بنتائج خالفت أكثر التوقعات في واحده من أقوى السباقات الرئاسية وأكثرها إثارة في التاريخ الأمريكي، تمكن المرشح الجمهوري "دونالد ترامب" من سحق منافسته الديمقراطية "هيلاري كلينتون" في السباق الرئاسي الذي جرى الثلاثاء الماضي 8/نوفمبر2016.

وتقدم دونالد ترامب على هيلاري كلينتون في أصوات المجمع الانتخابي الذي يحتاج أي من المرشحين إلى 270 من أصواته الإجمالية البالغة 538 صوتا للفوز بمنصب الرئاسة الأمريكية. وقد تمكن الرئيس الجديد للولايات المتحدة الأمريكية من جمع غالبية اصوات المجمع الانتخابي بعدد يصل إلى أكثر من 290 صوتاً مقابل 232 صوتاً للمرشحة الديمقراطية "كلينتون".

وبمجرد فوز دونالد ترامب بكرسي الرئاسة رجعت الذاكرة السياسة والإعلامية إلى دعايته الانتخابية المثيرة للجدل والمتهورة -كما وصفها البعض-، لاسيما وأن ترامب اتبع دعاية انتخابية غير مسبوقة في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية من أجل الوصول إلى البيت الأبيض.

وبعد حملة انتخابية صاخبة حافلة بالتصريحات الهجومية والوعود والجدل والفضائح الجنسية، شق ترامب طريقه إلى البيت الأبيض. وخلال حملته الانتخابية تلك، قطع الرئيس المنتخب عدة وعود تعهد بتنفيذها، منها ما يخص أميركا، ومنها ما يرتبط بالعالم والشرق الأوسط.

وقد تعهد الرئيس الجديد في حملته الانتخابية العمل على تفكيك الاتفاق النووي الذي أبرمته إيران مع الدول (5+1)، والذي وصفه "ترامب" بالاتفاق الأسوء في التاريخ؛ لأنه سوف يمّكن إيران من حيازة القنبلة النووية، ووعد أيضاً بإنهاء تنظيم "داعش" في الشرق الأوسط، إذ قال إنه -وفور وصوله- إلى البيت الأبيض سيطلب من إدارته إعداد خطة خلال 30 يوما للقضاء على تنظيم داعش، متهماً اوباما وكلينتون بتأسيس التنظيم في المنطقة؛ بسبب سياستهم الخارجية، وإلغاء قانون أوباما الصحي أو ما يُعرف بـ"أوباما كير"، ومنع المسلمين من دخول الولايات المتحدة الأمريكية في خطابه عقب هجوم "سان بيرناردينو" إذ قال إنه سيقوم بـ"إغلاق وحظر كامل على المسلمين من دخول الولايات المتحدة الأمريكية إلى حين معرفة ما الذي يجري".

وترحيل الملايين من المهاجرين غير الشرعيين من أمريكا، ومنع توطين اللاجئين السوريين، فضلاً عن تهديده لبعض الدول ضمن استراتيجيته المعادية للهجرة والمهاجرين، والتي هدد بشطبها من برامج الفيزا الأميركية إن رفضت سحب اللاجئين غير الشرعيين الذين ارتكبوا جرائم في الولايات المتحدة. وانشاء جدار على الحدود الأمريكية المكسيكية لمنع دخول المهاجرين، وأن المكسيك هي من ستدفع ثمن هذا الجدار. وكذلك توعد ترامب أثناء حملته الانتخابية بانه سيرجع العظمة الأمريكية مجددا، بالرغم من عدم شرحه لطريقة إعادة العظمة لأميركا من جديد، وهل أن أميركا فقدت العظمة بالفعل، لكي يعمل ترامب على استرجاعها؟.

كذلك تعهد ترامب بالانسحاب من الشراكة عبر المحيط الهادئ؛ وذلك عن طريق "إنهاء الشراكة الاقتصادية الاستراتيجية عبر المحيط الهادئ المعروف باسم Trans-Pacific Partnership، التي تشارك فيها 12 دولة بما فيها الولايات المتحدة، لكنها لم تصدق بعد من قبل الكونغرس". فضلاً عن ذلك فقد تعهد ترامب بحبس" هيلاري كلينتون، إذ قال بأنه إذا ما فاز في الانتخابات الرئاسية بأنه سيطلب من المدعي العام النظر في "الرسائل الإلكترونية المفقودة" لكلينتون خلال فترة عملها كوزيرة للخارجية الأمريكية.

وبما أن الولايات المتحدة الأمريكية دولة مؤسسات، لا يمكن للاجتهادات الشخصية والأهواء المزاجية أن تشق طريقها وتقفز فوق القانون والدستور والمؤسسات، فضلاً عن سمعة ومصلحة الولايات المتحدة وثوابتها السياسية، واستراتيجيتها الشاملة على الصعيد الداخلي والخارجي. ولهذا فأن بعض العهود التي قطعها ترامب خلال حملته قد تصطدم بالمؤسسات الأمريكية مثل (الكونغرس والدستور والقضاء الأمريكي) والبعض الآخر قد يصطدم بالمصالح الخارجية والإرادة الدولية وحلفاء الولايات المتحدة في الخارج، على الرغم من أن بعض العهود ممكنة التطبيق، وأن الرئيس الأمريكي يمتلك القوة على تطبيقها -القوة القانونية والسياسية-.

وعلى سبيل المثال، وبمجرد فوز ترامب في السباق الرئاسي فقد تراجع عن فقرة حظر دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة، وقد حذف فريقه هذه الفقرة من حسابه على الأنترنيت. وكان ترامب أصلاً لطّف موقفه من المسلمين في الاشهر الاخيرة من الحملة، قائلاً "إن الحظر يجب أن يكون على الهجرة من البلدان ذات الصلة بالإرهاب لا على المسلمين تحديداً". وإذا أصر الرئيس على تطبيق حظر على دخول المسلمين الى أميركا، "يمكن أن يواجه طعناً باعتباره غير دستوري أو مخالفاً للقانون المعمول به، بحسب خبراء قانونيين"؛ لأن صلاحية الرئيس ممكن أن تطبق على بعض المسلمين الذين يعيشون في مناطق خاضعة لحكم تنظيم داعش؛ لكون أن قوانين الهجرة تتيح بعض حرية التصرف على أسس حماية الامن القومي.

فضلاً عن أن مراقبة المساجد في الولايات المتحدة تتطلب اعادة تفسير قضائية للحمايات والحقوق الدستورية. وقد يتراجع ترامب عن كثير من وعوده الانتخابية، ولاسيما تلك المتعلقة بدخول المسلمين وبناء جدار عازل مع المكسيك؛ لأن الرئيس الجديد لا يملك القوة أو السلطة القانونية أو السياسية التي يجبر بها المكسيك على بناء الجدار ودفعها للأموال في سبيل بناءه.

كذلك الصعوبة تتعلق بتفكيك الاتفاق النووي، الذي سيجبر الولايات المتحدة -في حال أصر ترامب على تفكيكه- على المقاطعة مع الدول الكبرى التي ابرمت الاتفاق مع الولايات المتحدة، وهذا سيضر بسمعة الولايات المتحدة كثيرا، فضلاً عن أن تفكيك الاتفاق يتوقف على عدم التزام إيران ببنود الاتفاق وليس على الطرف الأمريكي أو الطرف المفاوض الأخر فقط، ويتوقف ايضاً على الإرادة التوافقية للدول الكبرى. وأن أميركا بالتأكيد لا تريد أن تدخل في حالة انقطاع سياسي مع هذه الدول وتضّحي بعلاقاتها الخارجية الجيدة معها في سبيل تفكيك الاتفاق الذي أقرته الأمم المتحدة.

وقد تكون وعود الرئيس الجديد ممكنة التنفيذ فيما يتعلق بإلغاء المراسيم التنفيذية غير القانونية التي أصدرها أوباما، وبعضها يتطلب الرجوع إلى الكونغرس مثل تلك المتعلقة بإبطال قانون الرعاية الصحية بأسعار معقولة، وفرض رسوم على الشركات التي تنقل عملياتها إلى الخارج، وانهاء التشريعات التي تحد التلوث وانتاج الفحم وانهاء المناطق الخالية من الاسلحة في المدارس، فضلا عن إعادة التفاوض مع إيران على برنامجها النووي، الذي يتطلب كذلك الرجوع إلى الكونغرس.

أما فيما يتعلق بمحاسبة ومحاكمة كلينتون، هناك اعتقاد كبير بأن هذا الوعد سيتم تلافيه مع مرور الوقت؛ لما له من تداعيات كبيرة على سمعة الولايات المتحدة، وأن هذا الوعد في حال تم تفعيله سوف يصّور بانه انتقام سياسي من خصم ومنافس انتخابي، وهذا لا يليق بسمعة الولايات المتحدة وديمقراطيتها العريقة. وأن صحيفة ("واشنطن بوست" حذرت من أن خطوة كهذه تنطوي على أخطار سياسية، وتهدد فرص ترامب في توسيع قاعدته الى ملايين الاميركيين الذين لم يصوتوا ضده، وخصوصاً بعد قوله في خطاب النصر أنه "رئيس لجميع الاميركيين").

وبما يخص القضاء على تنظيم "داعش" فأن للرئيس الأمريكي صلاحية كبيرة في ذلك؛ لكونه القائد الأعلى للقوات المسلحة ويمتلك قوة قانونية وسياسية في تحريك القوات العسكرية سواء إلى سوريا او العراق، إلا أن تحريك القوات الأمريكية إلى هذه الدول يتناقض مع مبدأ ترامب المعلن، والقاضي إلى تقليل الانفاق العسكري الخارجي، وقد تصطدم رغبة ترامب هذه بالكونغرس؛ لأنه حينها سيكون بحاجة إلى موافقة الكونغرس في تحريك القوات الأمريكية، فضلاً عن الزيادة في التمويل والزيادة الكبيرة في الانفاق العسكري، التي تحتاج إلى موافقة مسبقه من الكونغرس أيضاً.

ولهذا فان ترامب قد يواجه معارضة شديدة حتى من قبل الجمهورين في حال لم يضع البديل الناجح أو في حال اصراره على تنفيذ وعوده الانتخابية كنوع من قوة شخصيته السياسية او نوع من الايفاء بالوعد فقط دون الأخذ بعين الاعتبار التداعيات السياسية والاقتصادية والقانونية على الولايات المتحدة الامريكية (داخلياً وخارجياً)، كتلك الوعود المتعلقة بإعادة التفاوض على بعض الاتفاقات التجارية "نافتا" او غيرها من الاتفاقات والاحلاف العسكرية "الناتو" التي، ولربما تعرض الأسهم الاقتصادية الأمريكية إلى خطر كبير.

ولهذا ربما تكون أكثر وعود دونالد ترامب مجرد وعود انتخابية استطاع من خلالها التسلق إلى رئاسة البيت الأبيض بنجاح، وقد يكون ترامب أكثر عقلانية من السابق. وهذا ما تبلور بالفعل عندما القى خطابه الرئاسي والتقى بالرئيس المنتهية ولايته "اوباما" في البيت الأبيض وشكره على قيادته للولايات المتحدة، وأنه سيستعين به في رئاسته كرئيس لأميركا، كذلك الشكر الذي قدمه ترامب إلى خصمه المرشحة هيلاري كلينتون بعد الفوز.

كل هذا يعكس حالة التغيير في شخصية ترامب وخطابه السياسي، الذي يؤشر على أن الرئيس الجديد لا يمكن أن يفي بكامل العهود التي قطعها على نفسه وأمام جماهيره، وذلك لأسباب واقعية براغماتية، لاسيما وأن خطابه الاول كان مطمئناً وعقلانياً وازال بعض المخاوف الداخلية والخارجية.

* مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2016
www.fcdrs.com

اضف تعليق