تمر العلاقات السياسية بين تركيا من جهة وأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى بواحده من أسوء فتراتها، لاسيما بعد أن قرر البرلمان الأوروبي تجميد المفاوضات التركية بشأن دخولها إلى الكتلة الأوروبية. ويذكر أن الجمهورية التركية تقدمت بطلب رسمي للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في (14 نيسان عام 1987م). ووقعت اتفاقية اتحاد جمركي مع الاتحاد الأوروبي في (31 كانون الأول عام 1995م). وفى (12 كانون الأول عام 1999)، اعتُرف بتركيا رسميا كمرشح للعضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي.

وقد أثار طلب العضوية هذا جدلا كبيرًا خلال عملية توسيع الاتحاد الأوروبي. ومنذ ذلك التاريخ وتركيا تنتظر صك الدخول إلى الكتلة الأوروبية، إلا أن المعوقات السياسية والتاريخية والاقتصادية، فضلاً عن المعوقات الديموغرافية كانت حائلاً امام تحقيق الحلم التركي. فتركيا تاريخياً كانت تمثل عمق التاريخ الإسلامي لمدة تزيد أكثر من ستة قرون متمثلة بـ"الدولة العثمانية" قبل تفكيكها كرجل مريض وفقاً لاتفاقية سايكس-بيكو. وكثيرا ما تثير الديانة الرسمية في تركيا اشمئزاز ومخاوف الاوروبيين؛ وذلك بسبب طابعها الإسلامي، لاسيما مع تولي حزب العدالة والتنمية ‘‘الحزب الحاكم‘‘ مقاليد الحكم وجر البلد إلى حكم إسلامي طائفي وعنصري نوعاً ما.

كذلك تتزايد المخاوف الغربية من انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي؛ بسبب تركيبتها السكانية المتنوعة والمختلفة والكبيرة العدد، والتي قد تجعلها الدولة الثانية في الاتحاد بعد المانيا من حيث عدد السكان، وهذا يثير مخاوف دول أخرى في الاتحاد، الأمر الذي يعطي مخاوف اقتصادية للاتحاد ويتسبب في كثرة الأيدي العاملة الرخيصة في تركيا، والتي قد تجد في انضمامها للاتحاد فرصة كبيرة للعمل داخل أوروبا، مما يتسبب بتدني أجور العمل في أوروبا بشكل عام.

فضلاً عن المواقف الأوروبية الأخرى من تركيا سواء فيما يتعلق بعلاقاتها السياسية مع بعض دول الاتحاد، لاسيما مع اليونان وقبرص والمشاكل السياسية المتعلقة فيما بينهما على "جزر أيجه" أو ما يتعلق منها بعدم اعتراف تركيا بالمجازر التي ارتكبتها بحق الشعب الارمني خلال الحرب العالمية الأولى.

هذا الخلاف التاريخي بين تركيا وبعض دول الاتحاد الأوروبي، وبغض النظر عن المخاوف الأخرى التي تثيرها تركيا بعد دخولها الكتلة الأوروبية، عززت بمواقف سياسية خطيرة بعد الانقلاب السياسي الفاشل ضد الدول الأوروبية، والاتهامات المستمرة للولايات المتحدة ‘‘التي تعد من أكبر الدول الداعمة لانضمام تركيا للاتحاد الأوروبي‘‘، لاسيما بعد حملة الاعتقالات الواسعة التي نفذتها القوات التركية واقصاء الكثيرين من وظائفهم وما حملتها من تداعيات داخلية وخارجية كبيرة. ولربما تركيا قد فتحت باب الدخول إلى الاتحاد الأوروبي بعد اسقاط الطائرة الروسية فوق الأراضي السورية، إلا أن هذا الباب قد اغلقته بعد حملة الاعتقالات العشوائية والكبيرة التي طالت كل مؤسسات الدولة أثر الانقلاب الفاشل، فضلاً عن سياسة الرئيس التركي وطريقة تعاطيه مع الازمات الداخلية والإقليمية وطريقة اتهامه للغربيين والأوروبيين على حداً سواء، الأمر الذي عّقد المفاوضات الأوروبية التركية بشأن دخولها للنادي الأوروبي. كذلك فإن القارة الأوروبية باتت على يقين بأن الدولة التركية لا يمكنها تجاوز مشاكلها الداخلية والخارجية، الامر الذي يمكنها من دخول النادي الأوروبي.

هذا التجميد في المفاوضات قد يغّير خارطة التحالفات السياسية والاقتصادية للدولة التركية في المستقبل اتجاه أوروبا والولايات المتحدة بشكل عام، لاسيما إذا ما اصرت دول الاتحاد الأوروبي على تجميد المفاوضات التركية. وقد تكون ‘‘منظمة شنغهاي‘‘ وهي (منظمة اقتصادية لها بعد أمني واستراتيجي، ظهرت بشكلها الحالي في العام 2001 إلا أن نواتها مؤسسة بين روسيا والصين وبعض دول الاتحاد السوفيتي السابق منذ العام 1996).

البديل المناسب للأتراك والأكثر واقعية لهم، خصوصاً بعد أن صّرح الرئيس التركي في أثناء رحلته بالطائرة إلى أوزباكستان، إذ ذكر اردوغان لصحفيين من صحيفة ‘‘حرييت‘‘ أن تركيا يجب ألا تصر على الانضمام للاتحاد الأوروبي، مشيرًا إلى إمكانية انضمام أنقرة لمنظمة شنغهاي للتعاون، التي تشترك روسيا والصين في رعايتها. وأضاف أن تركيا تشعر بعدم الارتياح حيال مسألة انضمامها للاتحاد الأوروبي، وتساءل لماذا لا تنضم تركيا إلى منظمة شنغهاي؟ وقال أيضًا إن الانضمام للاتحاد الأوروبي ليس خياره الوحيد، وإنه يدرس مسألة العضوية في منظمة "شنغهاي" للتعاون مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الكازاخستاني "نور سلطان نزارباييف".

كل ذلك هو بمثابة مؤشرات على نفاذ الصبر التركي من سياسة المماطلة التي اتبعتها القارة الأوروبية حيال طلب تركيا في الانضمام للاتحاد، وقد تلتقي الرغبة التركية في الانضمام لمنظمة شنغهاي مع رغبة المنظمة نفسها، لاسيما بعد أن استقبلت الخارجية الصينية كلام الرئيس التركي بأريحية كبيرة وباهتمام بالغ، إذ قالت "إن الحكومة الصينية على استعداد للنظر في أي طلب تتقدم به تركيا للانضمام إلى منظمة شنغهاي الأمنية بقيادة بكين وموسكو بعدما عبرت تركيا عن رغبتها في الانضمام إليها"، وقال الناطق باسم الخارجية الصينية "تركيا شريك محاور مع التكتل وتعاونت معه عن كثب منذ وقت طويل وهو أمر تقدره لها الصين ونحن نعلّق أهمية كبرى على رغبة تركيا في تعزيز هذا التعاون".

وهذا ما قد يثير المخاوف الأوروبية والأمريكية بشكل عام، وربما تركيا قد تستخدم هذه الورقة ‘‘ورقة الانضمام لمنظمة شنغهاي‘‘من أجل أن تثني الاتحاد الأوروبي عن قراره الاخير في تجميد مفاوضات دخلوها إلى المحفل الأوروبي، لاسيما مع تصاعد مخاطر التيارات الشعبوية في أوروبا وأميركا، والمتزامنة مع فوز الرئيس الأمريكي المنتخب "دونالد ترامب" ومن قبله خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي، وتصاعد وتيرة تلك التيارات في فرنسا خلال الانتخابات التمهيدية. فضلاً أن تركيا أحد اعضاء حلف "الناتو"، وتربطها علاقات اقتصادية وتجارية كبيرة مع القارة العجوز.

وقد تتفاقم تلك المخاوف الأوروبية من الاصطفاف السياسي والاقتصادي للثلاثي "بوتين، ترامب وأردوغان"، والتي من شانها أن تهدد نموذج الاتحاد الأوروبي، لاسيما مع التقارب المطروح بين الرئيس الأمريكي المنتخب والرئيس الروسي، والتحسن السياسي بين اوردغان وبوتين بعد اعتذار الأخير عن اسقاط الطائرة الروسية للرئيس الروسي. وهذا ما اظهره جي فيرهوفشتات زعيم حزب "الليبرالي الديمقراطي" في البرلمان الأوروبي، إذ قال "إن ثلاثية بوتين وأردوغان وترامب تهدد نموذج الاتحاد الأوروبي".

ويعتقد البعض بأن "انضمام تركيا لمنظمة شنغهاي باتت مسألة استراتيجية بالنسبة لتركيا لمنحها المزيد من الاستقلالية عن سياسات الناتو، ولتعويض عدم قبولها في الاتحاد الأوروبي". لاسيما وأن تركيا قد انضمت للمنظمة في العام 2013 بصفة "شريك في الحوار". وقد يسهل انضمام تركيا إلى منظمة شنغهاي من هدفها "هدف المنظمة" السياسي والعسكري "في تشكيل حلف عسكري لمواجهة حلف الناتو" على الرغم من انها قد لا تصل إلى ثقل حلف الناتو العسكري، إلا أن منظمة شنغهاي تعد أكبر تكتل اقتصادي عالمي " تزيد ميزانيته عن 800 تريليون دولار" وتضم أكثر من نصف سكان العالم.

ولهذا، ربما تركيا قد تيقنت بأن لا مستقبل لها داخل المنظومة الأوروبية، لاسيما مع التطورات السياسية الأخيرة وما رافقتها من تداعيات داخلية وإقليمية، التي كان أخرها تهديد الرئيس التركي للأوروبيين بأنه سيفتح الباب أمام المهاجرين غير الشرعيين باتجاه أوروبا في حال اصرت دول الاتحاد على تجميد مفاوضاتها. ولربما أيضاً تعد سلوكيات الرئيس التركي التي ظهر عليها بعد عملية الانقلاب الفاشل اتجاه أوروبا وأميركا هي محاولة لخلط الأوراق السياسية، والابتعاد عن التودد التركي للأوروبيين، وقد يكون هدف اردوغان من ذلك، التقارب من القطب الأخر، لاسيما مع تصالحه وتقربه من الرئيس الروسي "بوتين"، إلا أن مسألة انضمام تركيا لمنظمة شنغهاي وإعلان الطلاق مع القارة الأوروبية أمر لم يحن بعد، على الرغم من تهور السياسة التركية اتجاه أوروبا وأمريكا وتقربها السياسي من الروس وحلفائهم.

* مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2016
www.fcdrs.com

اضف تعليق