مستقبل الأمن الغذائي، يعتمد بشكل كُلّي على تحقيق خطوات سابقة، لا يُمكن القفز عليها، هذهِ الخطوات تجاوزتها بلدان أخرى أو كادت، فحق لها التكلم عن الأمن الغذائي، أما في العراق فمستقبل الأمن الغذائي مرهون بتحقيق إصلاح عام، من خلال خطط تنموية شاملة في ظل استقرار سياسي واجتماعي...

يسود عالم اليوم ازمات تتعاقب على البشرية منها ما تكون على شكل جائحة مثل كورونا واخواتها، او ما تكون على شكل حروب مثل حرب روسيا على اوكرانيا، مما تلقي بظلالها على الجميع مسببة بانتشار المجاعة وانعدام الامن خصوصا في الدول النامية التي يعتمد اقتصادها على الريع النفطي فقط تاركة العمل بالأمن الغذائي خلف ظهرها، الذي اضحى تحقيقه هاجس الافراد والمجتمعات قبل الدول والمؤسسات؛ لأنه يحقق الاستقرار والسعادة والحياة الطيبة.

ويعد الأمن الغذائي قضية محورية، تحظى بأهمية بالغة خاصة في ظل التزايد المتواصل للواردات الغذائية في الدول النامية من اجل الوفاء بحاجات السكان الغذائية، فقد اختلفت مفاهيم الأمن الغذائي باختلاف رؤية المفكرين الاقتصاديين، اذ يرى بعضهم انها قضية عالمية تجد حلا لها في توفير كميات كافية من الغذاء ويعتبرها البعض بأنها مشكلة وطنية يتحدد علاجها في حصول افراد المجتمع على الغذاء الكافي لحياة صحية، ومهما اختلفت نظرة واضعي المفاهيم المتعددة للأمن الغذائي فنجد ان هذه القضية تُركت اساسا في اغلب الدول النامية.

كما يعد مفهوم الامن الغذائي من المفاهيم الغامضة التي ظهرت على اثر ازمة الغذاء العالمية خلال عقد السبعينات من القرن الماضي، ومنذ ذلك الوقت سعت دول العالم وبدون استثناء وبأساليب مختلفة الى تحقيق هذا الهدف عن طريق خططها التنموية او الزراعية. ولان مفهومه مبني على افتراضات متنوعة وابعاد متعددة، وذلك لاتساع مدلوله وتشعب معانيه، الا انه مصطلح يشير باختصار الى توفر الغذاء للأفراد دون اي نقص فيه، حالا او مستقبلا، ودون انقطاعه بتغير الظروف والعوامل، ويتحقق الامن الغذائي عندما يكون الفرد لا يخشى الجوع او انه لا يتعرض له.

واذا ما سعت أي دولة لتحقيق الامن الغذائي فيجب عليها اولا تحقيق ابعاده، وكلما اختل بعد من ابعاده قلت نسبة الامن الغذائي، ويكون التحقيق بعدة سبل تنتهجها الدول والمنظمات، وتختلف هذه السبل حسب الحاجة اليها، فمن خلال التعريفات المتعددة التي اطلقت على الامن الغذائي تبين ان له اربعة ابعاد، بحيث تزداد نسبة الامن الغذائي بتحققها جميعا، وتقل نسبته بتخلف احد الابعاد او نقصانه، وهذه الابعاد هي:

- توفر الغذاء: ولا يقتصر التوفر على الكمية بل يشمل ايضا جودة الطعام وتنوعه.

- امكانية الوصول: ويقصد بها الوصول الاقتصادي والمادي الى الغذاء، اي ان تكون اسعار المواد الغذائية في متناول الجميع، وخاصة الضروري منها.

- امكانية الاستخدام: وذلك بتوافر الغذاء الصحي المناسب للاستهلاك، والموافق لحاجيات المستهلك.

- الاستقرار: وذلك بالسعي الى ان يكون الغذاء مؤمنا وموجودا في جميع الاوقات والظروف.

وحسب البحوث والدراسات التي كتبت عن هذا الموضوع اكدت على صعوبة الدولة تحقيق الامن الغذائي اذا ما عملت منفردة دون التعاون والتنسيق مع دول اخرى، فلو افترضنا وجود أشكال التعاون والتنسيق بين الدول العربية في مجال تطوير التعاون الاقتصادي بشكل عام وتنفيذ المشروعات الزراعية المشتركة وتسهيل تبادل السلع الزراعية، والاستفادة من نتائج الأبحاث الزراعية عبر المنظمات العربية والإقليمية العاملة في الحقل الزراعي، لأمكن تحقيق الامن الغذائي العربي، إلا أن هذه الجهود لم تساهم بالقدر الكافي في تحقيق الأهداف المنشودة في إنتاج السلع الغذائية الرئيسية لتوفير احتياجات الأعداد المتزايدة من السكان.

فلو ركزنا الحديث حول الواقع الزراعي في العراق فنجده محكوما بعدّة عوامل، مثل واقع النظام السياسي، حيث يعيش العراق نظاما سياسيا لم ينجح في التعامل العلمي والمهني مع مشاريع التنمية الزراعية الحديثة، وبرامج الاكتفاء الذاتي، وطبيعة الأرض والمياه، مما تعاني الأرض الزراعية في الوقت الحاضر من انحسار كبير في المساحة المزروعة، يرافقه انخفاض في عائدية الهكتار الزراعي، مع ارتفاع في ملوحة التربة، وندرة في كميات المياه المستعملة ونقص في مشاريع البزل والتصريف، هذه المشكلات هي حصيلة تراكم أخطاء تتطلب جهودا استثنائية لمعالجتها.

وعلى الرغم من الجهود التي بذلتها الدول العربية واهتمامها بقضايا الأمن الغذائي، وما قامت به من تطوير في خططها الزراعية واعتماد سياسات أكثر فعالية، إلا أن جهودها واجهت العديد من العقبات التي مازالت تؤثر سلبا على تحقيق النتائج المأمولة. وتتلخص أهم هذه العقبات في عدم توافر المناخ الاستثماري المناسب بما في ذلك إصدار التشريعات والقوانين اللازمة وتوفير البنى الأساسية الضرورية، ومنح الميزات التفضيلية للمشروعات الزراعية، بالإضافة إلى عدم التوصل إلى التوليفة المناسبة بين الموارد في الدول العربية، بسبب عدم توفير حرية انتقال عوامل الإنتاج لدرجة مقبولة تكفل وجود سوق إقليمية عربية تتفاعل فيها هذه الموارد لجذب الاستثمارات في المشروعات الزراعية.

واشارت الدراسات الى ان الامن الغذائي يتأثر بالعوامل الديموغرافية حيث يعد التزايد السكاني العامل الاساسي في تفاقم مشكلة الغذاء، اذ شهد حجم السكان تسارعا ملحوظا فوق متوسط معدلات نمو الانتاج الزراعي، مما ادى الى اختلال مستوى عرض وطلب الغذاء، وان هذا التزايد الكمي للسكان تسبب بتغيير جوهري في توزع السكان بين الريف والحضر، مما ادى الى تراجع اداء القطاع الزراعي في هذه المناطق من جهة والتوسع العمراني على حساب الاراضي الزراعية من جهة اخرى.

كما يتأثر الامن الغذائي بالعوامل الطبيعية التي تعني قصور الانتاج الزراعي بشكل عام عن اشباع الحاجات الغذائية الى جملة من العوامل الطبيعية اهمها: انخفاض نسبة الاراضي الصالحة للزراعة مقارنة مع المساحة الكلية، اعتماد اغلب الزراعات على العوامل المناخية التي تتميز بالتذبذب والتقلب من عام الى اخر، عدم كفاية مصادر المياه وسوء استغلالها والميل نحو الانتقال من الزراعة المطرية الى الزراعة المروية، دور الانسان في الاستنزاف اللاعقلاني للخيرات الطبيعية وتدمير البيئة، التوسع العمراني على حساب الاراضي الصالحة للزراعة.

ختاما، إنّ مستقبل الأمن الغذائي، يعتمد بشكل كُلّي على تحقيق خطوات سابقة، لا يُمكن القفز عليها، هذهِ الخطوات تجاوزتها بلدان أخرى أو كادت، فحق لها التكلم عن الأمن الغذائي، أما في العراق فمستقبل الأمن الغذائي مرهون بتحقيق إصلاح عام، من خلال خطط تنموية شاملة في ظل استقرار سياسي واجتماعي، كما يتطلب تحقيق الأمن الغذائي مواجهة التطورات والتحديات العالمية في مجال اقتصاد السوق وتحرير التجارة من خلال إقامة تكتل اقتصادي عربي لتقوية الموقف التفاوضي العربي مع الدول والتكتلات الاقتصادية الأخرى، والاستفادة من المزايا والاستثناءات التي تتيحها الاتفاقات التجارية الدولية.

وللوقوف امام التوصيات التي تساعد على تحقيق الأمن الغذائي مراعاة الآتي:

- تجسيد الدراسات والبحوث العلمية المتعلقة بالأمن الغذائي تجسيدا فعليا على ارض الواقع، للخروج من التنظير الاجوف المقيت، باعتبار ان ما تنص عليه الدراسات والبحوث هو آليات وقائية وعلاجية في الوقت ذاته.

- الالتفاف الجاد من كل التخصصات، الاقتصادية والاجتماعية والقانونية والسياسية والنفسية، فالأمن الغذائي من قواعد واسس حقوق الانسان، والمحافظة عليه تكون خطوة كبيرة نحو تحقيق التطور في كل المجالات.

- نشر الوعي المجتمعي بحملات ترشيد الاستهلاك، وحماية المستهلكين، وحملات التوعية المتعلقة باستعمال الموارد الغذائية والمحافظة عليها.

- العمل على ايجاد مخزون استراتيجي من المواد الغذائية لمواجهة اي تقلبات او تغيرات في الوضع الغذائي العالمي.

- اعادة النظر في السياسة السكانية في الدول النامية وبخاصة الدول التي تعاني اكثر من غيرها من مشكلة انعدام الامن الغذائي بالعمل على ضبط النمو السكاني.

- التخفيف من حدة الفقر الواقع اذا كان الفقر وسيلة اداء للتدهور البيئي فهم في ذات الوقت ضحايا الاضرار بالبيئة، ومن ثم الارتقاء بمستوى معيشة الفقراء في الدول النامية لا يعتبر حتمية اخلاقية انسانية فحسب بل مؤشرات جوهرية لاستدامة التنمية.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/ 2001– 2022 Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق