إن موضوعة الإخلال بالمواعيد، وعدم احترام الوقت ليست بالقضية السهلة، حتى يمكن تجاوزها، بل هي مشكلة تربوية اجتماعية ينبغي النظر في أسبابها، ومعالجة الآثار السلبية التي تتركها على الفرد والمجتمع، من خلال إيجاد ثقافة بديلة لثقافة عدم احترام الوقت...

في عالمٍ متحرك، وسريع الإيقاع، توجد ثمةَ مُحددات تـُقاس من خلالها درجة تقدم ورقي المجتمعات المعاصرة، ويقف الوقت كمفهوم، وكيفية التعامل مع هذا المفهوم في مقدمة تلك المُحددات، على اعتبار أن احترام الوقت بات مفتاح تقدم الشعوب، ودليلا على تحضر المجتمعات ورقيها، وهو ما جعل احترام الوقت عند تلك المجتمعات يبلغ مبلغ التقديس.

ويبدو أن الوقت في أيامنا هذه لم يعد كالسيف كما كنا نسمع من قبل، بل أصبح أكثر إمضاءً وحدة من حدة السيف نفسه، وهذا ما نلمسه اليوم من خلال تعامل العالم المتحضر مع الوقت واحترام المواعيد.

غير أن الأمر مختلف بالنسبة إلينا، فعلى الرغم من تسابق الأخرين مع الوقت إلا أننا ما زلنا نتعامل بتفريط في هدر (ثروة) الوقت، مع وجود الحاجة الماسة، لهذه الثروة المعنوية التي لا تعوض.

ولو طـبق المثل المشهور (الوقت كالسيف ان لم تقطعه قطعك) على كيفية تعاملنا مع الوقت، لأصبح أكثر الناس بدون رؤوس تُـذكر.

والشيء الملفت للنظر هو وجود هذا الكم الهائل من المقولات والحكم والأمثال في ثقافتنا العربية، التي تؤكد جميعها أهمية الوقت وضرورة احترامه، لكن ما بين النظرية والممارسة يبدو مختلفاً، حيث يوصف المواطن العربي إجمالاً بأنه لا يعير الوقت الأهمية الكافية، ولا يلتزم كثيراً بالمواعيد، حتى قيل، (إن احترام الوقت فن لا يجيده العرب، وأمر مقدس لدى الغرب).

وقد اقترنت هذه الصفة بالإنسان الشرقي عموماً، وهذا ما يمكن تلمسه من خلال تعامل الآخرين معنا في تحديد المواعيد، حتى ظهر موعدان، أحدهم عربي والآخر غربي.

وقد روى أحد الأساتذة الجامعيين حادثة تتعلق بهذا الموضوع، عندما طلب من أحد الأساتذة الغربيين إلقاء محاضرة على طلبة إحدى الجامعات العربية، وعندما حدد له زميلة العربي موعد المحاضرة عند الساعة الثامنة صباحاً، أجابه الأستاذ الغربي بالقول (تقصد الساعة التاسعة)، فهذا الأستاذ لديه تصور واضح، كما لدى الآخرين، بعدم احترام الوقت والمواعيد في هذه المنطقة من العالم.

وبالتأكيد فإن هذا الأمر لم يأت من فراغ، بل هناك جملة من الأسباب التي ساعدت على شيوع ثقافة عدم احترام الوقت، وتقف في مقدمة تلك الأسباب، التنشئة الاجتماعية، والبيئة التربوية والثقافية المتوارثة، والتي ولّدت بدورها سلوكيات خاطئة، ومنها الجهل بأهمية الوقت، وغياب التخطيط والتنظيم، وعدم القدرة على التعامل مع مضيعات الوقت.

ما نود التأكيد عليه هو اذا كان احترام الوقت ضرورة ملحة لدى الآخرين، فهذه الضرورة يجب ان تكون أكثر إلحاحاً في هذا البلد، الذي خرج من أنقاض الحروب والدمار، ومختلف الأزمات السياسية والاقتصادية، والذي نتج عنها تغيير الكثير من المفاهيم والسلوكيات الاجتماعية.

لذا يستوجب على أهله أن يستثمروا كل ثانية ودقيقة من هذا الوقت المهدور، لإصلاح ما يمكن إصلاحه، خصوصاً وان كل مقدس لدينا يحثنا على ضرورة احترام واستغلال الوقت.

ولولا أهمية الوقت وقداسته لما أقسم المولى بمواقيت تعاقبه، عبر المسميات المتعلقة بالوقت، كالفجر، والنهار، والضحى، والعصر، والليل، كما اعتُبر مخالفة الوعد على لسان نبيه واحدة من علامات النفاق.

وأيضاً كان ولا يزال الاهتمام بالوقت واحترامه سبباً من أسباب النجاح، سواء كان هذه النجاح على مستوى الفرد أو المجتمع، وقد قال أحد كبار رجال الأعمال الناجحين في العالم بهذا الصدد، (انك لو استعطت التحكم في ثلاثة أمور لاستطعت النجاح والرقي، وهما، التخطيط، والتنفيذ، والوقت).

ومع كل هذه التأكيدات الإلهية والوضعية التي تحث على احترام وأهمية الوقت، وبالرغم من أن البعض تـُزين معاصم أيديهم ساعات من أرقى وأفخم الماركات العالمية، ولكن مع ذلك فالكثير من حولنا لا يحترمون المواعيد، ولا يقدرون قيمة الوقت وأهميته في حياتنا.

إن موضوعة الإخلال بالمواعيد، وعدم احترام الوقت ليست بالقضية السهلة، حتى يمكن تجاوزها، بل هي مشكلة تربوية اجتماعية ينبغي النظر في أسبابها، ومعالجة الآثار السلبية التي تتركها على الفرد والمجتمع، من خلال إيجاد ثقافة بديلة لثقافة عدم احترام الوقت.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق