الخطأ الحضاري الذي ارتكبه البعض ممن يعدون أنفسهم متنورين ومتبصّرين بالأمور، انهم تعرضوا لغفلة، ربما غير مقصودة من حقيقتين هامتين في مشوارهم الاصلاحي مع بدايات القرن الماضي الأول التخلي عن الدين بذريعة التعارض مع العلم اما الثاني فهو غياب الوعي الديني والانقسام المذهبي...

تختار الجماعات البشرية جملة من العادات والتقاليد والاعراف يتسالم عليها الافراد لتكون ما يشبه المنظومة القانونية التي تنظم حياتهم والعلاقات فيما بينهم، بناءً على معايير المنفعة والصلاح وتحقيق توجهات خاصة وعامة، وبمرور الزمن تتحول هذه العادات والتقاليد الى سلوك وأخلاق اجتماعية، بل وتكون الطابع الثقافي لهذه الامة او تلك.

وبما أن الرسالات السماوية تهدف بالدرجة الاولى تذكير الانسان بحقيقة نفسه ووجوده في الحياة، وبما يدور حوله، فهي تؤكد قدرتها على إعادة صياغة فكر الانسان ومنهجته بما يفيده في صناعة شخصيته، بيد انها لم تلغِ ما كان عليه فيما مضى، وقبل تعرفه على رسالة السماء، انما جاءت للتقويم والتشذيب، وهو ما تميزت به رسالة الاسلام، وقد هتف النبي الاكرم بـ "إنما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق"، بل وأثنى على عادات وتقاليد سادت في الجاهلية مثل؛ الكرم، والشجاعة، وإغاثة الملهوف، ومن ابرز الشواهد؛ الموقف الايجابي من الاسلام إزاء حلف الفضول الذي أنشئ في مكة لنجدة رجل ورد مكة، وتعرض للظلم خلال عملية بيع وشراء من كبار قريش، فاتفق رأي كبار القوم على إعادة الحق له في قصة معروفة.

وبمرور الزمن تحولت معظم التقاليد والاعراف الاجتماعية الى انعكاس للقيم الدينية والاخلاقية، أو ترجمان لها، لاسيما المرتبط بالعلاقات الاجتماعية، فكان من الايمان بها، ان تحولت الى حدود مقدسة لا يجوز انتهاكها عندما يتعلق الامر بالعفّة والشرف وكيان الأسرة، ومجمل السلوك الاجتماعي.

وفي المعركة الحضارية بين الأمم اصطفت التقاليد في خط المواجهة الاول، فكانت أول من تصدّت للتجديف والتشكيك والازدراء في مطلع القرن العشرين عندما كان يُراد للبلاد الاسلامية التعرف على تجربة الغرب المسيحي في الانبعاث الحضاري الجديد والانطلاق في رحاب العلم والمعرفة، على أمل انتشال بلادنا مما كانت عليه من التخلف والحرمان، بيد ان مشكلة الشريحة المتعلمة "المثقفة" آنذاك، انها رأت – البعض منها طبعاً- في هذه التقاليد الاجتماعية حجر عثرة في طريق تقدمها وتغيير احوالها، معللين ذلك بتجربة الغرب وكيف انه تجاوز هذه "الحدود النفسية" وانطلق بعقله وفكره ليحقق الفتوحات العلمية الباهرة، عندما ابتعد عن القيم الدينية التي كانت تمثلها الكنيسة، فهي لم تعد تصلح لأن توجه فكر الانسان وترسم له طريقة حياته، إنما تصلح أذكار ليوم واحد في الاسبوع لترطيب النفوس وتنقية القلوب ضمن أجواء روحانية تذكر الناس ببعض القيم الاخلاقية مثل الحب والتعايش والعطاء وغيرها، أما طريقة كسب الانسان الغربي للمال؟ او طريقة استخدامه للقتنيات المتطورة والتكنولوجيا الحديثة؟ او مجمل تعامله مع أخيه الانسان؟ فهذه الاسئلة وغيرها لا مجال للبحث فيها ومناقشتها وسط صخب المال والاعمال والبحث عن الجديد والمثير.

"الخطأ الحضاري"، إن جار التعبير، الذي ارتكبه البعض ممن يحملون يعدون انفسهم "متنورين" ومتبصّرين بالامور، انهم تعرضوا لغفلة، ربما غير مقصودة من حقيقتين هامتين في مشوارهم الاصلاحي مع بدايات القرن الماضي:

الحقيقية الاولى: أن الفلاسفة والمفكرين الغربيين، وقبل ان يباركوا للفتوحات العلمية ويشدّوا على يد ابنائهم في الجامعات والمعاهد لكسب العلم والمعرفة، كانوا قد حسموا أمرهم في عدم التخلّي عن الدين كاملة وخسارة هذا المسند الحضاري الهام، فالنظريات الإلحادية والمادية، كانت تواجهها رؤى وافكار ناقدة ومشككة بصلاحية هذه النظريات، كما حصل بالنسبة لنظرية النشوء والارتقاء، وادعاء دارون بعدم وجود خالق للكائنات الحيّة، انما الخليقة عبارة عن عملية تطور مستمر، بمن فيهم الانسان، فكانت النظريات العلمية تتعرض للمناقشة والتقويم من قبل سائر العلماء الذين كانوا يأخذون بمعايير وقيم اخرى للحكم على صحة او سقم هذه النظرية او تلك، كما ان تقادم الزمن هو الآخر عامل فعال في المزيد من التمحيص والتحقيق.

وقد اثبتت الايام أن المجتمعات الغربية، حتى وإن ابتعدت قليلاً عن الالتزامات الدينية، إلا انها ضمنت لنفسها جسراً للعودة الى ما يرمز الى التعاليم والالتزمات الدينية، بغض النظر عن طبيعتها ومحتواها، وما اذا كانت حقاً تلبي طموحات الانسان وتنقذه مما بلغه من انحدار اخلاقي بعد فراق دام عقوداً طويلة.

هذا ما يتعلق بداخل المجتمع الغربي، أما رؤية طائفة من المستشرقين الغربيين المتخصصين في تاريخ المجتمعات الاسلامية، بل والشيعية ايضاً، فكان يحمل مفاجآت صادمة، وهي الانبهار بعمق ايمان المسلمين بتقاليدهم الاجتماعية القائمة على القيم الدينية، ورأوا فيها أحد اسباب فشل الحركة الاستعمارية وما جلبته معها من تقاليد وثقافات بديلة، وقد عرفها عالم الاجتماع الفرنسي –الجزائري المولد-؛ جاك بيرك بـ "الكلاسيكية" بانها "حيّة في الشرق وذات نشاط، تتمتع بقدر غير معتاد من الحياة والحركة والحرارة"، وذهب الى أبعد من ذلك في دراسته للتشيّع بأن "الفقه الاسلامي قادر على حل مشاكل اجتماعية واقتصادية عدّة".

أما الحقيقية الثانية، والاكثر فداحةً في خسارتها؛ اعتماد المجتمعات الاسلامية بشكل كبير على التقاليد والاعراف في تنظيم علاقاتها الاجتماعية وحياتها العامة في ظل غياب الوعي الديني الكامل والصحيح، بسبب حالة التشضّي والانقسام المذهبي، علاوة على الصراعات السياسية الطاغية على "العمل الاسلامي"، مما أبعد الناس عن الاستضاءة بنور الاسلام، وتحديداً الاستفادة من بصائر القرآن الكريم، وما فيه من حكم وتجارب وسنن من شأنها رفع المستوى الفكري والثقافي لما هو أعلى بكثير من سائر الأمم.

فعندما جرى الحديث عن "التقاليد البالية" والحنين الى الماضي، كما يحلو للبعض، لم تكن هنالك بدائل فكرية وثقافية جاهزة لأن تحل محلها، وحتى يكون الناس في طمأنينة نفسية بانهم لن يخسروا ما يستندون عليه في ايمانهم وعقيدتهم، وفي حقيقة الأمر، لم يكن ثمة بدائل بالاساس من هذا النوع المطمئن، انما هنالك جملة من الدعوات والصرخات هنا وهناك تدعو الى التحلل والتغيير بدعوى التجديد، واحياناً تغليف الدعوات بطابع علمي "حداثوي" وأنها تجعل الانسان اكثر سعادة في حياته.

بيد أن التجارب لم تأت بنتائج ايجابية للجيل الجديد، بل والاجيال التي سبقتنا، إلا بمزيد من التبعية الثقافية والاقتصادية للخارج الذي نلاحظ انه نجح في تصدير نمط حياته وتقاليده الينا، مع إقراره بصواب جميع التقاليد الاجتماعية والقيم الدينية والاخلاقية السائدة في المجتمعات الاسلامية.

لنأخذ مثلاً بسيطاً جداً في الأسرة؛ فان المجتمع الغربي تبنى تقليداً يقضي بأن يكون الابن حراً طليقاً لدى بلوغه سن الثامنة عشر من العمر، من البنين والبنات، على أنهم خرجوا من حدود القاصرين، وبامكان هذه الشريحة من الابناء العيش بمفردهم خارج نطاق الاسرة وبعيداً عن الوالدين، وهذا ما نلاحظ ترويجه في المجتمعات الاسلامية طيلة عقود طويلة من الزمن بوسائل مختلفة، واذا نراجع خلفيات حوادث الاغتصاب والانتحار والقتل واللجوء الى بدائل اخرى لمحيط الاسرة، مثل الجماعات ذات الافكار الخطيرة مثل؛ العنصرية، او عبدة الشيطان او غيرها، نجد انها تعود الى حالة الضياع التي تعرضت لها هذه الشريحة وبشكل مريع.

نعم؛ بالامكان تشذيب التقاليد الاجتماعية وتسديدها، كوننا نحظى بتراث حضاري عظيم نُحسد عليه من تعاليم وحِكم وتجارب في المنهج والاسلوب التربوي، فلسنا مثل المجتمع المسيحي الذي لا يعرف الأب أو الأم ما الذي عليهما فعله مع الولد البالغ او البنت البالغة؟ ولعل هذا ما يضطرهم لدفع الاولاد خارج البيت ليكتسبوا هم بانفسهم تجارب الحياة وما يجب ان يفعلوه وما يختاروه لانفسهم، بينما في النظام التربوي الاسلامي هنالك النصيحة من الوالد الى ولده، وايضاً من الاخ الى أخيه في الايمان، بل هو حق مسلّم، كما جاء في الحديث النبوي الشريف، والقضية ليست منحصرة بفترة زمنية محددة، فالعلاقة الودية والبناءة بين افراد الأسرة تبدأ من الايام الاولى من الولادة، وحتى آخر لحظات الحياة يكون التواصي والتناصح والتراحم هو سيد الموقف، وهو نقطة الالتقاء لدى ظهور أي نوع من الاختلاف.

إن التقاليد الاجتماعية وما درجت عليه الشعوب من عادات وأعراف من شأنها ان تكون وسيلة او حافز للتطور والتغيير نحو الافضل، فالكرم والعطاء والعفّة بشقيها؛ النفسي والجنسي، وتقديس الأسرة وغيرها، يمكن ان تسهم في المزيد من التعلّم ثم توظيف العلم لخدمة الحياة، وايضاً في تقسيم فرص النجاح والتطور على الجميع، والأهم من كل ذلك؛ معرفة مفاتيح الحلول لأي أزمة او مشكلة تواجه الانسان.

اضف تعليق


التعليقات

الكاتب الأديب جمال بركات
مصر
أحبائي
كل المجتمعات بها عادات وتقاليد اجتماعية
بعض هذه العادات والتقاليد سوية وأخري غير سوية
والإنسان بإعمال عقله وفكره يفاضل ليختار الأكثر نفعية
لكن في كل الأحوال يجب أن تتوافق بقديمها وحديثها مع القيم الخلقة و الدينية
أحبائي
دعوة محبة
أدعو سيادتكم الى حسن الحديث وآدابه.....واحترام بعضنا البعض
ونشر ثقافة الحب والخير والجمال والتسامح والعطاء بيننا في الأرض
جمال بركات....مركز ثقافة الألفية الثالثة2019-01-28