لقد اصبحنا في غابة.. ضاع فيها كل شيء، وتساوى فيها العالم والجاهل، صانع المسك وحامله، وبتنا مضطرون للصمت لا عجزا ولا كسلا؛ وانما اتقاء شر معلوم أو مال مدفوع.. حتى أصبح الواقع المدفون يقول: هناك مؤلف غيبه الزمن، وقارئ قهره الحال.. حتى يختار الزهد والابتعاد عن كل ما...

عدد كبير من (المؤلفين) لم تعد بهم حاجة إلى اشغال اذهانهم وانتقاء كلماتهم أو الحذر من الأخطاء اللغوية والاملائية والتعبيرية و(الإشكالات السياسية)، فهناك من يتولى نيابة عنهم القيام بمهمة (التأليف)، وما عليك إلا أن تدفع مالا يتم الاتفاق عليه وطبيعة ما تريد (تأليفه)، سواء كان رواية أو ديوان شعر أو مقالات في الحقل السياسي أو العلمي أو المعرفي أو النقدي الذي تختاره..

كما يمكنك الحصول على شهادة الماجستير أو أطروحة الدكتوراه؛ ما دمت تملك مالا تغدقه على (كتاب نافع تقربا من الله وإلى منفعة الناس، ونشر العلم بينهم أو تقربا إلى حبيب)!

مكاتب عديدة مجازة رسميا وموجودة في الباب المعظم وشارع المتنبي وقرب كلية الاداب وكلية الفنون في بغداد، ومثلها في المحافظات، كما أن هناك أسماء متداولة بين (الأدباء) و(الأكاديميين) يتولون مهمة (التأليف) عن طيب خاطر.

كذلك.. انتشرت ظاهرة (جمع وتحرير وتقديم) عدد من المقالات (الاخوانية) التي تنشرها الصحف والمجلات ومواقع التواصل الاجتماعي، ليتولى أحد الكتبة مهمة طبعه على حساب (الأديب ـ صاحب المقالات) مقابل ثمن، لتبدو وكأن المسألة جهد (علمي ومعرفي ونقدي) لشخص بعينه بحث واستقصى ودرس (اديبا) بعينه، ليصدر عنه كتابا مطبوعا، أو يأخذ عن (رواياته وقصائده) رسالة أو أطروحة جامعية، من دون أن تكون للمشرف أو لجنة المناقشة معرفة ـ حتى لو كانت أولوية ـ عن هذا (المبدع الكبير)، الذي يتناوله الطالب الجامعي بالدراسة لنيل الشهادة العليا، ومن ثم ليتولى تربية الأجيال القادمة بعدئذ.

نعم.. بات من السهل جدا، أن يصبح المرء: روائيا أو قاصا أو شاعرا أو باحثا أو ناقدا وحتى محللا سياسيا أو فنانا تشكيليا وحسب الطلب وعلى قدر (المشقة) وقدر (العطاء)!

وتسهل اجهزة الطباعة الحديثة مهمة اخراج ما تريده من طبع كتاب، يحمل اسمك من دون أن تكلف نفسك حتى على قراءته وليس تأليفه!.

المهم أن تجده متداولا بين أيدي الأصدقاء والمحبين والمكتبات ومعارض الكتب الدولية..

مهمة (المؤلف) مرهونة بدفع المبلغ النقدي المرتفع والمتفق عليه، ولا شيء باهظا أو مرتفعا أمام أن تحمل لقب (دكتور) أو (أديب/ روائي/ شاعر/ ناقد/ باحث).

وفي المعلومة ان لجنة من الخبراء، انتقاها اتحاد الادباء والكتاب في العراق، ولأول مرة قبل عامين، اخذت مهمة مقابلة كل من يتقدم إلى طلب عضوية الاتحاد، تناقشه هذه اللجنة بكتابة المطبوع، وما اذا كان يمتلك الثقافة التي تؤهله وتكشف عن قدراته المعرفية والابداعية، لكي يكون عضوا في الاتحاد..وهي خطوة موفقة ومبادرة إيجابية للاتحاد.

وكذا الامر في الجامعة، فقد عمد عدد محدود من الأساتذة الرواد على اختيار احد الطريقين: اما مناقشة الطالب مناقشة علمية تفصيلية لرسالته أو أطروحته، ومواجهة شتى الضغوط الخشنة واحتمال الأذى.

او الاعتذار كليا عن لجان المناقشة هذه بشتى السبل، اتقاء هذه الضغوط وهذا الأذى من دون التضحية بسمعتهم الأخلاقية والعلمية والمبدئية.


كل هذه الاستعدادات ما بين (مؤلفين) لا يؤلفون و(أكاديميون) لا علاقة لهم بعلمية رسائلهم واطروحاتهم العلمية.. فكلها مرهونة بقيم مهدورة يمارسها (محترفو الكتابة السلعية) والذين يمارسون هم بدورهم العودة إلى أبحاث اكاديمية قديمة أو الاستعانة بمواقع التواصل الاجتماعي، التي تسهل عليهم مهمة النقل والبحث من دون مساءلة قانونية أو أدبية أو علمية ؛ ما دام الجميع متفقين على أن المال لقاء مهماتهم، التي من بينها سكوتهم عن كشف الحقائق التي يعرفون تفاصيلها جيدا.. فالمال كما يقال يعمي الابصار، ومن لا بصيرة له، لا بصر له.

لقد اصبحنا في غابة.. ضاع فيها كل شيء، وتساوى فيها العالم والجاهل، صانع المسك وحامله، وبتنا مضطرون للصمت لا عجزا ولا كسلا ؛ وانما اتقاء شر معلوم أو مال مدفوع.. حتى أصبح الواقع المدفون يقول: هناك مؤلف غيبه الزمن، وقارئ قهره الحال.. حتى يختار الزهد والابتعاد عن كل ما ينغص الحياة الآمنة.. فعلام نعلم وعلام نعلم، ما دامت الأمور تتساوى فيها الحنطة والزؤان؟!.

اضف تعليق