آراء وافكار - مقالات الكتاب

مفتاح الشرور.. شراهة الطلب وخلع الايمان

مفهوم الزهد والاستهلاك في نهج الإمام علي (ع) (5)

الشراهة تصيب الإنسان بالعيوب والتسافل والانحدار، ويدخله في عالم الانحطاط، لاسيما مع فقدان الإصلاح، فالإنسان يحتاج دائما وباستمرار إلى عملية إصلاح من اجل تقليل عيوبه، ولكن عندما يكون شرِها وأعمى وطاغية في عالم الماديات فإنه يفتقد الإصلاح، ويتسافل ويصل إلى مراحل من الانحطاط الخطير، ويخرج عن إنسانيته...

"(لكل شيء بذر، وبذر الشر الشره)"

هناك بعدان ينظران إلى هذا العالم من زاويتين، البعد الأول ينظر إليه من الزاوية المادية، والثاني ينظر من الزاوية المعنوية.

فيما يخص البعد المادي فإن هؤلاء الذين نظروا أو ينظرون إلى العالم في الماضي والحاضر والمستقبل، يحسبون كل شيء بحساب المادة واحصاء الأموال وامتلاك الاشياء، والبعد المادي بالنتيجة لا يركز على الأبعاد المعنوية في الإنسان ولا على روحه ونفسه، بل على مقدار ما يربحه، دون أن ينظر في العواقب الأخلاقية والنتائج التي تتمخّض عن أفعاله وعن مناهجه، فالنظام الرأسمالي لا ينظر إلى من يخسر من البشر الآخرين، ولا إلى من ينسحق من الضعفاء والفقراء، ولا إلى من تُنتهك حقوقهم، بل ينظر إلى مقدار ما يربحه فقط.

أما شركات الأسهم فإنها تنظر إلى كم وصل سعر السهم في البورصات، ولا ينظر مالكها ولا يفكر بالعمالة التي تعمل في مصانعه وفي معامله وفي المحال التابعة له، بل يستعبد العمالة دون أن يفكر بتحقيق المساواة والإنسانية والحقوق والراحة والاستقرار لها، وهذا النوع من التفكير المادي البحت يفكر في النمو الاقتصادي، وفي تراكم أرباحه، ويوما بعد يوم يزداد طمعه وتزداد شراهته، ويدمن على الأموال والأرباح، فلا يفكر بالعواقب الخطيرة التي ينتجها، وتأثيرها على جميع البشر والمخلوقات، بل ينظر فقط إلى كيف امتلأت محفظته، وكيف ازداد رصيده وكيف ارتفعت أسهمه في البورصات.

لذلك فإن العالم اليوم، يزداد شراهة بسبب استحكام البعد المادي الذي أصبح جوهر الحضارة المعاصرة من خلال العمارات الشاهقة والسيارات الفارهة والحياة الفاخرة والأطعمة الغالية والألبسة الصاخبة، دون أن تنظر ماذا قدمت للإنسان، من الناحية الأخلاقية أو المعنوية أو العقلية، وكيف يتسامى هذا الإنسان ويتكامل بإنسانيته وآدميته.

صراع منذ بدء التاريخ

في الجانب الآخر فإن البعد المعنوي هو رسالة الأنبياء والأئمة (عليهم السلام)، رسالة تهدف إلى بناء الإنسان وسموّه وتكامله، رسالة العلماء الربانيين والأولياء الصالحين، الذين يهدفون إلى تطوير الإنسان ونموه من خلال بعده الداخلي والمعنوي، والارتقاء به إلى مراتب عالية، ويكون البعد المادي مجرد حاجة ووسيلة يستمر من خلالها الإنسان في الحياة الطبيعية المعتدلة.

هذان البعدان (المادي والمعنوي) يتصارعان منذ بداية التاريخ، ولحد الآن، ولكن البعد المادي في أغلب الأحيان يزداد شراسة وشراهة، لأن البعد المادي يغيّب التفكير العقلاني ويستفز الغرائز ويحركها ويثيرها، لذلك فإن أغلب الناس الذين لا يمتلكون المعرفة والوعي والإدراك، تأخذهم الأجواء إلى ذلك العالم المادي في عملية الركض السريع وراء الآخرين ووراء اللذات والمتع، والحرص على الدنيا.

بالنتيجة فإن هذا الطمع بالدنيا وبالأشياء يؤدي إلى اشتداد الطلب الكثيف، وبالتالي تستمر المتوالية المتسلسلة التي تؤدي إلى وقوع الإنسان في الرذيلة والحرام والرشوة والفساد، تحركه نوازع الحرص وتشجعه الشراهة على المزيد الاستهلاك والاستمرار في الوقوع في هذا الفخ الشهواني.

الطلب الكثيف وتزايد الشراهة

بحثنا سابقا كيف أن الطلب الكثيف والاستهلاك المفرط، يؤدي إلى اختلال التوازن في العالم بعيدا عن الاعتدال، فالطلب الكثيف يعني اشتداد الطلب، ويأتي بمعنى الشَرَه، أو الشراهة، واشتداد الطلب هو حرص الإنسان الشرِه على امتلاك الأشياء المادية والحصول عليها واللهث وراءها من دون حدود، ومن الأمثلة على ذلك النهم في الطعام، أو شراهة الطعام، والشرهون هم الذين يأكلون كثيرا دونما توقّف.

والشراهة بالطعام مثال واضح وظاهري يعبر عن الطلب الشديد عند الإنسان، وهؤلاء الذين يصابون بالبدانة والسمنة وبالأمراض الناتجة عنها هي نتيجة لذلك، وبعضهم لا يتوقف عن ذلك إلى أن تنتهي حياتهم.

ومثل ذلك الشراهة على السلطة، الشراهة على المكاسب والأموال وكسب الأشياء بأي ثمن كان، وهذا يدخل في باب الطمع والحرص الشديد، فعندما يكون البعد المادي هو المسيطر، وتكون هناك تربية للإنسان والمجتمع على الشراهة والطلب الكثيف، والحرص الشديد، فإن هذا التفكير وهذه الثقافة سوف تنمو عند الإنسان، فيركض بغرائزه وراء هذا المجموع الكبير من الأشياء المادية، فيقع في هذه المصيدة ويصبح عبدا لهذا السلوك.

بعض الناس بمجرد أن يرى شخصا أو أكثر امتلكوا وركبوا في سيارة فارهة، فإنه سوف يقلدهم ويقوم بشراء نفس السيارة الفارهة، وإذا رأى الناس يلبسون هكذا ملابس أو يأكلون هكذا طعام، فإنه يقلدهم من دون أن يفكر في حاجته لهذا الشيء، وهل يفيده فعلا؟، وإنما هو قلّد الآخرين وركض وراء ما يفعلون، وقد خدعته الإعلانات التي أصبحت تسيطر على حياة البشر واستلبت عقولهم وغسلت ادمغتهم بالمعلومات المضلِّلة.

لذلك فإن كل هذه الشراهة التي يعيشها العالم اليوم، تتحول إلى كارثة، لأن الجميع يركض في هذا الاتجاه، خاصة مع وجود شبكات التواصل الاجتماعي الرقمية التي أخذت تبثُ الماديات بشكل فوضوي وأعمى وسطحيّ، إلى حد أصبحت فيه التفاهة تسيطر على العالم.

الشراهة تُنتَج الأزمات والشرور

وعندما يصبح تفكير الإنسان تافها، فإنه بالنتيجة يصبح سريع الانفعال، وتتم السيطرة عليه بسرعة من خلال عالم الاستهلاك المريض التي تسوق له الإعلانات الصاخبة، فيجعله مستهلكا شرِها مندفعا نحو طلب الماديات بشكل لا يُصدَّق، وهذه الشراهة تنتج الأزمات والمشكلات والشرور.

لنلاحظ هذه الآية القرآنية حول تعامل الإنسان مع البعد المادي: (كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقْنَٰكُمْ وَلَا تَطْغَوْاْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِى وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَىٰ) طه 81. بمعنى لا تأكلوا أكثر مما تحتاجون، ومما هو مكتوب في أرزاقكم، لا تكونوا مفرطين، ولا تكونوا شديدي الطلب، يتملككم الحرص، شرهين نحو الماديات، وإلا فإن الشراهة والحرص الشديد يؤديان إلى الطغيان.

فيحلّ الغضب على الإنسان، وتحل الكارثة به، الشراهة والطغيان يؤديان إلى الغضب، غضب الله سبحانه وتعالى لأن الإنسان خرج عن الموازين والحدود، ودخل في الحرام والرذيلة والفساد، وبالتالي فإن هذا الأمر يولد كوارث شديدة.

معنى الغضب الالهي

لنلاحظ ماذا حدث في الزلازل الأخيرة، فإن كثير من الأبنية التي انهارت، كانت لا تحمل المواصفات المطلوبة، وهذا يعني أن هناك فساد في بنائها، إذ يسرق المقاول والمهندس المواد الأساسية للبناء، ويستعمل بدلا عنها مواد رديئة أو قليلة المكونات فيصبح البناء هشا، وبمجرد أن يحصل الزلزال يسقط وينهار.

فالطمع والشراهة معناه عدم التفكير بالعواقب فتحل الكارثة، وعندما يحل الغضب الإلهي بالإنسان فإنه هوى، أي وقع في الهاوية السحيقة، كما نلاحظ اليوم أولئك الذين أخذوا يستهلكون الكثير الكثير، يدمرون العالم بالتلوث والاحتباس الحراري، (فيحلّ عليه غضبي)، تحدث السيول والعواصف وترتفع درجات الحرارة فتنتشر الحرائق التي تلتهم كل شيء.

يحدث هذا كله بسبب أن الإنسان لا يأكل باعتدال وبحسب حاجته بشكل عقلاني، وإنما يأكل بحسب شراهته وطمعه، وشهواته وغرائزه.

عندما يغضب الانسان من نفسه؟

وعن الإمام علي (عليه السلام): (الشره يُكثِر الغضب)، وهنا نلاحظ الارتباط بين (يحلل عليه غضبي) وبين هذا الحديث، الشره يُكثر الغضب، من جانبين، جانب يتعلق بالإنسان نفسه، وجانب يتعلق بالآخرين، فالإنسان الشرِه لا يستطيع أن يتوقف، فيستمر بالحرص والطمع والأكل والشرب وامتلاك الأشياء.

لا يستطيع أن يتوقف عن ملاحقة الأشياء ومطاردتها، يوجد عنده نهم ومرض الاستحواذ على هذه الأشياء بأية طريقة كانت، بالسرقة والفساد والقوة والسلاح، إنه يريد أن يمتلك الأشياء بأية طريقة، كما نلاحظ بعض الناس عندما يكون الطعام كثيرا فإنهم لا يتوقفون عن أكل الطعام، تمتلئ معدته ولا يتوقف، لدرجة أن هذا النهم الموجود عنده يقتلهُ، لذلك فإن من صفات الشراهة الذاتية عند الإنسان أنها تجعله غير قادر على التوقّف عن ملاحقة الأشياء والنهم بها والاستحواذ عليها.

تخزين الطاقة السلبية

هذا يعني إن هذا الإنسان مريض نفسيا، فيخزّن في ذاته الطاقة السلبية، والسوداوية في حياته، وهذا المريض النفسي يعتقد بأنه إذا امتلك الأشياء، سوف يستطيع أن يشبع رغبات نفسه ويحقق الاستقرار والاطمئنان والاشباع للفراغ المستحكم في داخله، لكن الإنسان الشره لا يمكنه ذلك لأنه مريض نفسيا، فلا يستطيع أن يحقق الإشباع، لكن لأنه مريض يعيش الوهم فإنه يعتقد لابد أن يحصل على المزيد ولا يشبع، ويحصل على المزيد ولا يشبع وهكذا...

مثل الإنسان الذي يأكل الطعام ولا يحس بأنه شبعان، فيأكل ويستمر بالأكل وهكذا، وهذا هو معنى الشراهة وهي الاستهلاك المفرِط من دون حدود، والاستهلاك المستمر دونما توقّف، لذلك فإن هذه الطاقة سلبية سوداوية تحصل عند الإنسان، فإذا لم يتوقف ويضع حدا لهذه العادات السيئة، فإنه بالنتيجة يغرق ويهوي ويحلّ عليه غضب الله سبحانه وتعالى.

مشكلة الغضب الذاتي

وهو أيضا يغضب من نفسه، وهذا يسمى الغضب الذاتي، حيث يبقى هذا الإنسان بأن هناك في داخله فراغ كبير وهائل، مع وجود السوداوية، واللامعنى واللاجدوى، فيغضب من نفسه، ويسعى أكثر نحو الشراهة، وقد ينتقم من الآخرين لأنه يعاني من غضبه الذاتي، فيحول هذا الغضب إلى طاقة سلبية ضد الآخرين، فيقتلهم، ويسرقهم، ويقمعهم، كما يفعل صاحب السلطة، فصاحب السلطة عنده جوع ونهم كبير بسلطته، ولا يشبع من ذلك.

وعندما يصل إلى مرحلة معينة، يقوم باستخدام هذه السلطة دون أي سبب لإلحاق الضرر والأذى بالآخرين، بسبب نوع من المرض في أخلاقه وفي فكره، فيصبح هذا الإنسان الشره شرّا كبيرا ويحوّل غضبه إلى طاقة سلبية ضد الآخرين.

وتعبر الآية القرآنية عن هذا المعنى: (مَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) الأعراف 186. يذرهم تعني يتركهم، فهذا الطغيان وهذه الشراهة تستمر عند الإنسان الذي يصبح شرها وطماعا، إلى درجة أنه يضلّل نفسه، بسبب هذه الشراهة، فتقوده نحو الهاوية، ويبقى يعيش التردّد دائما.

لماذا يزداد الإنسان ضلالا؟

كلمة يعمهون تعني إنه يعيش في حيرة مع نفسه وفي شك وريب وغير مرتاح وفي حالة ضيق، ونفسه منغلقة، لأن هذه الشراهة تجعله مريضا نفسيا، فلا يستطيع أن يكون مرتاحا وهذا هو الضلال الذي تنتجع عنه الشراهة والطغيان عندما يتجاوز الإنسان حدوده.

هذا الطغيان وهذه الشراهة تجعل الإنسان يزداد ضلالا، وكلما ازداد ضلالا يزداد حيرة وانحرافا وظلما، وإذا وصل إلى مرحلة معينة فلا يستطيع أن يتوقف عن ذلك لأنه صعب جدا، لأن الإنسان الذي يختار طريق الشر بنفسه، فإنه بالنتيجة خياره ولابد عليه أن يعرف بأن هذا الطريق الذي أوقعه فيه الشيطان سوف يقوده إلى الهاوية.

والهاوية الحقيقية هي جهنم التي في داخله، حيث يتحول هذا الغضب الداخلي إلى نار جهنم تحرقه من داخله، ويعيش في الضلال السعير، والحيرة الكبيرة، والأفق المغلق أمامه في الحياة، أما الإنسان المؤمن المعتدل النظيف النزيه، هذا الإنسان يعيش في داخله جنّة، بالاطمئنان واليقين والراحة، لأنه يعرف أن الأفق أمامه مفتوح، فأمامه الآخرة حيث سيلقى الجزاء الحسن لأفعاله الخيرة.

لماذا تشتعل الثورات؟

هذا من بعد الذات، والشره الذي يولده الغضب الذاتي، ومن جهة ثانية فإن الشره يُكثر الغضب من جهة الآخرين، فالإنسان الشره يستولي ويسرق ويحتكر، وبالنتيجة يقوم بالمزيد من الظلم، بالمزيد من القمع والاستحواذ على الثروات والأشياء، فيؤدي ذلك إلى غضب الآخرين.

الكثير من المظاهرات والثورات والاحتجاجات، التي تحصل من قبل الشعوب والجماعات والناس هي عبارة عن غضب شعبي كبير تجاه الطبقات الحاكمة، والطبقات الظالمة، والنخب الباغية، فهذه الأمور تؤدي بالنتيجة إلى غضب الآخرين، وانفجار الشعوب ضد الحكام وضد الطمع والشره غير المحدود.

معظم الثورات والاحتجاجات تنشأ ضد الفساد، فالذي يحرك الثورات والمظاهرات هو الفساد، لأن الفساد أعمى، فهذا الفاسد الأعمى الطاغية لا يرى ولا ينظر إلى الآخرين، بل يفكر في نفسه فقط لأنه شرِه، ولا توجد لديه حدود في طمعه، ولذلك يؤدي هذا إلى انفجار الناس ضد الحاكم وتفاقم غضب الآخرين ضده أيضا.

الشَرَه مفتاح الشرور

وهناك مفهوم آخر ينطلق من هذا المعنى، يقوله الإمام علي (عليه السلام): (لكل شيء بذرٌ، وبذر الشرّ الشَرَه).

فكل شجرة وكل وردة وكل أخلاق وكل فكرة، كل شيء في الحياة له بذرة، له أساس، له بداية ينطلق منها، الشر ينطلق من الشره، من الطمع والحرص الشديد، فعندما يرى الإنسان في نفسه شرها وشراهة نحو شيء معين، لابد أن يفكر ويتعقّل وأن يوقف هذه الشراهة وهذا الطمع والحرص.

وإلّا سوف يكون منطلقا ومفتاحا لأبواب كل الشرور، فهذا الشره يفتح كل الشرور الموجودة عند البشر، يفتح الشر في أفكاره، وفي نفسه، ويفتح الشر لكل الرذائل والانحرافات، وعندما يكون الشره مفتاح الشرور يكون سببا لاندثار واضمحلال الخيرات، لأن الشره يؤدي إلى الانغماس الشديد في عالم المال الحرام والفساد والرشوة والسرقة.

كيف تعرف شخصية الآخر؟

وعن الإمام علي (عليه السلام): (ويُستدَل على شر الرجل بكثرة شرهه وشدة طمعه)، فإذا أردتَ أن تقيّم إنسانا معينا لا تعرفه سابقا، فإذا أردت أن تعرف هل هو خيِّر أم شرير، حتى تستطيع أن تتعامل معه، فتبدأ بمعرفة الصفات الموجودة لديه أو الخصائل التي يتصف بها، وما هو أسلوب تفكيره؟

عليك أن تعرف هل هو شرِه أم لا، وما هي درجة شراهته، فإذا كان شرها كبيرا وطماعا شديدا، فاعرف إنه ينتمي للشر والشر ينبعث من داخله، فابتعد عنه.

وعنه (عليه السلام): (الشرَه أسّ كل شر)، بمعنى جميع الشرور تأتي من خلال الشره، (والعفّة رأس كل خير)، أي أن كل خير يأتي من عفّة نفس الإنسان، وسوف نبحث في موضوع العفاف والكفاف كعلاج لمعالجة الشره في مقال قادم.

كذلك تنبعث الرذائل من الشره أيضا، يعني إذا أردت أن تعرف هل الإنسان شره، سوف تعرفه من خلال الرذائل الموجودة فيه، لذلك يقول (عليه السلام): (إياك والشره فإنه رأس كل دنيَّةٍ وأسُّ كل رذيلة)، فهو أساس الرذائل كلها، كالحسد، الخيانة، الكذب، النفاق.

الشره يدمّر أخلاق الإنسان

كل أمر يجعل الإنسان دنيئا، وينزل ويتسافل، يحدث من خلال طمع الإنسان الشديد، وشراهته في الحصول على الأشياء، لذلك فإن الشره يؤدي إلى تدمير أخلاق الإنسان، على العكس من العفة التي تؤدي إلى بناء أخلاق الإنسان وبناء الفضائل في شخصيته.

فعن الإمام علي (عليه السلام): (الشَرَهُ مركب الحرص، والهوى مركب الفتنة)، العلاقة بين الشره والهوى، والهوى هو اتباع الإنسان لأهوائه وغرائزه، فعليه إدارة هذه الأهواء بصورة جيدة ويتحكم بها من خلال عقله وأخلاقه وفضائله، وجعل الإطار العام لأهوائه هو الأخلاق والعقل.

أما إذا تجاوز الحدود، وعبور الحدود تتم خطوة فخطوة، فيعبر خطوة وينصاع ويستسلم لأهوائه، ثم الخطوة الثانية، فالثالثة، وبالنتيجة يدمن تدريجيا على اتباع أهوائه، وإذا استمر في ذلك يصبح رهنا لهذه الأهواء وعبدا لها، ومحبوسا في إطارها، فتسترقّه وتستعبده حتى يصبح طماعا وحريصا على الدنيا وشرِها.

لذلك فإن جملة (الهوى مركب الفتنة) تعني امتحانا وفتنة للإنسان، وقد تدخلهُ أهوائه في باب الحرص والطمع، وبالنتيجة الانصياع لأهوائه التي تستعبده.

الحل الأساسي لمشكلاتنا؟

إن كلام الإمام علي (عليه السلام) حول الشراهة، يدفعنا للوصول إلى نتيجة أساسية، حول الحل لمشاكلنا التي نعاني منها اليوم، وهو الذي قدمه (عليه السلام) لنا، وهو (الزهد، والإجمال في الطلب، والإجمال في المكتسَب)، وأن نجعل البعد المعنوي هو الإطار الذي يحكم أخلاقنا وسلوكياتنا في الحياة وليست الماديات هي التي تحكمنا.

فعندما نستطيع أن نجعل البعد المعنوي يحكم عالم الماديات ويسيطر عليها، فإن حياتنا تصبح معتدلة بسيطة جميلة مستقرة مطمئنة.

متى يصبح الإنسان محطة للعيوب؟

عن الإمام علي (عليه السلام): إن (الشره جامع لمساوئ العيوب)، بمعنى أن الشره يجعل الإنسان ناقصا ومعيبا، وغير سليم ولا صحيح، معيوب في داخله، معيوب في نفسه، مريض نفسيا، مريض في أفكاره وأخلاقه، فيكون محطة للعيوب.

على سبيل المثال، إن التخلف والتقدم هو أمر نفسي، لكن الأمم المتخلفة بشكل عام، هي الأمم التي تستحكم فيها الماديات إلى أبعد حد، فتزداد فيها النواقص والعيوب، وتبتعد عن مجال المعرفة، والتطوير العلمي والمعرفي، وبالنتيجة تستحكم فيها العيوب والنواقص وتفتقد للكمال وللجمال، وتكريس الجهل هو نتيجة لعالم الحرص والطمع.

بمعنى كلما كان الإنسان طمّاعا شرها، فإنه يكون جاهلا أكثر، ويبتعد عن عالم المعرفة، لأن المعرفة الحقيقية تعطي وعيا وإدراكا للإنسان وتجعله يمتلك مصدّات أمام الوقوع في عالم الشراهة، فالإنسان الذي تعتقد بأنه عالِم لكنه شره وطمّاع ومنشغل بالماديات، فهو ليس بإنسان عالِم، وإنما يمتلك معلومات معينة يستغلها في عالم الشر.

السقوط في عالم الانحطاط

فالشراهة تصيب الإنسان بالعيوب والتسافل والانحدار، ويدخله في عالم الانحطاط، لاسيما مع فقدان الإصلاح، فالإنسان يحتاج دائما وباستمرار إلى عملية إصلاح من اجل تقليل عيوبه، ولكن عندما يكون شرِها وأعمى وطاغية في عالم الماديات فإنه يفتقد الإصلاح، ويتسافل ويصل إلى مراحل من الانحطاط الخطير، ويخرج عن إنسانيته.

الانحطاط الشديد يدل على كثرة عيوب الإنسان الذي يسيطر عليه الاستهلاك، وتسيطر عليه الشراهة، وهذا الإنسان الشره الذي يفتقد للإصلاح يكون غير منتِج، وإنما يكون مستهلِكا فقط، لهذا نلاحظ بعض المجتمعات الساقطة في عالم الشراهة هي مستهلِكة وليست منتِجة، ليس لديها أي نوع من الإنتاج، بل ليس لديها حياة، لا تعمل لأنها لا تحب العمل، وهذا هو العيب الكبير عند الإنسان، فما قيمة الإنسان دون عمل، وما قيمته دون معرفة، فالإنتاج والمعرفة تجعل الإنسان يشعر بقيمته في الحياة، ويشعر بذاته ونفسه ووجوده في الحياة.

لذلك فإن قضية بناء الإنسان لنفسه ومحاسبته لها من أهم الأهداف، لأن الإنسان الذي لا يراجع نفسه ولا يحاسبها تكون مواقفه مع المجموع العام الواقع في الاستهلاك المحض الذي تروج له شبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، فيلهث مع هؤلاء الناس أينما توجهوا، وهم: (وهمج رعاع، أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق...)، كما يقول الإمام علي (عليه السلام).

بالنتيجة يصبح من ضمن الهمجية البعيدة عن الإنسانية وعن المعرفة، فيأكل ويشتري كل شيء، بعيدا عن الاعتدال والإجمال في الطلب والاستفادة الجيدة من الماديات بصورة معتدلة، لذلك فإن الشره يؤدي بالإنسان أيضا إلى عالم من الشكّ والريب، وهكذا تؤدي الشراهة إلى الضلال وإلى فساد الإنسان.

الاستهلاك المحض وخلع حجاب الايمان

ويمكننا أن نلاحظ اليوم بعض الناس من جهة وقوعهم في عالم الاستهلاك المحض، ورؤيتهم للعالم رؤية مادية، فإن هؤلاء أصبحوا يبتعدون عن الإيمان تدريجيا، يتخلون عن الالتزام بالحلال، ويدخلون في عالم الحرام ويقلّلون حجابهم تدريجيا إلى أن يخلعوه، أو يسترخصون المال الحرام، ويجعلون الحصول عليه أمرا بسيطا أو مقبولا، فيدخلون في عالم الفساد، ويحاولون ان يجربوا أشياءً كثيرة تقودهم إلى فقدان إيمانهم.

هذه الشراهة بالنتيجة تؤدي إلى فقدان اليقين، وهكذا فإن هذا الإنسان يدخل في عالم الانحراف العقائدي، ويفقد الإيمان الذي يجعله محصنا من الوقوع في الحرام وفي الرذائل.

وعن الإمام علي (عليه السلام): (لن يصدق يقين من أسرف في الطلب، وأجهد نفسه في المكتسَب)، هذه الرواية مهمة وسوف نركز عليها في مقال قادم، وأقول هنا إجمالا، إن الإنسان الذي يريد أن يستهلك المزيد، ويكون مسرفا في الطلب الكثيف يستهدف أن يحقق السعادة لنفسه، لكنه لا يتمكن من تحقيق ذلك، لأنه يبقى يعيش في داخله عدم اليقين الذي يعني الدوران في حلقة الشك وبالنتيجة التعاسة وعدم الراحة.

الرابح هو الذي ينتصر على الحرام

فالإنسان الذي يجهد نفسه في الكسب دون رادع، ودون قواعد وحدود، يريد أن يحقق لنفسه الحياة الجيدة، لكنه لا يحقق ذلك، لأنه كما يقول الإمام علي (عليه السلام): (ما ظفر من ظفر الإثم به، والغالب بالشرّ مغلوب)، فالإنسان الذي يأخذه الإثم، وتسيطر عليه المعصية، فإنه لا يربح شيئا بل هو خاسر لأن الرابح هو الذي ينتصر على الحرام.

الرابح هو الذي ينتصر على الفساد ويقمع الإفساد، ولا يقع في ذلك، أما الذي يقع في الفساد وفي الحرام، ويتخلى عن التزاماته الدينية، فهو بالنتيجة إنسان ظفرت به المعصية وفاز به الإثم، لذلك يكون خاسرا فالغالب بالشر مغلوب، والذي يريد أن ينتصر بالشر لا ينتصر، الانتصار الحقيقي يتم بالخير والاعتدال، وبالالتزام بالأحكام الشرعية، وبالإيمان الحقيقي، والتمسك بمبادئ أهل البيت (عليهم السلام).

وللبحث تتمة...

اضف تعليق


التعليقات

داحسان الامين
سلمت الايادي وبورك القلم..التوازن بين السعي للدنيا وطلب الاخرة هو طريق الفلاح والاصلاح.قال تعالى: (وابتغ فيما أتاك الله الدار الاخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا)2023-06-05