ورغم البعد السياسي لمحاولات احياء العلاقات الّا ان البعد التجاري والاقتصادي يلقى اهتماما اكبر لدى الدولتين من خلال التخطيط لمدّ انبوب داخل الاراضي التركية لنقل الغاز الاسرائيلي لأوروبا في محاولة لإحياء فكرة تم طرحها منذ اكثر من 20 عاما تجددت بعد الحرب الروسية على اوكرانيا وتلقى دعما امريكيا...

رغم انه يسعى لان يكون رجل مبادئ ويظهر بمظهر الرئيس الذي يدافع عن الحق اينما كان ومهما كان، لكن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يتسم بدرجة كبيرة من البراغماتية التي تدفعه ليكون مرناً في ادارة علاقات دولته مع الدول الاخرى، من خلال آلية السعي لحل المشكلات معها واعطاء الأولوية للمصالح الاقتصادية لتركيا على حساب المواقف المبدئية.

ويتضح هذا جلياً في الكثير من مواقف أردوغان ومنها سياسته الأخيرة تجاه اسرائيل، والتي يصفها البعض بانها متناقضة، ففي الوقت الذي يتبنى فيه اردوغان خطابا عدائيا تجاه اسرائيل بعد توتر العلاقات بين الدولتين بعد مقتل 10 مدنيين خلال مداهمة قافلة بحرية تركية كانت متجهة الى قطاع غزة في عام 2010، الّا انه يسعى لاستعادة العلاقات معها من اجل زيادة التبادل التجاري بين البلدين.

ولان اردوغان يدرك اهمية اسرائيل لتركيا كونها قادرة على القيام بدور ايجابي في ترميم العلاقات الأمريكية- التركية، ومن اهم ملامح تعزيز العلاقات التركية- الإسرائيلية قيام الرئيس الاسرائيلي (اسحاق هرتسوج) بزيارة رسمية لأنقرة في 9 اذار الماضي وهي الاولى التي يقوم بها مسؤول اسرائيلي عالي المستوى لتركيا منذ عام 2008 في خطوة واضحة نحو تجاوز فترة من العداء بين البلدين استمرت سنوات طويلة، وتضع اسرائيل ضمن خططها اقامة علاقات تجارية واقتصادية مع تركيا ولكن بحذر شديد كونها لا تثق كثيرا بالمواقف التركية، وخصوصا فيما يتعلق بالمشكلة الفلسطينية اذ ترى اسرائيل ان تركيا تنحاز للفلسطينيين لدواعي دينية وثقافية وسياسية وتحاول ان تتبنى موقف المدافع عن حقوق الشعب الفلسطيني، لذلك صرح الرئيس الاسرائيلي هرتسوج في زيارته الاخيرة لأنقرة قائلا (اننا سنحاول استئناف علاقاتنا وبنائها بطريقة محسوبة وحذرة، باحترام متبادل بين دولتينا).

ورغم البعد السياسي لمحاولات احياء العلاقات التركية الاسرائيلية الّا ان البعد التجاري والاقتصادي يلقى اهتماما اكبر لدى الدولتين من خلال التخطيط لمدّ انبوب داخل الاراضي التركية لنقل الغاز الاسرائيلي لأوروبا في محاولة لإحياء فكرة تم طرحها منذ اكثر من 20 عاما تجددت بعد الحرب الروسية على اوكرانيا وتلقى دعما امريكيا.

ان التطورات الاخيرة الواضحة في العلاقات التركية الاسرائيلية واجراء المزيد من الزيارات المتبادلة لمسؤولين كبار في الدولتين، هي مؤشر على تحوّل كبير في سياسة تركيا تجاه اسرائيل، فالرئيس اردوغان أعلن عن نيته لزيارة تل ابيب في المستقبل القريب من اجل استكمال التشاور في الملفات المشتركة بين البلدين، وكذلك بشأن مشكلات اقليمية معقدة.

ويرى بعض المراقبين ان تنشيط العلاقات بين البلدين قد يحمل في ثناياه امكانية ان تكون اسرائيل حليفا استراتيجيا لتركيا خصوصا ان تركيا وان كانت توجه احيانا نقدا لسياسة اسرائيل تجاه الفلسطينيين، لكنها في الواقع تحرص على اقامة علاقات جيدة معها، والدليل ان تركيا وافقت في اواسط 2010 على انشاء القاعدة الامريكية جنوب شرق البلاد مهمتها رصد التحركات العسكرية الايرانية وابلاغ تل ابيب عن اي صواريخ ممكن ان تستهدفها من قبل ايران.

كما انه تركيا لم تعترض على انضمام اسرائيل الى حلف شمال الاطلسي بصفة مراقب في ايار عام 2016، وما يعزز من هذه الحقائق وجود مصالح مشتركة بين الطرفين في كثير من الملفات الاقليمية، منها تطابق الاهداف بين انقرة وتل ابيب في سوريا، اذ دعمت انقرة الفصائل التي تقاتل ضد بشار الاسد في الشمال، بينما فعلت اسرائيل نفس الشيء في الجنوب.

ويبدو ان هناك الكثير من الملفات المشتركة بين تركيا واسرائيل تتطلب من البلدين ايجاد تفاهم ورؤية مشتركة للتعامل مع هذه الملفات، فتركيا تسعى الى ابعاد اسرائيل عن قبرص واليونان بما يمنع اسرائيل من التأثير في سياستهم تجاه تركيا، كما ان هاجس البلدين من اعادة احياء الاتفاق النووي بين ايران والولايات المتحدة يدفعهم الى السعي لتضمن الاتفاق المحتمل ضمانات بعدم تهديد مصالح الدولتين من قبل ايران.

وكذلك قد تسعى تركيا للحصول على دعم اسرائيل في حملتها ضد حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، وبشأن الحرب الروسية ضد اوكرانيا، فإن كل من انقرة وتل ابيب مرتبطة بعلاقات وطيدة مع كييف الأمر الذي قد يدفع البلدين لتنسيق وتعاون سياسي واستخباراتي وحتى عسكري يهدف للتأثير في مستقبل موازين القوى في المنطقة.

وعليه فإن كل هذه الملفات المشتركة تحتاج الى تعزيز العلاقات التركية الاسرائيلية، وهذا ما ادركته الدولتين وخصوصا تركيا التي تعاني من ازمة اقتصادية واضحة عقب التوتر علاقاتها مع الولايات المتحدة على خلفية شراء انقرة لمنظومة اس 400 الروسية، اذ كان لهذا التوتر انعكاسا سلبيا على سعر الليرة التركية، التي تهاوت كثيرا امام الدولار الامريكي مما انعكس سلبا على مجمل النشاط الاقتصادي التركي، لذلك من المحتمل ان تسعى تركيا من خلال احياء العلاقات مع اسرائيل الى توظيف الاخيرة والطلب منها بالقيام بدور الوسيط بين انقره وواشنطن لإعادة العلاقات التركية- الامريكية الى سابق عهدها وتجاوز المشكلات التي تسببت بها الازمة في العلاقات بين البلدين.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2022Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق