إن أي متابعة بسيطة للبرامج الحوارية ووسائل التواصل الاجتماعي في العراق تشير بوضوح الى حالة الاستقطاب السياسي والفكري وغياب الوسطية في آراء كثير من العراقيين، وإن شدة الاستقطاب والتطرف في الرأي هي الاخرى من المظاهر التي تمت دراستها بعمق وتشخيصها في الثقافات الصلبة...
بقلم: منقذ داغر وميشيل كيلفاند

أوضحنا في المقال السابق أهم النتائج المترتبة على هذا التصلب المفرط للثقافة الاجتماعية العراقية على الفرد، أما على مستوى الجماعة التي ينتمي لها الفرد فإن فرط التصلب والتعصب الزائد لمعايير الجماعة يمكن إن يخلق مشاكل كثيرة بين الجماعات.

معروف إن كل جماعة تعتقد إن ثقافتها هي الافضل، يقول هيرودوتس (أبو التاريخ) بعد إن طاف العالم فإنك لو سألت كل جماعة عن أفضل ثقافة يتبنونها فإنهم سيجيبوك: ثقافتنا! وإذا كانت ظاهرة تفوق الثقافة التي تتبناها الجماعة هي السائدة عموماً بين كل الجماعات، فإنها تكتسب زخماً أكبر حينما تكون الجماعة صلبة، ويتضاعف ذلك الزخم حينما تكون الثقافة صلبة بأفراط كما هي الحالة في العراق.

إن العراقيين يشيع بينهم مفهوم المؤامرة على تراثهم وثقافتهم وحضارتهم، وإن كل ما يحصل لهم هو نتيجة المؤامرة. ويعتقد كثير من العراقيين ان العراق هو مركز الكون الذي يتآمر الجميع لاحتلاله. وفي مبحث قادم سيتم التطرق تفصيلاً لهذه الظاهرة الاجتماعية والفكرية وعلاقتها بالثقافة التي يتبناها الشخص.

وحينما تكثر الجماعات التي ينتمي لها الفرد وتغيب الجماعة (الجامعة) لكل الجماعات تبرز مشكلة صراع الثقافات، ليس بالصيغة التي جاء بها هنتنغتون في كتابه، بل بصيغة ثقافة الجماعات الفرعية.

من وجهة نظري اعتقد لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد تكتلات بشرية خالية من أية فكرة وطنية متشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة، سماعون للسوء، ميالون للفوضى، والحالة هذه مبعثرة القوى، مقسمة على بعضها…فنحن نريد إن نشكل من هذه الكتل شعبا نهذبه وندربه ونعلمه.

وعلى الرغم من قساوة هذه الكلمات الا إن العراق وبعد أكثر من 100 سنة على مذكرة فيصل الاول لا زال يعاني من فقدان الهوية الجامعة مما يؤدي الى مشاكل خطيرة تضع الجماعة فوق الدولة والمجتمع. إن أمراض فرط الطائفية وفرط العرقية هي بعض من نتاجات العصبية الثقافية للجماعة. ونظراً لأهمية وخطورة موضوع الهوية الوطنية وكذلك الطائفية في العراق فستتم معالجتهما في مباحث منفصلة في فصول قادمة.

لكن تكفي الاشارة هنا إن الاختبارات الاحصائية التي أُجريت على نتائج إجابات العراقيين أثبتت وجود علاقة وثيقة بين فرط التصلب وبين النزعة الطائفية في العراق.

أما على مستوى المجتمع ككل فهناك أيضاً أكثر من مشكلة تواجه العراقيين بسبب فرط التصلب الثقافي. بشكل عام فإن المجتمعات الصلبة تعاني من انخفاض الاهتمام بالإبداع وبالفنون والآداب، فما بالك بدولة صلبة بإفراط!

لقد اختفت دور السينما والمسارح تقريباً من حياة العراقيين بعد أن كانت جزء أساسي من حياتهم الاجتماعية بخاصة في المدن. وبات الفن مثلا ينظر له نظرة دونية! وبات الهم الأمني والقلق الوجودي يشغل المجتمع عن الاستمتاع بالفنون والآداب. وحتى عند الاحتفال والفرح فإن صوت البنادق والرصاص أعلى من صوت الموسيقى. حتى كلمات الاغاني العراقية باتت مليئة بمفردات القتال والضرب والعراك والاسلحة والاعتدة. هذا يقودنا الى ثقافة التطرف التي باتت منتشرة في العراق مما أدى لمشاكل كارثية لعل أبرزها إرهاب داعش.

إن التصلب الشديد يعني إن الجماعة مهمة جداً للفرد الذي تزداد حاجته للانتماء حينما يزداد تصلب الثقافة. لقد وجدت الدراسة التي قمنا بها في العراق مع زملاء لنا من علماء النفس والسياسة الأمريكان والتي بنيت على مقابلات مع 50 داعشي في السجون فضلا عن مسوحات كثيرة للرأي العام في المناطق التي نشط فيها داعش، إن كثيراً ممن انتموا لداعش كانوا يعانون كثيراً نتيجة فراغ السلطة والفوضى التي سادت مناطقهم وحاجتهم العالية للشعور بالأهمية significance need والانتماء لجماعة affiliation وإشباع الوضوح المعرفي Epistemic needs مما سهل انتمائهم لداعش.

إن أي متابعة بسيطة للبرامج الحوارية ووسائل التواصل الاجتماعي في العراق تشير بوضوح الى حالة الاستقطاب السياسي والفكري وغياب الوسطية في آراء كثير من العراقيين. إن شدة الاستقطاب والتطرف في الرأي هي الاخرى من المظاهر التي تمت دراستها بعمق وتشخيصها في الثقافات الصلبة.

* منقذ داغر: مدير الشرق الأوسط في كالوب الدولية للأبحاث.
* ميشيل كيلفاند:أستاذة الثقافات الأجتماعية المقارنة في جامعة ستانفور.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق