكانية تشكيل الأمن الدولي والسياسة الوطنية؟، تحرير: جاك جولدستون وآخرون، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، دراسات مترجمة74، أبو ظبي، 2014، ص ص338-340.
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق