والهدية تعبير عن مشاعر الحب والود، وفيها إشعار بالاحترام والتقدير والاهتمام، وتجديد للمحبة والصداقة، وتعميق للعلاقات الإنسانية النبيلة؛ فالهدية بمثابة تواصل عملي عن قوة العلاقة بين طرفين متحابين من دون استعمال اللغة، وإشعار بالرغبة في استمرار الصداقة وديمومتها. كما أن الهدية تمنح الشعور بالسعادة للمُهدى إليه، لما ترمز...

للهدية أثر عظيم في تنمية المحبة، وتعميق المودة، وتأليف القلوب، وتوطيد الصداقة بين الأحبة والأصدقاء، وتقوية العلاقات الأخوية، وإزالة الضغائن والأغلال والأحقاد من النفوس.

والهدية تعبير عن مشاعر الحب والود، وفيها إشعار بالاحترام والتقدير والاهتمام، وتجديد للمحبة والصداقة، وتعميق للعلاقات الإنسانية النبيلة؛ فالهدية بمثابة تواصل عملي عن قوة العلاقة بين طرفين متحابين من دون استعمال اللغة، وإشعار بالرغبة في استمرار الصداقة وديمومتها.

كما أن الهدية تمنح الشعور بالسعادة للمُهدى إليه، لما ترمز إليه من مشاعر إيجابية حسنة، كما أن المُهدي يشعر بالسعادة أيضاً لأنه منح السعادة لمن يحب، ولما في الإهداء من شعور بالعطاء والكرم.

قيمة الهدية ونوعها

لا تقاس الهدية بقيمتها المادية، بل بقيمتها المعنوية وما ترمز إليه من معاني جميلة، ومشاعر إيجابية، ودلالات حسنة؛ كما أنه كلما كان المُهدي صاحب شخصية مرموقة كان أثرها في المُهدى إليه قوياً.

ولا تقتصر الهدايا على الجوانب المادية فحسب، بل تشمل الجوانب الأدبية والمعنوية ككلمة طيبة، أو نصيحة ناصح، أو موعظة واعظ، فقد روي عن رسول اللَّه (صلى الله عليه وآله): «خَيرُ إخوانِكُم مَن أهدى‏ إلَيكُم عُيوبَكُم»[1]، وعنه (صلى الله عليه وآله): «ما أهدى المَرءُ المُسلمُ إلى أخيهِ هَدِيَّةً أفضَلَ مِن كَلِمَةِ حِكمَةٍ؛ يَزيدُهُ اللّهُ بها هُدى، وَيَرُدُّه عن رَدى»[2]. وعنه (صلى الله عليه وآله): «نِعمَ العَطِيَّةُ ونِعمَ الهَدِيَّةُ كَلِمَةُ حِكمَةٍ تَسمَعُها»[3].

وورد عن الإمام عليّ (عليه السلام): «نِعمَ الهَديَّةُ المَوعِظَةُ»[4]، وعن الإمام الصادق (عليه السلام): «أحَبُّ إخواني إلَيَّ مَن أهدى‏ إلَيَّ عُيوبي»[5].

ومن أنواع الهدية أيضاً: نزول الضيف عند الإنسان، لما روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: «إذا أرادُ اللَّهُ بِعَبدٍ خَيراً أهدى‏ لَهُ هَدِيَّةً».

قيلَ: يا رَسولَ اللَّهِ، وما تِلكَ الهَدِيَّةُ؟

قالَ: «ضَيفٌ يَنزِلُ بِهِ بِرِزقِهِ، ويَرحَلُ وقَد غُفِر لِأَهلِ المَنزِلِ»[6].

الهدية في التعاليم الدينية

ندب الإسلام إلى الإهداء والتهادي، وحثّ عليها، ورغّب فيها، لما للهدية من ثمار حسنة، وفوائد جمّة على الأفراد والمجتمع، ومن أهمها أنها تورث المحبة، وتذهب بالضغينة، وتزيل الأحقاد، وتوثق عرى الألفة والوداد، وتقوي الصلات والتواصل بين أفراد المجتمع؛ لما روي بسند معتبر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)أنه قال: «تَهَادَوْا تَحَابُّوا، تَهَادَوْا؛ فَإِنَّهَا تَذْهَبُ بِالضَّغَائِنِ‏»[7]، وعنه (صلى الله عليه وآله) قال: «الهَدِيَّةُ تورِثُ المَوَدَّةَ، وتُجَدِّدُ الأُخُوَّةَ، وتُذهِبُ الضَّغينَةَ»[8]، وعنه (صلى الله عليه وآله) قال: «تَهادَوا؛ فَإِنَّ الهَدِيَّةَ تُضَعِّفُ الحُبَّ، وتَذهَبُ بِغَوائِلِ الصَّدرِ»[9]، وعنه (صلى الله عليه وآله): «تَهادَوْا فَإنَّ الهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وحَرَ[10] الصَّدْرِ»[11].

وروي عن الإمام عليّ (عليه السلام): «الهَدِيَّةُ تَجلِبُ المَحَبَّةَ»[12]، وفي هذه الروايات والأخبار دلالة واضحة على الأثر الإيجابي الكبير لتبادل الهدايا بين الناس، وزيادة المحبة والألفة والترابط والتواصل بينهم، وهو ما يدعو إليه الإسلام، ويحث عليه أشد الحث، ويرغب فيه أشد الترغيب.

ولما للهدية من عظيم الأثر والفائدة، كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يحث على التهادي بين الناس، وكان يقبل الهدية، ويأكل منها ولا يأكل من الصدقة، روي عَنْ جَابِرٍ: عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ، وَلَا يَأْكُلُ‏ الصَّدَقَةَ، وَيَقُولُ: تَهَادَوْا، فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تَسُلُ‏[13] السَّخَائِمَ‏[14]، وَتُجْلِي ضَغَائِنَ‏[15] الْعَدَاوَةِ وَالْأَحْقَادِ[16] »[17].

وكان (صلى الله عليه وآله) يقبل الهدية ويكافئ عليها، فقد روي: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ ويُثِيبُ عَلَيْها»[18].

ولا يشترط في الهدية أن تكون لها قيمة كبيرة، فقد كان النبي (صلى الله عليه وآله) على جلالة قدره وعلو شأنه يقبل بالهدية وإن كانت بسيطة، لما روي عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قَالَ: «لَوْ أُهْدِيَ‏ إِلَيَّ كُرَاعٌ‏[19] لَقَبِلْتُهُ»[20]، وعنه (صلى الله عليه وآله): «لَو دُعِيتُ إلى كُراعٍ لأجَبتُ، ولَو أُهدِيَ إلَيّ كُراعٌ لَقَبِلتُ»[21]، وعنه (صلى الله عليه وآله): «لَو أُهْدِيَ إلَيّ كُراعٌ لَقَبِلتُ، ولَو دُعِيتُ إلى ذِراعٍ لَأجَبتُ»[22].

ويستفاد من هذه الروايات وغيرها استحباب قبول الهدية، كما أن الهدية مستحبة في ذاتها، وراجحة في نفسها.

والهدية في بعض الموارد أفضل من الصدقة، لما فيها من التودد وجلب المحبة؛ لما رواه الكليني بسند معتبر: عن السَّكُونِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لَأَنْ أُهْدِيَ لِأَخِي‏ الْمُسْلِمِ هَدِيَّةً تَنْفَعُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ‏ أَنْ أَتَصَدَّقَ[23] بِمِثْلِهَا»[24].

تبادل الهدايا

الحياة ترتكز على الأخذ والعطاء، فكما تحب أن يُهدى إليك، بادر أنت أيضاً بإهداء غيرك، فتبادل الهدايا بين الأصدقاء والأحبة والأرحام والعوائل يزيد من المحبة، ويقوي العلاقات بينهم، فقد روى الكليني بسند معتبر: عن السَّكُونِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «مِنْ تَكْرِمَةِ الرَّجُلِ لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ‏ أَنْ يَقْبَلَ تُحْفَتَهُ‏، وَيُتْحِفَهُ بِمَا عِنْدَهُ، وَلَا يَتَكَلَّفَ لَهُ شَيْئاً»[25]. فمن أهداك شيئاً من باب المحبة والتقدير عليك بقبولها، ثم رد الهدية بمثلها أو أحسن منها إن استطعت.

وأولى الناس بالإهداء الأقرب فالأقرب، ويأتي في طليعتهم الوالدين، ثم الأزواج، ثم الأرحام والأقارب، ولكل من له حق وفضل عليك كالمعلم والعالم والمؤدب وغيرهم.

وينبغي عدم التكلف في الهدايا، وعدم اختيار هدية غالية الثمن جداً والتي لا تتناسب مع مستواه المادي، أو تسبب إحراجاً للمُهدى إليه لعدم قدرته على رد الهدية بمثلها؛ كما أن على الزوجة أن تراعي ظروف زوجها المادية، فلا تشتري هدايا نفيسة لأهلها وأرحامها وصديقاتها ترهق ميزانيته، أو تضطره للاقتراض من أجل ذلك.

الهدايا بين الزوجين

تبادل الهدايا بين الزوجين أمر في غاية الأهمية لتمتين العلاقات الزوجية، وإزالة أي منفرات بينهما، فمن المفيد أن تتم بين فترة وأخرى تبادل الهدايا بينهما، وخصوصاً في المناسبات السعيدة كذكرى الزواج مثلاً، أو حتى من دون مناسبة لتقوية العلاقات الزوجية بينهما.

وللهدية عند الزوجة فعل السحر في قلبها، فهي تزيد من محبتها ومودتها لزوجها، وتنمي المشاعر الإيجابية عندها تجاهه، ونفس الأمر لو قامت الزوجة بإهداء زوجها بعض الهدايا بين الفينة والأخرى بما يبهج نفسه ويشعره بالسعادة والفرح لجلب ومضاعفة المحبة بينهما، ولذا روي عن النَّبِيّ (صلى الله عليه وآله) أنه قالَ: «تَهادَوْا تَزْدادُوا حُبًّا»[26]، وعنه (صلى الله عليه وآله) قالَ: «تَهادَوْا بَيْنَكُمْ، فَإنَّ الهَدِيَّةَ تَذْهَبُ بِالسَّخِيمَةِ»[27].

الإهداء في المناسبات السعيدة

تعبّر الهدية بصدق عن المشاعر الإيجابية في مشاركة الآخرين في مناسباتهم السعيدة، وعن إبداء الحب والود والوفاء والإخلاص للمُهدى إليه، ومن تلك المناسبات الجميلة والسعيدة التي تستحق تقديم الهدايا:

1) تحقيق إنجازات: عند تحقيق أي إنجاز علمي أو تجاري أو تطوعي أو اجتماعي يستحق الاحتفاء به، وتشجيع المنجز على ما أنجزه عبر تقديم الهدايا له، كتأسيس مشروع تطوعي، أو تأليف كتاب، أو خدمة المجتمع.

2) النجاح والتميز: عند تخرج الأولاد من الثانوية ودخولهم للجامعة، أو عند تخرجهم من الجامعة ونيل الشهادة الجامعية، وخصوصاً عند التميز والتفوق العلمي، والحصول على أعلى الدرجات والمراتب العلمية ينبغي مكافأة المتخرج بهدايا قيمة تشجعه على مواصلة مشواره العلمي.

3) الزواج: سواء كان عند عقد القران، أو في ليلة الزفاف، فتقديم الهدايا في هذه المناسبة الجميلة يدخل السرور والبهجة في قلبي الزوجين، ويشعرهما بالسعادة والفرح والراحة.

4) الانتقال لمنزل جديد: إن بناء منزل للعائلة، والسكن فيه من المناسبات المهمة لتقديم الهدايا لصاحب الدار، كي يشعر بمزيد من البهجة والسرور.

اختيار الهدايا

ينبغي اختيار الهدايا بدقة وعناية، وبما يتناسب مع موقعية المتلقي للهدية وميوله الشخصية، فليس من المناسب إهداء خيل – مثلاً – لمن لا يركب الخيل أصلاً، ولا خبرة له فيها، كما ليس من المناسب إهداء المرأة عطراً رجالياً، ولذا يلزم مراعاة الهدية المناسبة للمُهدى إليه، وأن تكون مفيدة له ومتناسبة معه، فلو أهديت طالب علم موسوعة علمية في الحديث أو الفقه فإنه سيعتبر تلك الهدية قيمة جداً، ولكنك لو أهديتها نفسها لتاجر مشغول بالتجارة فلن يتفاعل معها، ولن يجد فيها بغيته.

......................................
الهوامش:
[1] تنبيه الخواطر: ج 2 ص 123.
[2] منية المريد: ص 105، بحار الأنوار: ج 2 ص 25 ح 88.
[3] تنبيه الخواطر: ج 2 ص 212.
[4] غرر الحكم: 9884.
[5] الكافي: ج 2 ص 639 ح 5، تحف العقول: ص 366، الاختصاص: ص 240، بحار الأنوار: ج 71 ص 282 ح 4.
[6] كنز العمّال: ج 9 ص 267 ح 25974؛ جامع الأخبار: ص 378 ح 1057 نحوه، مستدرك الوسائل: ج 16 ص 258 ح 19792.
[7] الكافي: 5/ 144/ 14 عن السكوني عن الإمام الصادق عليه السلام، كتاب من لا يحضره الفقيه: 3/ 299/ 4067، الخصال: 27/ 98 عن السكوني، وكلاهما عن الإمام الصادق عليه السلام، بحار الأنوار: 72/ 44/ 1؛ الموطّأ: 2/ 908/ 16 عن عطاء بن أبي مسلم وفيه «وتذهب الشحناء» بدل «تهادوا فانّها...»، السنن الكبرى: 6/ 280/ 11946، مسند أبي يعلى: 5/ 424/ 6122 كلاهما عن أبي هريرة وليس فيهما ذيله، كنز العمّال: 6/ 110/ 15055.
[8] عوالي اللآلي: 1/ 294/ 183، بحار الأنوار: 74/ 166/ 2.
[9] المعجم الكبير: 25/ 163/ 393 عن أُمّ حكيم بنت وداع الخزاعيّة، مجمع الزوائد: 4/ 260/ 6719.
[10] الوَحَر: الغيظ والحقد وبلابل الصدر ووساوسه (لسان العرب: 5 / 281).
[11] مسند الشهاب: القضاعي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية 1407هـ - 1986م، ج 1، ص 380، ح 656.
[12] غرر الحكم: 316.
[13] السَّلُّ: انتزاعك الشي‏ء وإخراجه في رفق. القاموس المحيط، ج 2، ص 1342(سلل).
[14] «السخائم»: جمع السخيمة بمعنى الحِقد والضغينة والمَوْجِدة في النفس. راجع: لسان العرب، ج 12، ص 282(سخم).
[15] الضغائن: جمع الضغينة، وهو الحقد والعداوة والبغضاء. راجع: النهاية، ج 3، ص 91(ضغن).
[16] الحقد: إمساك العداوة في القلب والتربّص لفرصتها. والحقد: الضغن، والجمع: أحقاد وحقود. لسان العرب، ج 3، ص 154(حقد).
[17] الكافي: ج 5، ص 143، ح 7. كمال الدين، ص 164، ح 21 الوافي، ج 17، ص 369، ح 17437؛ الوسائل، ج 17، ص 287، ح 22540.
[18] سنن أبي داوود: ج 3 ص 290 ح 3536. السنن الكبرى: البيهقي، ج 6، ص 180. الشمائل المحمدية: الترمذي، ص 191، ح 351.
[19] الكراع من الإنسان: ما دون الركبة إلى الكعب، ومن الدوابّ: ما دون الكعب. أو هو من البقر والغنم بمنزلة الوظيف من الخيل والإبل والحمر، وهو مستدقّ الساق العاري من اللحم. لسان العرب، ج 8، ص 306(كرع).
[20] الكافي: ج 5، ص 143، ح 9. الوافي، ج 17، ص 369، ح 17439. الوسائل، ج 17، ص 287، ح 22537. البحار، ج 16، ص 275، ح 113.
[21] كتاب من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 299 ح 4070. بحارالأنوار: ج 48 ص 147 ح 21.
[22] مكارم الأخلاق: ج 2 ص 328 ح 2656 عن الإمام الصادق عن أبيه عن جدّه عن الإمام عليّ عليهم السلام. بحار الأنوار: ج 74 ص 54 ح 3.
[23] في المرآة: «قوله عليه السلام: من أن أتصدّق، الظاهر أنّه يشترط في كونه صدقة فقر الآخذ، وأن يكون العطاء لوجه اللَّه تعالى. ولعلّ المراد هنا انتفاء الأوّل، ويحتمل الأعمّ».
[24] الكافي: ج 5، ص 144، ح 12. الوافي، ج 17، ص 370، ح 17443. الوسائل، ج 17، ص 286، ح 22538.
[25] الكافي: ج 5، ص 143، ح 8. الوافي، ج 17، ص 369، ح 17438. الوسائل، ج 17، ص 286، ح 22536.
[26] مسند الشهاب: القضاعي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية 1407هـ - 1986م، ج 1، ص 380، ح 652.
[27] مسند الشهاب: القضاعي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية 1407هـ - 1986م، ج 1، ص 381، ح 658.

اضف تعليق