ضمن حربها على الصين في مجال اشباه الموصلات تسعى الولايات المتحدة الى اعلان استراتيجيتها لخنق بكين عبر قيود صارمة صاغت الادارة الامريكية قواعد تفرضها على شركاتها تمنع بموجبها الشركات من تصدير معدات تصنيع الرقائق الالكترونية الى المصانع الصينية التي تنتج اشباه الموصلات المتقدمة في عقدة 14 نانومتر واصغر، تلك...

يشهد عصرنا الحاضر صراعا اقتصاديا بين قوتين اقتصاديتين هما الاقوى في العالم محوره يدور حول اشباه الموصلات والرقائق الالكترونية، وهو صراع لا يكاد يهدأ بين الولايات المتحدة الامريكية والصين الشعبية، والذي يسير نحو اعادة تشكيل الاقتصاد العالمي، آخر فصوله سعي امريكي لفرض قيود جديدة لخنق طموحات الصين الصناعية وفق ما ذكرت مصادر مطلعة لوكالة بلومبيرغ بأهم التفاصيل.

حيث فرضت ادارة بايدن قيودا جديدة على صادرات تكنولوجية اشباه الموصلات الامريكية الى الصين بما في ذلك تقنين الارشادات السابقة التي تم توجيهها الى شركات محددة، وتولي الولايات المتحدة مزيدا للحد من الوصول الى تكنولوجيا اشباه الموصلات المتطورة وتعزيز قدراتها الانتاجية المحلية في اطار تنافسها الاستراتيجي الاوسع نطاقا مع ثاني اكبر اقتصادي في العالم.

وفي اطار تقربهما بمجابهة الصين تعهدت تايوان بالعمل عن كثب مع الولايات المتحدة لمنع الجيش الصيني من الحصول على التقنيات الحديثة لصناعة اشباه الموصلات عبر حماية اسرارها التجارية وتقنياتها الرئيسية، وكانت الادارة الامريكية تحاول ضم القوى الغربية لجهود تقييد صادرات الشرائح المتقدمة حتى تكون الدولة الوحيدة التي تضع قيودا لكن لم يعلن اي احد من الحلفاء حتى الان عن قرار بشأن قيود تصدير تقنيات الشرائح المتطورة الى الصين.

قبل اكثر من 40 عام وضعت تايوان حجر الاساس الذي مكنها في حاضر ايامنا من الهيمنة على انتاج العالم بأشباه الموصلات او الرقائق الالكترونية كيف حدث ذلك؟ وما هي اسباب تخلف الصين وتراجع الولايات المتحدة في هذا القطاع؟.

في عام 1980 تأسست وانشأت الحكومة في تايوان حديقة هيسنشو للعلوم لتكون نسخة مصغرة من وادي السيليكون على مسافة تناهز 2000 كيلو متر عن الصين، وفي ذلك الوقت كان هدف الحكومة هو جذب عقول مواطنيها للعودة الى ديارهم بعدما اكتسبوا علومهم في الخارج ولا سيما الولايات المتحدة، هذا الرجل كان من ابرزهم انه موريس تشانج الذي اسس شركة تايوان لصناعة اشباه الموصلات المعروفة اختصارا بشركة (TSM)، حيث بات في حديقة هيسنشو للعلوم الفضل ينسب اليه في ريادة صناعة الرقائق الالكترونية.

اليوم تقول احصاءات تابعة لرابطة صناعة اشباه الموصلات الامريكية ان تايوان تستحوذ على انتاج قرابة 65% من اشباه الموصلات في العالم ونحو 90% من الرقائق الالكترونية المتقدمة، في المقابل تستحوذ الولايات المتحدة على حصة 10% فقط والصين على اكثر من 5% بقليل، خلف هذه الارقام نقرأ اعتماد الصين على شركات تايوانية لتصنيع اشباه الموصلات في توفير قرابة 70% من الرقائق اللازمة لصناعة الالكترونيات الاستهلاكية، في الوقت ذاته تعتمد الولايات المتحدة على تايبيه الصينية لتصنيع حوالي 92% من رقائقها الاكثر تقدما والتي تحتفظ بسلطة تصميمها، التعاملات التايوانية في كل من الصين والولايات المتحدة وحاجاتها اليها منحها عقيدة درع السيليكون والتي تمثل مسألة امن قومي لها وهذه تعني انها تمسك بزمام صناعة تحميها من اي هجوم صيني، كما انها ايضا توفر لها غطاء امريكي في مجابهة تهديدات بكين.

هنا تحضر التهديدات الامريكية الاخيرة الاستثنائية بالتدخل عسكريا للدفاع عن تايوان في حال تعرضها لهجوم صيني لا سيما وان واشنطن لن تفعل ذلك في ظل الغزو الروسي لأوكرانيا، فلماذا تنفرد تايوان في هذه الريادة؟.

تمتلك جزيرة تايوان اليوم التي تتمتع بالحكم الذاتي، ارثا من المعرفة الذي راكمته خلال 40 عام يقوده جيش من المهندسين قوامه 40 الف وايضا هناك بنية تحتية من المصانع التي تعمل بدورة بالغة التعقيد، تكلفة المصنع الواحد منها تتراوح بين 7 – 15 مليار دولار وفقا للقدرة الانتاجية الاستهلاكية، فالرقاقة الواحدة تحتاج على الاقل الى ثلاثة اشهر من العمل نظر لمرورها بما يصل الى 700 خطوة في التصنيع.

وفي الوقت التي كانت به تايوان تمضي بخطة واسعة في صناعة الرقائق كانت الصين لا تزال تخوض غمار اصلاحات دنغ شياوثنك الذي باشرها عام 1978 حينما اطلق نبوءته الشهيرة التي قال فيها: "ان الصين تحتاج على الاقل الى نصف القرن لاستكمال عملية التحديث والسيطرة سياسيا واقتصاديا".

حققت بكين قفزة اقتصادية لكن تقديراتها تشير الى احتياجها 300 الف مهندس على الاقل لتحقيق اهدافها في صناعة اشباه الموصلات، وبهذا الصدد تقع في دائرة الاتهام باستقطابها العقول التايوانية بعدما نجحت في جذب 3000 منهم رغم القيود التي تفرضها تايبيه الصينية على ذلك.

الولايات المتحدة ليست بريئة من هذه التهمة، فهي تسعى ايضا الى استعادة امجاد الماضي عندما كانت حصتها تشكل 40% من السوق العالمية خلال تسعينات القرن الماضي قبل ان تنخفض الى 15%، حدث ذلك نتيجة هجرة الشركات الامريكية الى الخارج وذلك بسبب ارتفاع تكلفة الانتاج بالداخل الامريكي، حتى باتت منطقة شرق اسيا مركزا لـ75% من التصنيع العالمي لأشباه الموصلات، هذا العائق الجغرافي يقف كعقبة كبيرة اخرى امام طريق واشنطن نحو تقليل اعتمادها سلاسل التوريد وتوطينها.

عند الحديث عن تحديات صناعة اشباه الموصلات تطول القائمة وهي مؤشر اخر يطيل هيمنة تايوان على هذه الصناعة، فقد اعتزمت وزارة التجارة الامريكية اعلان استراتيجيتها لمواجهة الصين في مجال اشباه الموصلات وذلك بهدف حماية الامن القومي ومصالحها السياسية الخارجية، فما ابرز ما نعرفه عن تلك الاستراتيجية؟.

ضمن حربها على الصين في مجال اشباه الموصلات تسعى الولايات المتحدة الى اعلان استراتيجيتها لخنق بكين عبر قيود صارمة صاغت الادارة الامريكية قواعد تفرضها على شركاتها تمنع بموجبها الشركات من تصدير معدات تصنيع الرقائق الالكترونية الى المصانع الصينية التي تنتج اشباه الموصلات المتقدمة في عقدة 14 نانومتر واصغر، تلك القيود تضع الاستثناء في التصدير الى بكين هو الحصول على ترخيص من وزارة التجارة الامريكية لتصدير المعدات الى الصين، القيود الامريكية تتضمن كذلك فرض عقوبات تشمل وقف تصدير الرقائق الالكترونية المستخدمة في الذكاء الاصطناعي.

وبحسب خطابات لم تعلن عنها الادارة رسميا الى الشركات الامريكية فإن الاستراتيجية التي ينتظر الاعلان عنها بشكل رسمي تسمح بتخطي الاجراءات القانونية اللازمة لإجبار الشركات الامريكية على الامتثال للحظر بالحرف الواحد وبسرعة التطبيق، ولم تكتفي الادارة الامريكية بذلك فقد تواصلت مع الشركات الاجنبية المصنفة لرقائق الالكترونية ومعدات تصنيعها بهدف دفعها الى فرض قيود مماثلة على الصين.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/ 2001 – 2023 Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق