قد تتساءل أنت أيضًا عما بإمكانك فعله للمساعدة أو ما الذي يتوجب عليك فعله مع إمكانياتك المتواضعة نسبياً. ففي النهاية، مع تحول العديد من الشركات للإغلاق، وتعرض العديد من الوظائف إلى التهديد كل يوم، قد تكون أحد الأشخاص الذين يتطلعون بفارغ الصبر للقادم. قد يساعد...
بقلم: آميت باتاتشارجي

إن كنت تقرأ هذا المقال، فعلى الأغلب أنك قادر على مساعدة الآخرين المتضررين من جائحة كوفيد-19.

مع ارتفاع حالات الإصابة بالفيروس التاجي حول العالم إلى عشرات الآلاف يومياً، قد يتبع المنحى الذي يمثل عدد الأشخاص الذين يحتاجون إلى مساعدة مالية شكلاً أسيًا أكثر حدة. ففي الولايات المتحدة وحدها، سجل 17 مليون شخص أنفسهم في غضون ثلاثة أسابيع فقط للحصول على إعانات البطالة عقب توقف النشاط الاقتصادي في البلاد بفترة قصيرة. يحاول كبار رجال الأعمال والمشاهير والرياضيين الاستجابة لذلك: من بيل غيتس وكارلوس سليم وجاك ما إلى ريهانا وروجر فيدرر، بادر الأغنياء والمشاهير بالتبرع بالمال أو الإمدادات إلى الأشخاص المحتاجين.

قد تتساءل أنت أيضًا عما بإمكانك فعله للمساعدة أو ما الذي يتوجب عليك فعله مع إمكانياتك المتواضعة نسبياً. ففي النهاية، مع تحول العديد من الشركات للإغلاق، وتعرض العديد من الوظائف إلى التهديد كل يوم، قد تكون أحد الأشخاص الذين يتطلعون بفارغ الصبر للقادم. قد يساعد البحث الذي قمت به والذي يتناول الأعمال الخيرية في الإجابة عن ذلك السؤال من خلال تسليط الضوء على التحيز الواسع الذي يثني الأشخاص عن الأعمال الخيرية حتى الأثرياء منهم.

في ورقة عمل بعنوان "نقل المسؤولية للأشخاص الأثرياء: المعايير المرجعية للسخاء"، شاركني كتابتها كل من جوناثان بيرمان، وديبورا سمول، وجال زوبيرمان، نظهر أنه وبغض النظر عن مستوى الدخل، يتوقع الأشخاص من أولئك الذي يكسبوا أكثر منهم، أن يتبرعوا بمبالغ أعلى من التي يعتقدها الأشخاص الذين يكسبون أكثر منهم أنفسهم. وبالرغم من أن الأشخاص يعتقدون أن أولئك الذين يكسبون أكثر منهم يشعرون بالراحة كونهم يمتلكون مالاً للإدخار، إلا أن الذين يكسبون أكثر منهم لديهم شعور مماثل. فهم بدورهم تخطئ توقعاتهم بأن الذين يكسبون أكثر منهم يشعرون بالراحة، ويستمر الحال على هذا المنوال حتى أعلى السلم. نتيجة لذلك، حتى الأشخاص الأثرياء يعطون أنفسهم مبررات للتبرع بمبالغ قليلة بالوقت الحاضر. تلك المشاعر الموضوعية أو القيود المادية من شأنها أن تقلل من التبرعات حتى بأفضل الأوقات، ناهيك في خضم جائحة على مستوى العالم.

ميل الأشخاص لمقارنة أنفسهم بالآخرين من أجل إعطاء مبررات لتصرفاتهم هو توجه معروف. بهذا السياق، سعينا خلال الدراسة التي قمنا بها وخلال تحليل الدراسات السابقة للبحث بالكيفية التي يقوم بها الأشخاص بتخصيص الالتزامات الخيرية لهم وللآخرين. سألنا خلال الدراسة الأولى 505 مشارك (متوسط دخل الأسرة 45 ألف دولار) عن المبلغ الذي يرونه مناسباً لإعطاءه للأعمال الخيرية في حال كان متوسط دخلهم السنوي 50 ألف دولار. سألناهم أيضاً عن قدرتهم على تحمل نفقات غير محسوبة لمرة واحدة قيمتها ألفي دولار، وهو مقياس لمقدار الفائض النقدي الذي يتوقعه المشاركون إن كانوا يكسبون 50 ألف دولار.

كانت التجربة الثانية مماثلة تقريباً للتجربة الأولى، باستثناء أنه تم سؤال المشاركين البالغ عددهم 1002 عن المبلغ الذي يجب أن يقدمه أشخاص مشابهين لهم للأعمال الخيرية. على سبيل المثال، طلب من مشارك عمره 36 عاماً غير مرتبط ومن دون أطفال أن يتصور شخص مثله وبنفس الميزات.

وجدنا من خلال الدراستين الأوليتين أنه كلما قل المبلغ الذي يكسبه المشاركين عن 50,000 دولار، زادت المبالغ المدخرة التي توقعوها لأنفسهم في حال حصلوا على هذا المبلغ. وبالتالي، اعتقدوا أنهم ملزمين بالتبرع للجمعيات الخيرية.

تناولت الدراسة الثالثة مجموعة دخل مستهدفة. تم اختيار المشاركين من فئات دخل مختلفة، ابتداءً من 0-10000 دولار، إلى أكثر من 110,000 دولار. تم انتقاء كل منهم لجانب خمسة أفراد من شريحة دخل مختلفة 20 ألف و 40 ألف و 60 ألف و 80 ألف و 100 ألف، وتم سؤالهم عن النسبة التي يجب التبرع بها للأعمال الخيرية كل عام.

تمامًا كما هو الحال في التجربتين الأولى والثانية، أظهرت النتائج وجود علاقة سلبية بين مستوى الدخل والمعايير الذاتية للتبرع: كلما انخفض المبلغ الذي يتقاضاه المشاركين بالنسبة للرقم المستهدف، كلما زاد اعتقادهم أن المستهدف يتوجب عليه التبرع. وبالعكس، كلما تقاضى المشاركون أكثر بالنسبة للهدف، كلما خف اعتقادهم بأن المستهدف يجب عليه التبرع. عبر جميع مستويات الدخل التي قيمناها، اعتقد الأشخاص أنه يجب استثناءهم شخصياً من الالتزامات الخاصة بالتبرع. بنفس الوقت شعروا بأن أي شخص يكسب أكثر منهم ملزم بالتبرع أكثر مما شعر به أصحاب الدخل الأعلى أنفسهم. تم تأكيد النتائج التي توصلنا إليها عبر النظر بالنتائج التي توصلت لها الدراسات الخمسة عشر التي أجريناها (بما في ذلك التي لم تتضمنها ورقة العمل).

تشير النتائج التي توصلنا إليها أيضاً، أن أية مكاسب فيما يتعلق بالمبالغ المدخرة قد تكون على المدى القصير. وبمجرد أن يكسب الأشخاص مبالغ أكبر، يميلون حالاً لزيادة إنفاقهم، ليجدوا أنفسهم مرة أخرى تحت ضغوطات للحصول على السيولة النقدية، وبالتالي يؤجلون التبرعات حتى يحصلوا على المزيد. بمعنى آخر، "يمررون المسؤولية" باستمرار إلى الأشخاص الأكثر غنى أو أنفسهم مستقبلاً في حال كسبوا المزيد من المال.

من قبيل الصدفة، تكررت النتائج التي توصلنا إليها في استطلاع أجراه بنك باركليز في 2019 على 400 من الأثرياء أصحاب الملايين في تسع اقتصادات: وجد الاستطلاع أن 75% من هؤلاء الأثرياء يعتقدون أن الصدقة من مسؤولية الأشخاص الأكثر ثراءً منهم. وبالمثل أظهرت استطلاعات أخرى أن العديد من الأشخاص الأغنياء لا يعتبرون أنفسهم حتى أثرياء أو آمنين مادياً.

التوقف عن مقاومة مسؤوليتنا

بالرغم من أنه لا يمكننا أن ندعي جميعاً أننا نملك الملايين في البنوك، من المرجح أن يكون دخل القارئ المتوسط لإنسياد للمعرفة أعلى بكثير من المتوسط من الناحية المالية. فعلى سبيل المثال، يصنف الشخص الذي يكسب 50,000 دولار بعد اقتطاع الضرائب في الولايات المتحدة، ضمن شريحة أعلى بنسبة 1.5% من أصحاب الدخل في العالم، حتى بعد الأخذ بعين الاعتبار الاختلافات في القوة الشرائية.

أدت جائحة كورونا إلى زيادة الفجوة بين الفقراء والأغنياء. ففي البلدان المتقدمة، أصيب الأشخاص بجنون الشراء واندفعوا إلى السوبر ماركت بسبب الجائحة وحالة القلق الناجمة عن العمل عن بعد وإغلاق العديد من قطاعات الأعمال. في نفس الوقت، في دول مثل الهند والبرازيل ينتظر الملايين من عمال اليومية مجاعة في حال تم حظر الخروج من المنزل. فأولئك الذين يعيشون في الأحياء الفقيرة لا يوجد لديهم مكان ليعزلوا أنفسهم عن أحبائهم في المنزل.

وفي الوقت الذي يقوم بها الأشخاص في الدول المتطورة بغسل أيديهم كلما قضت الحاجة ليحموا أنفسهم من الفيروس، لا يجد العديد من الفقراء حول العالم المياه. حتى ضمن الدولة الواحدة يعاني الأشخاص الفقراء الذين لا يملكون شيئاً بشكل أكبر من الآخرين بسبب الوباء، مثل سعي الملايين من الأمريكيين للحصول على مساعدة من الحكومة.

في حال لم يكن هناك وقت مناسب لنقل مسؤولية الأعمال الخيرية إلى الآخرين، فقد تكون الأزمة غير المسبوقة التي تعاني منها البلدان الغنية والفقيرة في الوقت الحالي، هي أسوأ الأوقات لتجاهل هذه المسؤولية. ففي حال دمر فيروس كورونا الاقتصادات النامية في أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، ستعاني الدول المتطورة من تداعيات اقتصادية لفترة طويلة بعد مرور الأزمة. تعطينا الأزمات البارزة مثل أزمة كوفيد-19 الفرصة للتفكير في أولئك الذين نهمل مساعدتهم: الأعداد الهائلة من الأشخاص الذين يعانوا بسبب مشكلات مجتمعية لا تنتهي مثل الفقر والحروب والأمراض القابلة للعلاج، والذين ينالون اهتماماً أقل، ولكنها ستتسبب بكارثة إنسانية في حال استمرت.

هناك بعض المعايير الراسخة للتبرع خارج المجتمعات الدينية. وبالطبع، القليل منها يتطابق مع الهبات الخيرية للأثرياء والمشاهير. مع ذلك فشل أغلبيتنا بإدراك قدرتنا على إعطاء شيء للفقراء والعاطلين عن العمل والنازحين بسبب الحروب حتى في ظل هذه الأزمة والأزمات المستقبلية.

* آميت باتاتشارجي، أستاذ مساعد في التسويق بكلية إنسياد
https://knowledge-arabia.insead.edu

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق