اكتسب اردوغان سيطرة كاسحة على القضاء ووسائل الإعلام والشرطة والمؤسسات الاخرى، سواء في الدولة أو في المجتمع المدني، حتى في الوقت الذي قام فيه بقمع المعارضين السياسيين دون رحمة. إلا أن التوجه السياسي للرئيس التركي، ولاسيما بعد تعديل الدستور وتغيير شكل النظام، يعكس المخاطر التي من شأنها أن تؤدي...

كان انتخاب رجب طيب اردوغان رئيساً لتركيا في 10 أغسطس 2014 نقطة تحول في مسار العملية الديمقراطية والتطور السياسي في البلاد، فأردوغان لا يرى نفسه رئيساً، وإنما يرى نفسه سلطانا وقائدا وضامنا لإرادة الشعب التركي وساعيا إلى استعادة أمجاد الدولة العثمانية؛ وهذا اثار مخاوف معارضيه في الداخل والخارج، من أن تركيا قد تنجرف مرة أخرى إلى السلطوية، في ظل عنف الشرطة المفرط ضد المتظاهرين، والقيود المفروضة على الصحافة والإنترنت، وتدخل الحكومة في القضاء، ولاسيما بعد عمليات الاعتقال الكبيرة التي طالت كل شرائح الموظفين بعد الانقلاب الفاشل.

فعندما وصل اردوغان إلى السلطة في عام 2003، كان ينظر إليه على أنه مصلحاً من شأنه أن يبني ويعزز الديمقراطية في البلاد ويساهم في تعزيز المؤسسات الديمقراطية، ويدعم الحريات وحقوق الإنسان في تركيا. وهذا ما اظهره في بداياته الأولى، فقد أظهر دعمه لهذه المؤسسات وقام بتحسين بعض القطاعات الخدمية والحصول على الخدمات والرعاية الصحية، وحقق نسبة منخفضة من البطالة ونمواً اقتصادياً قوياً على مدى عقد من الزمن، وأظهر دعمه بتوسيع نطاق الحريات، وقد منح الأقليات من أكراد تركيا بعض الحقوق اللغوية.

وعلى الرغم من ذلك، إلا أن اردوغان ومنذ مسيرته السياسية الأولى في حزب العدالة والتنمية، كان خطابه السياسي يدور حول الديمقراطية، ذلك المفهوم الذي يعتبره بأنه تأكيد إرادة الأغلبية المحافظة ضد السيطرة السياسية للنخبة "الكمالية". وهو الهدف والمشروع الذي استطاع اردوغان من خلاله كسب فئات وجماعات ومناطق مختلفة، وهو ذات المشروع الذي سوّقه إلى اتباعه وانصاره داخل الحزب وخارجه، وحظي فيه بالدعم (داخلياً وخارجياً).

فقد أعلن داوود أوغلو بعد انتخابه رئيساً لحزب العدالة والتنمية، أن هدفه فوز الحزب بأغلبية الثلثين في الانتخابات البرلمانية التي اجريت في يونيو 2015، التي من شأنها أن تسمح للحزب والحكومة تعديل الدستور بسهولة. إذ كان الحزب آنذاك يخطط إلى الحصول على تلك الاغلبية من اجل تعديل الدستور والتحول نحو النظام الرئاسي، وإضعاف كل من البرلمان والحكومة، لصالح سلطات الرئيس رجب طيب اردوغان، الذي يفكر بالبقاء في السلطة لأطول فترة ممكنة، وبما يحقق توازن القوى بين رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية. وبعد انتخاب اردوغان رئيساً للجمهورية يكون قد انتقلت تركيا بالفعل إلى النظام الرئاسي، حتى لو كان الدستور لايزال ينص على النظام البرلماني.

لا يخفى دور اردوغان وسلطته في التغيير الذي حصل في تركيا خلال فترة حكمة كرئيس وزراء ورئيس للبلاد بين عامَي 2003 و2014 ثم كرئيس للبلاد منذ عام 2014، وحتى الآن، وهذا الدور والتغيير وإنعاش الطبقات الوسطى، قاد حزبه الذي ينتمي إليه (حزب العدالة والتنمية) إلى الفوز في أكثر من عشر انتخابات جرت في أنحاء البلاد. وصمد أمام التحديات السياسية والاقتصادية، ولاسيما في محاولة الانقلاب الفاشل.

فضلاً عن ذلك، فقد اكتسب اردوغان سيطرة كاسحة على القضاء ووسائل الإعلام والشرطة والمؤسسات الاخرى، سواء في الدولة أو في المجتمع المدني، حتى في الوقت الذي قام فيه بقمع المعارضين السياسيين دون رحمة. إلا أن التوجه السياسي للرئيس التركي، ولاسيما بعد تعديل الدستور وتغيير شكل النظام، يعكس المخاطر التي من شأنها أن تؤدي ليس فقط الى تآكل الدستور والقوانين، فالأمر يمتد إلى القضاء وتسييس المحاكمات، فعندما بدأت تحقيقات الفساد ضد أعضاء حكومة اردوغان في ديسمبر 2013، مارست حكومته الضغط على المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين، لذا لم تكن مفاجأة أن أُسقطت قضايا الفساد ضد أربعة من وزراء اردوغان وابنه بلال، فضلاً عن ذلك، فقد بدأ اردوغان بتطهير الجامعات والمحاكم والمؤسسات التركية من المناوئين او المعارضين له بعد عملية الانقلاب الفاشل التي حدثت في 15 يوليو 2016، واتهم فيها الداعية الإسلامي المعارض (عبد الله كولن) المقيم حالياً في الولايات المتحدة الأمريكية، في حين اتهمه معارضيه، بان اردوغان هو من دبر الانقلاب الفاشل من اجل الاطاحة بمعارضيه واجتثاثهم من المؤسسات التركية.

وفي ظل استمرار القمع والاعتقالات السياسية وتصاعد قمع اردوغان في الاشهر القليلة الماضية، للنقاد والمعارضين السياسيين من بينهم مؤخراً (متين جورجان) العضو المؤسس في حزب الديمقراطية والتقدم (ديفا) المعارض، الذي اعتُقل في تشرين الثاني/نوفمبر بتهمة التجسس، وتراجع شعبيته في الداخل، بموازاة التحفظات التي تبديها القارة الأوروبية والولايات المتحدة الامريكية على سلوكيات الرئيس التركي (الداخلية والخارجية) ولاسيما تلك التي تتعلق بعلاقته مع الغرب، وتهديداته بطرد الدبلوماسيين الأمريكيين من تركيا، فقد بدأت شعبوية اردوغان السلطوية تفقد سحرها.

فمنذ محاولة الانقلاب، اصيب الرئيس التركي بالذعر واخذ يكيل الاتهامات للمعارضين والدول والمنظمات على حداً سواء، فقد استثمر الرئيس ذلك الحدث في الانتقام من كل من يشتبه به، إذ لم تكتفي حكومته بملاحقة مخططي الانقلاب المشتبه بهم فحسب، بل لاحقت أيضاً أعضاء من المعارضة الديمقراطية واعتقلت لاحقاً عشرات الآلاف من الأشخاص وأجبرت أكثر من 150,000 أكاديمي وصحافي وغيرهم على ترك وظائفهم للاشتباه بعلاقاتهم بالانقلاب أو لمجرد وقوفهم في وجه اردوغان. وأدت رغبته المتنامية في التدخل في الانتخابات -من بينها محاولة فاشلة لعكس نتائج انتخابات بلدية اسطنبول لعام 2019.

ومع تداعيات هذه التطورات وانعكاسها على مستقبل الرئيس التركي الحالي، وتراجع شعبيته في الداخل والخارج، من الممكن ان تلقي بظلالها على الانتخابات التركية التي ستجري بعد عام ونصف تقريباً، فمن غير المرجح ان يفوز اردوغان بها، وبسبب ما خلفه - خلال العقدين الماضيين – من إرث سياسي واساءة استخدام السلطة، وقضايا الفساد التي تلاحقه، وغيرها من الامور، من الممكن ان تتم محاسبته او محاكمته، اذا ما تم الإطاحة به، فـ (اردوغان) لا يمكن أن يمضي قدماً بدون منصبه الحكومي؛ لهذا سيحاول بذل كل ما في وسعه للبقاء في منصبه، بما في ذلك التأثير على نتيجة الانتخابات أو تجاهلها، وربما قد يلجئ إلى إثارة تمرد داخلي او اثارة الرأي العام بحرب خارجية، وربما قد يلجأ إلى عملية مشابهة لعملية الانقلاب الفاشل التي حدثت عام 2016، من أجل تثبيت نفسه، وهذا من شأنه ان يقوض عملية نقل السلطة والديمقراطية التركية بشكل عام.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2022
www.fcdrs.com

اضف تعليق