وفي حال خسرت روسيا الحرب، فسينهالون عليه بالشتائم والسخرية وكيف انه لم يحسب حساب القوى الكبرى او انه (لم يلعبها صح!) وسيوصف بالمغفل الذي تم توريطه والضحك عليه، بل سيذهب البعض الى انه قرأ هذه النتيجة منذ البداية وكان يعرفها، وستتجه بوصلة المديح للرئيس الاوكراني الذي سيغدقون عليه بالأوصاف والالقاب...

روى لنا صديق، مسؤول إحدى الصفحات الثقافية، انه طلب من أحد الادباء الذين يعرفهم، مادة للجريدة التي يعمل فيها، اثناء حرب العام 2003 على العراق، فكان رده.. انه ينتظر انجلاء الموقف!!

لاشك ان هذا الأديب عبّر عن ما يجول في نفسه من دون ان يعلنه صراحة، أي انه يرى نتيجة هذه الحرب قد تكون مختلفة عن سابقاتها، وعليه فهو ينتظر.. فإن انتهت وفقا لما يتوقعه، يكون في منأى عن أية تداعيات سلبية تطاله، وان انتهت كسابقاتها يكتب بما ينسجم مع مخرجاتها ليحصل على المكافآت!

حضرني هذا الموقف الذي وجدته يصلح كمقاربة لما سيأتي، عندما لمست من خلال احاديثي مع الكثيرين من الادباء والمثقفين عن الحرب الروسية الاوكرانية، ان اغلبهم لا يريد ان يبدي موقفا واضحا ومكتوبا من تلك الحرب.. طبعا الامر هنا مختلف، وله زاوية اخلاقية ومعنوية، اكثر مما هو نفعي كموقف صاحبنا آنف الذكر، ويتعلق بوعي المثقف السياسي وطبيعة قراءته للأحداث وموقفه من القضايا الانسانية.. اجزم بان الكثيرين، سيكتبون كثيرا بعد حين من خلال منشوراتهم في (الفيسبوك)، او غيره من المنابر، لكن كتابتهم هذه ستحددها مخرجات الحرب، اي انه في حال انتصار روسيا بشكل نهائي، سيدبجون (البوستات الفيسبوكية) والاعمدة والمقالات ليحيوا هذا الانتصار والبطل بوتين الذي وقف وراءه، حتى يخال للقارئ انهم كانوا معه في غرفة العمليات العسكرية او في مكتبه الرئاسي!

وفي حال خسرت روسيا الحرب، فسينهالون عليه بالشتائم والسخرية وكيف انه لم يحسب حساب القوى الكبرى او انه (لم يلعبها صح!) وسيوصف بالمغفل الذي تم توريطه والضحك عليه، بل سيذهب البعض الى انه قرأ هذه النتيجة منذ البداية وكان يعرفها..!!

وستتجه بوصلة المديح للرئيس الاوكراني الذي سيغدقون عليه بالأوصاف والالقاب، ليشاركوه نصره الذي هو نصر لـ(الديمقراطية والحرية) على (الدكتاتورية) التي عفا عليها الزمن!! وهكذا تتعدد الكتابات وتتنوع الاساليب، لكنها تنتهي الى خلاصة واحدة، مفادها ان البعض لا يريد ان يكون صاحب موقف حقيقي، وانما يتعامل مع مخرجات الاحداث التي يبقى متفرجا عليها.. ما ينهض دليلا على كلامنا هذا، هو ان البعض ممن كانوا يمجدون الانظمة اليسارية بمختلف اشكالها، ويتغنون بزعمائها، تغيروا بسرعة لاحقا وصاروا من اشد منتقديها، لصالح الليبرالية وانظمتها (الديمقراطية)، وباتوا يتغنون بالعولمة والخصخصة واقتصاد السوق، ويرون من يتحدث بإنصاف او ايجابية عن النظم اليسارية السابقة، بانه متخلف ويعيش خارج الزمن!

المؤكد ان هذا الكلام سيكون محترما لو حصل قبل انهيار المعسكر الاشتراكي، لكن ان يحصل بعد انهياره وبهذه الحدة في التحول، وادعاء الوعي باثر رجعي، فالأمر يحتاج الى مراجعة حقا ...!!

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق