أفضل السياسات هي تلك التي تسمح بخلق مجموعة، أي كيان سياسي يستند إلى روابط المواطنين فيما بينهم، والتزام كل واحد منهم بالحفاظ عليها. ولا يمكن لذلك الالتزام أن يتم إلا متى قبل كل فرد بعدم تلبية مصلحته الخاصة بشكل آلي، والتخلي عنها لفائدة المصلحة العامة. فلا سياسة حقيقية...

كانت العلاقة بين الاخلاق والسياسة شائكة منذ بداية الفكر الإنساني، وتحديدا منذ بدايات الفكر الفلسفي.. ولا يزال انشغال العديد من المفكرين والدارسين ومعهم الممارسون للشأن السياسي، بالبحث والتحليل والدرس حول ثنائية (السياسة والأخلاق)، في محاولة منهم لتفسير (الظاهرة السياسية) في مختلف أبعادها النظرية، والمؤسسية والعملية من جهة، ومجتهدين في تفكيك السياقات التاريخية والشروط السوسيوثقافية والسيكولوجية المتحكمة في فكر وممارسات الفاعلين السياسيين أنفسهم، وذلك سعيا منهم لرصد حدود التداخل والتباعد بين الحقلين السياسي والأخلاقي أولا، ولتقديم المسوغات النظرية القائلة بالتكامل والاتصال بين هذين المجالين، أو تلك المبررة لفرضية التنافر والانفصال بينهما ثانيا.

تعرّف الاخلاق على انها (مجموعة من القواعد والعادات السلوكية التي يعتنقها ويؤمن بها مجتمع ما، فتعد ملزمة وحتمية لسلوك الافراد ومنظمة لعلاقة الانسان بالآخر والمجتمع، وتختلف هذه السلوكيات من زمن الى اخر)..

والأخلاق هي (منظومة قيم يعتبرها الناس بشكل عام جالبة للخير وطاردةً للشر) وفقاً للفلسفة الليبرالية وهي ما يتميز به الإنسان عن غيره. وقد قيل عنها (إنها شكل من أشكال الوعي الإنساني) كما تعتبر مجموعة من القيم والمبادئ تحرك الأشخاص والشعوب كالعدل والحرية والمساواة بحيث ترتقي إلى درجة أن تصبح مرجعية ثقافية لتلك الشعوب لتكون سنداً قانونياً تستقي منه الدول الأنظمة والقوانين. والأخلاق أيضا (السجايا والطباع والأحوال الباطنة التي تُدرك بالبصيرة والغريزة، وبالعكس يمكن اعتبار الخلق الحسن من أعمال القلوب وصفاته. فأعمال القلوب تختص بعمل القلب بينما الخُلُق يكون قلبياً ويكون ظاهرا أيضا).

وقد عرف الفلاسفة الاخلاق على انها دراسة معيارية للخير والشر تهتم بالقيم المثلى وتصل بالإنسان الى الارتقاء على السلوك الغريزي بمحض ارادته الحرة، كما انها تخص الانسان وحده ومصدرها الضمير والوعي..

اما السياسة، فهي من الناحية اللغوية: شيء يتعلق بالشؤون العامة للبشر، وفي اللغة العربية اشتقت كلمة سياسة من كلمة سوس بمعنى رئاسة و ساس الامر أي قام به لذلك فهي تعني القيام بأمر من امور الناس بما يصلحه. وفي الأصل اللاتيني تعني تدبير شؤون الدولة أو المدينة. فهي الإجراءات والطرق التي تؤدي إلى اتخاذ قرارات من أجل المجموعات والمجتمعات البشرية.

وتعرّف السياسة أيضا بأنها كيفية توزع القوة والنفوذ ضمن مجتمع ما أو نظام معين.

وان السياسة هي العلاقة بين الحكام والمحكومين، وانها الدولة و كل ما يتعلق بها من شئون مختلفة، وانها السلطة الكبرى في المجتمعات الانسانية و كل ما يتعلق بظاهرة السلطة.

واصطلاحًا تعني رعاية شؤون الدولة الداخلية والخارجية، وتعرف إجرائيًا حسب هارولد لاسويل عالم الاجتماع الأمريكي بأنها دراسة السلطة التي تحدد من يحصل على ماذا، متى، وكيف. ووفق العالم السياسي الأمريكي فان السياسة هي (دراسة تقسيم الموارد في المجتمع عن طريق السلطة).

وعرفها الشيوعيون بأنها دراسة العلاقات بين الطبقات، وعرف الواقعيون السياسة بأنها فن الممكن أي دراسة وتغيير الواقع السياسي موضوعيًا وليس الخطأ الشائع، وهو أن فن الممكن هو الخضوع للواقع السياسي وعدم تغييره بناء على حسابات القوة والمصلحة.

وتعبر السياسة عن عملية صنع قرارات ملزمة لكل المجتمع، تتناول قيم مادية ومعنوية وترمز لمطالب وضغوط، وتتم عن طريق تحقيق أهداف ضمن خطط أفراد وجماعات ومؤسسات ونخب حسب أيدولوجيا معينة على مستوى محلي أو إقليمي أو دولي.

والسياسة هي علاقة بين حاكم ومحكوم وهي السلطة الأعلى في المجتمعات الإنسانية، حيث السلطة السياسية تعني القدرة على جعل المحكوم يعمل أو لا يعمل أشياء سواء أراد أو لم يرد. وتمتاز بأنها عامة وتحتكر وسائل الإكراه كالجيش والشرطة وتحظى بالشرعية.

ومع أن كلمة سياسة ترتبط بسياسات الدول وأمور الحكومات فإنها يمكن أن تستخدم أيضًا للدلالة على تسيير أمور أي جماعة وقيادتها، ومعرفة كيفية التوفيق بين التوجهات الإنسانية المختلفة والتفاعلات بين أفراد المجتمع الواحد، بما في ذلك التجمعات الدينية والأكاديميات والمنظمات.

أما علوم السياسة فهي دراسة السلوك السياسي وتفحص نواحي وتطبيقات هذه السياسة واستخدام النفوذ، أي القدرة على فرض رغبات شخص ما على الآخرين.

وختاما يمكن تعريف السياسة بالمعنى الهدفى بأنها العلم الذي يهدف إلى تقديم السبل والمناهج المختلفة من أجل تدبير شؤون الدولة في الداخل وفي علاقاتها مع الخارج (دول، منظمات وغيرها من أجل تحقيق أهدافها على المدى القصير والمتوسط والطويل).

نظرة تاريخية حول العلاقة

لقد كانت اشهر المحاولات لرصد علاقة الاخلاق بالسياسة والتنظير لها تعود الى افلاطون وارسطو وسقراط.. فرجل السياسة عند هؤلاء ما هو الا رجل حكيم يطبق ما تمليه عليه اخلاقه وفلسفته وفضائله.. وثمة أوجه اتصال بين الاخلاق والسياسة لا يمكن فصل أحداهما عن الأخرى..

لقد بدأ افلاطون فلسفته السياسية من حيث انتهت فلسفة سقراط، لذلك غلبت على محاوراته الأخلاقية تلك الروح السقراطية التي تميل الى تقديس الواجبات والقوانين المتوارثة من حيث كونها حقائق الهية مطلقة..

كان افلاطون متأثرا باستاذه سقراط فجاءت فلسفة افلاطون الأخلاقية والسياسية امتدادا لسقراط. حيث رأى ان الاخلاق التي حاول سقراط البحث عنها تتناول جميع مشكلات الدولة اليونانية، لهذا انتقد النسبية السفسطائية واقام كلا من نظريته الأخلاقية والسياسية على العدالة، واقام جمهوريته على الأسس الفضائل التي تمثل الفرد، فكان الفرد لديه هو وحدة مصغرة من الدولة التي يعيش فيها..

كما حاول جاهدا ان يحدد السمات الأخلاقية لحاكم مدينته، وكان الفيلسوف هو أحق الناس بتولي زمام الحكم في هذه الدولة، اما ارسطو فكان مبدأ الغاية لديه هو قوام السياسة والأخلاق على حد السواء.. نظرياته في السعادة والخير الأقصى والفضيلة كانت هي أعمدة دولته القويمة..

اما ارسطو فدائما ما يرجع المؤرخون انه اول من وضع أسس الفلسفة الأخلاقية وربطها بالسياسة، فهو اول من وضع مذهبا أخلاقيا متكاملا، وعرض ذلك في كتابه الاخلاق، ولم يكتف بذلك بل ربط علم السياسة بالأخلاق، ورأى ان كليهما يندرج تحت القسم العملي من تصنيفه للعلوم، فالسياسة عنده هي العلم الاسمى الذي تخضع له دراسة الخير الاسمى واستخدامه، ولا يمكن للإنسان تحقيق طبيعته الا في الدولة وبواسطتها، وأيضا لا يمكن للسلوك الأخلاقي ان يكون خيرا دون مساعدة قوانين الدولة، فهي بلا شك التي تبين القاعدة بصورة دائمة وتمتلك سلطة قاصرة عند غياب الفضيلة، كما ان علم الاخلاق لديه ليس مستقلا عن السياسة، فالسياسة ترتبط به في هدفها، وكذلك وسائلها فكلاهما يهتم بالفرد، من ناحية حياته الخاصة وسعادته وعلاقته بالمدينة..

لممارسة هذه الأخلاق لاحظ أرسطو أنه من الضروري أن يعاد تشكيل الإنسان الجيد ليكون مواطنا جيدا، وهذا لا يتم في نظره إلا في مجتمع جيد وفي ظل قوانينه. فوجود الدولة ضروري، حسب أرسطو وغيره، وضرورتها مرتبطة بالحياة الأخلاقية نفسها، لأن الدولة والمجتمع هما القاعدة التي يقوم عليها النشاط الحر والفعلي للأخلاق، وهما اللذان يخلقان للفرد هوية، فدون مجتمع أو دولة لا يكون للفرد وجود. او كما يعبر أحد المفكرين الايطاليين (نحن نخدم الدولة لأنها ضرورية، لكننا لا نحب الدولة ولا يمكن لنا أن نحبها، لا يمكن أن نحب إلا الوطن الذي يعد رمز القيم الأخلاقية والدينية التي تتجاوز الدولة).

السلطة والأخلاق الجماعية

وتبرز الحياة السياسية في الوقت الذي يصبح فيه الإنسان مجبرا على التعايش مع عدد آخر من الأفراد، بحيث نمر من المجال الخاص للفرد إلى الـمجال العام للسياسة. وتحدد الأخلاق، بعبارات الخير والشر، نوايا وأفعال وأعمال فرد معين بذاته أو في علاقته مع أفرد آخرين، فهي مجموع –أحيانا متماسكة وأحيانا أخرى مجتمعة فقط– من التقاليد والعادات والطبائع وطرق العيش والأحاسيس والآراء المكتسبة والأعمال المنجزة.

الأخلاق مسألة خصوصية تنطلق من الفرد، أما القيم التي تحدد أخلاق مجموعة فهي جماعية، الأولى مطلقة ولا تقبل أي خرق أو انتهاك، في حين تعد الأخلاق الجماعية نسبية ومتغيرة. أما السياسة فهي نظام مفروض من الخارج على مجموع الأفراد. هذا النظام يعد خيرا مشتركا للمجموعة وشرطا لوجودها وحياتها السلمية. والسلطة هي أولا وقبل كل شيء حارسة الأخلاق، وفي نفس الوقت ملزمة باحترام الأخلاق الجماعية (أي المواقف الجماعية للمجتمع) والأخلاق الفردية. فالسياسة لها بعد جماعي، تصدر قواعد اجتماعية وإن كانت مرتكزة على ضمائر فردية. والطابع الجماعي للسياسة يجعلها تكتسب فعالية اجتماعية لا يمكن أن تكتسبها الأخلاق، كون الأخلاق نفسها لا يمكن نقضها ولا تحتمل أية تسوية. فإما أن نكون أخلاقيين بصفة مطلقة وكاملة أو لا نكون نهائيا.

وإذا كان البعض يعتبر أن مصدر الأخلاق مختلف عن مصدر السياسة، إذ القانون الأخلاقي مستقل نخضع فيه لإلزام وضعناه نحن أنفسنا، أي عن طريق الإحساس، في حين نخضع في القانون السياسي لقاعدة مفروضة علينا من طرف قوة عامة (سلطة تشريعية قد تسمى حكومة أو برلمان أو مجلس بلدي) على اعتبار أن السياسة قضية إلزام أو إكراه فإننا نستنتج، مما جاء به ماكيافيلي أنه لا يوجد تعارض بين أوامر السياسة وأوامر الأخلاق، كلاهما في نظره، ينبع من الطبيعة الإنسانية وضروراتها، حيث لا يمكن للأخلاق الصادرة عن الطبيعة الإنسانية أن تدين الأعمال التي تسعى للحفاظ على هذه الطبيعة. وبالتالي لا يمكن أن نعتبر القانون السياسي قانونا أساسيا والقانون الأخلاقي تكميليا.

السلطة والاكراه

في القرن السابع عشر تم التمييز بوضوح بين الأخلاق والسياسة. ففي السابق كان دور الدولة ذا بعد أخلاقي، وبعدها أصبح ذا طبيعة منفعية، فكل ارتباط عميق بين الفرد والجماعة من أجل التحسين الأخلاقي –الفردي والجماعي– تمت القطيعة معه كليا. فمفكر القرن السابع عشر لم يعد يؤمن بأن العدل هو أساس القانون الوضعي وشرعيته، بل في نظره لم توجد القوانين الموضوعة لحياة الجماعة والبنيات السياسية إلا لأهداف منفعية خاصة، فالدولة أفرغت من كل محتوى أخلاقي منذ الوقت الذي لم نعد نطالبها فيه بتحقيق القيمة الأخلاقية وهي الخير المشترك، وإنما تكوين جهاز خارجي ضروري لضمان حياة اجتماعية آمنة، بل هناك من لا يرى في السياسة سوى البحث عن استخدام القوة العامة الفاعلة لغرض وضع نظام مشترك أو الحفاظ عليه. فالسياسة تتعلق بالمظاهر الخارجية للوجود المشترك، وكل ما يحتفظ به الإنسان في داخله لا يهم السياسة في شيء، إلا أن السياسة في جوهرها لا تنفصل عن هدفها الذي هو السلم والنظام السلمي.

يرى هوبس أنه (لا توجد أخلاق حيث لا توجد سياسة) لأن الوجود الأخلاقي عنده لا يبدأ إلا بالوجود السياسي، والسلطة السياسية التي تستطيع الإكراه بالقوة هي القادرة على فرض طابع الإلزام خارج مفاهيم الخير والشر، العدل والظلم، باختصار هي التي تضع القانون المتعلق بالنظام السياسي الذي تستمد منه الأخلاق. وهكذا فإن القانون هو الذي ينتج الأخلاق وليس العكس. والخير والشر كقيم أخلاقية يتم حكمها بالعدل والظلم كقيم سياسية، هذه القيم التي لا تنبع إلا من الملك وتأخذ شرعيتها من الطابع المطلق لسلطته، إذ هو مصدر القانون والأخلاق، وعنده توجد وحدة السياسة والأخلاق توافق القوة والعدل إلى جانب السلطة والحكمة. إلا أن هوبس سيتوصل في النهاية إلى أن السياسة وإن كانت فعالة مؤقتا إلا أنها غير كافية لتأسيس الأخلاق لأنها لا تستطيع أن تحقق لا الرضى ولا الإقناع ولا الموافقة ولا حتى التفاهم.

أما روسو فيؤكد أن (القانون لا ينظم الأخلاق فقط وإنما هو الذي يخلقها، لأنه إذا ضعف التشريع انهارت الأخلاق)، بمعنى أن السياسة لا تقضي على الأخلاق وإنما هي التي توجدها نظرا لعدم قيام أي نشاط سياسي أو اقتصادي بمعزل عن الأخلاق. وهو الشيء الذي يؤكده كانط عندما يقول إنه (ينبغي أن لا ننتظر من الأخلاق أن تعطينا الدستور السياسي الجيد وإنما على هذا الأخير أن يكوِّن الشعب تكوينا أخلاقيا، فدستور الدولة يقوم في نهاية المطاف على أخلاقية الشعب وهذه الأخلاقية بدورها لا يمكن أن تجد جذورا حقيقية لها إلا في دستور جيد). وغالبا ما كان يعني هؤلاء المفكرين بالأخلاق، الأخلاق الجماعية وهي قواعد مخالفة للأخلاق الفردية وإن كانت مقبولة من طرف أغلبية الأفراد وتندمج بدون أدنى صعوبة في قيمهم الفردية الخاصة. والقانون بصفة عامة هو انعكاس ونتيجة لهذه الأخلاق الجماعية، وإذا كانت هذه الأخلاق أقل وضوحا من الأخلاق الفردية فإنها على العكس من ذلك أكثر إلزامية من القانون.

الأخلاق ضرورية لممارسة السلطة

نحن اذن إزاء فريقين في هذا الجدل المستمر، ففريق يرى أن السياسة القائمة على الأخلاق هي أفضل السياسات الممكنة، فالأخلاق هي الشرط الأساس لجعل سياسة ما عادلة، ولا يتصورون أن تكون السياسة كذلك إذا خالفت أبسط القواعد الأخلاقية كالصدق والأمانة والأثرة. فإذا كانت السلطة السياسية تدار عن طريق تفويض، وهو النموذج المؤسسي الأكثر استقرارا في الديمقراطية التمثيلية، فإنها تستوجب الثقة، لأن المواطنين لا يمكن أن يعهدوا بإرادتهم إلى نوّاب إلا إذا كان هؤلاء يمارسون عهدتهم بأمانة، ويسعون حقا للصالح العام، ويعبرون في أقوالهم وأفعالهم عن إرادة المواطنين، دون أن يستغلوا موقعهم لخدمة مصالحهم الشخصية.

ومن ثمّ، فالأخلاق في رأيهم ضرورية لممارسة السلطة السياسية لكي لا تنحرف عن غاياتها، فتغدو خاضعة للأهواء، وتتحول إلى أداة لتحقيق أهداف شخصية، لأن السياسة الجيدة هي سياسة عادلة، ومن ثمّ لا يمكن للسلطة السياسية أن تمارَس دون أن تستند إلى تحديد دقيق لما هو حق، أو جيّد، أو عادل، وتلك غاية الأخلاق.

وفريق ثان يعتقد أن السياسة تعني مجمل المؤسسات والأعمال التي تنظم المجتمع، وتسمح للدولة بتسييره وتوجيهه الوجهة المناسبة، ما يعني أن هدف السياسة النجاعة، كأن تعمل على تجنّب النزاعات أو حلّها، والسير بالمجتمع نحو غاية تحددها الدولة. ومن ثمّ، فالسياسة الجيدة هي سياسة فعّالة في المقام الأول، تنتج الآثار المرجوة أو المنشودة، ولا سبيل عندئذ إلا بفصل الأخلاق عن السياسة، لأن مهمة السياسة في رأي هذا الفريق هي التصرف في شؤون الدولة، بينما الأخلاق هي من مسؤولية الأفراد، فليس بالعواطف النبيلة تحقق الدولة ما ترجو، لاسيما في غياب مبادئ أخلاقية كونية وموضوعية يلتقي حولها الجميع.

ولا مجال عندئذ إلا بتخيّر أحد أمرين: إما إقصاء الأخلاق من الحقل السياسي، وإما استبعاد السياسة عن الأخلاق لكي تضمن فعاليتها، استنادا إلى ما نظّر له ماكيافيلي في كتابه (الأمير)، حين وقف بوضوح مع الجدوى ضد الأخلاق، حجته في ذلك أنه لما كانت غاية ممارسة السلطة هي الاستقرار، فإنها تبلغ تلك الغاية بالقوة لا بالعدل، والخير في رأيه ألا يفي الحاكم بوعوده إذا لم تكن الظروف ملائمة، أو أن يضحّي ببريء عند الضرورة لإقرار السلم الاجتماعية. وهو ما تبناه من بعده الفيلسوف الأميركي روبرت نوزيك حين أكد أن الدولة لا يحق لها أن تتدخل في ما يرجع بالنظر إلى الأخلاق.

ويذهب أبعد من ذلك حين يعتبر أن تدخل السياسة في المسائل الأخلاقية قد يكون خداعا يراد منه إضفاء شرعية غير مستحقة على نظام سياسي، كمراقبة الحريات وما يتداول في أوساط المجتمع من أفكار. وهو ما ذهب إليه نيتشه أيضا في (جينيالوجيا الأخلاق). أي أن الأخلاق غريبة عن السياسة، التي ينظر إليها فقط كعامل ضبط وتعديل.

وهناك فريق ثالث يرى أن السياسة ليست ملكا للدولة وحدها، بل للكيفية التي يشارك بواسطتها المواطنون أيضا، وأفضل السياسات الممكنة ليست الأنجع ولا الأعدل، بل تلك التي تكون قادرة على تكوين مدينة حقيقية والحفاظ عليها. وبذلك تغدو الأخلاق ضرورية لوجود المجموعة السياسية، فالسياسة في الواقع لا تعني فقط مجمل الوسائل والمؤسسات التي تحكم الدولة بواسطتها، كما أن السلطة لا تمثل السياسة إذا قامت على القوة وحدها، بل لا تكتسب شرعيتها إلا بقبول المواطنين بها.

ومن هنا تكون أفضل السياسات هي تلك التي تسمح بخلق مجموعة، أي كيان سياسي يستند إلى روابط المواطنين فيما بينهم، والتزام كل واحد منهم بالحفاظ عليها. ولا يمكن لذلك الالتزام أن يتم إلا متى قبل كل فرد بعدم تلبية مصلحته الخاصة بشكل آلي، والتخلي عنها لفائدة المصلحة العامة. فلا سياسة حقيقية من دون التزام حميم لكل فرد نحو المجموعة التي ينتمي إليها، واقتناع الأفراد جميعا بانتمائهم إلى مجموعة. وهذا ما اقترحه الأميركي جون رولز حين دعا إلى توافق حول مفهوم للعدل يمرّ عبر نقاش عامّ تضع إثره المجموعة الوطنية المبادئ المشتركة للعدل بصرف النظر عن القناعات الأخلاقية المختلفة لهذه الفئة أو تلك.

ان السياسة والاخلاق كلتاهما تستهدفان تمليك الناس رؤية مسبّقة تجعل لحياتهم هدفا ومعنى، وبالتالي تلتقيان على الدعوة لبناء نمط معين من المبادئ والعلاقات الإنسانية والذود عنهما، لكنهما تفترقان، في أن طابع المبادئ والعلاقات التي تعالجها السياسة، تختلف نوعيا عن تلك التي تتناولها الأخلاق.

صفوة القول إن الأخلاق هي أفضل السياسات، فهي شرط أساس لوجود مجموعة سياسية حقيقية، ينجم عنها كل ما هو خيّر، فشرعية ممارسة السلطة، وعدالة السياسات المتبعة، ونجاعتها، يمكن أن تحظى عندئذ بانخراط كل فرد في مشروع مشترك.

* مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2024
http://shrsc.com

.......................................
احالات ومصادر
السياسة والأخلاق / عزيز الحدادي
علاقة السياسة بالأخلاق / نجية بن يوسف
جدلية الأخلاق والسياسة / عبد الحكيم قرمان
رولز بين الأخلاق والسياسة / عبد الله المطيري
بين الأخلاق والسياسة / د. فايز رشيد
فلسفة الاخلاق وعلاقتها بالعلوم الأخرى / امال عبد الله عطية
جدلية العلاقة بين الاخلاق والسياسة.. افلاطون وارسطو نموذجان / منى عبد الرحمن – الهام محمد محمود

اضف تعليق