غرفة الاستقبال بحاجة الى مقاعد من الطراز الحديث، هكذا خاطب الزوج زوجته، وأضاف، سأشتري نوعا ثمينا من المقاعد ذات الطراز الرئاسي، حمل معه ما يكفي من المال، وخرج الى محال (الموبيليات)، وبدأ يبحث عن أجمل وأرقى وأحدث (طقم) من المقاعد، وأخيرا يقتنع الرجل بمقاعد رئاسية مزخرفة ومطعّمة بأحجار برّاقة، مقابل مبلغ ضخم، وجاء بها الى البيت، وتم إدخالها في غرفة الاستقبال بمساعدة عمال، كانت علامات الفرح واضحة على قسمات وجه الأب وكان سعيدا بالمقاعد الحديثة كأنه حقق منجزا متفردا!.

وقبل أن يخرج الأب الى عمله، أقفل أبواب غرفة الاستقبال بإحكام، وأوصى زوجته أن تحافظ على الأثاث الجديد الذي دخل بيتهم اليوم، لكن الأم تدخل في دوّامة العمل البيتي اليومي، وتنشغل تماما عما أوصاها زوجها، فيتسلل طفلها الصغير الى غرفة الاستقبال بعد ان منعه ابوه من دخولها عندما جاءوا بالمقاعد، ولأن الممنوع مرغوب، دخل الابن غرفة الاستقبال بعد خروج أبيه من المنزل، وصُدِم الابن بهذا الزائر الجديد الجميل المدهش، وتحت عدم تقدير أهمية الأشياء كونه لا يزال طفلا لم يدخل الابتدائية بعد، جاء بسكين حاد، ومزق قماش أحد المقاعد، تحت إلحاح معرفة ما تخفي الأشياء في باطنها.

فالأطفال لا يكتفون برؤية ظاهر الأشياء، ولذلك غالبا ما يقومون بكسر اللّعب التي يشترونها من محال لعب الأطفال، بعد وقت قليل لكي يعرفوا ما بداخلها، انه حب المعرفة والفضول يدفع الصغار والكبار لمعرفة ما تخفيه الأشياء في داخلها، وهكذا مزق الطفل المقعد الرئاسي الحديث بالسكين الحاد، لكنه لم يجد شيئا جديدا او مدهشا في باطنه، انه قماش عادي وقليل من مادة الإسفنج، نسيَ الطفل ما قام به من فعل، وترك السكين قريبا من الشق الذي أحدثه في القماش وغادر غرفة الاستقبال ليلهو في مكان آخر من البيت من دون أن تعرف أمه بما فعل.

بعد الظهيرة عاد الأب من عمله كي يتناول الغداء، كانت تباشير الفرح ظاهرة في ملامح وجهه، كان الرجل سعيدا بالمقاعد الجديدة التي دخلت بيته بعد مرحلة ادّخار قاسية، إذ أنه كان يدّخر المبلغ منذ سنوات دينارا فوق آخر، فقد حرم نفسه وزوجته والعائلة من أشياء وطلبات مهمة، وألغى الزيارات وسفرات الترفيه وما شابه، وتخلى هو وأسرته عن الملابس الجديدة والمأكولات اللذيذة، حتى يستطيع أن يوفر المبلغ المطلوب لشراء المقاعد المتميزة.

لأول مرة منذ سنوات طويلة ترى الزوجة زوجها بهذه الإشراق والسطوع، كان سعيدا جدا وهو يهمّ بالدخول الى غرفة الاستقبال، وما أن فتح الباب، ورأى السكين يلمع فوق فماش المقعد وقد تم العبث به وتمزيقه، حتى انهار على الأرض، ثم استفاق صارخا على زوجته، مستفسرا منها عن الكارثة التي يراها الآن بعينه!.

نتائج فقدان الإنسان لتوازنه

صرخ الأب على زوجته، مَنْ فعل ذلك؟، من مزق القماش بهذا السكّين اللعين؟. أجابت الزوجة: إنه ابنك هو من فعل ذلك. طلب منها أن تحضر الطفل فورا، وفعلت الأم بعد أن حاول ابنها الهرب، ولكن لا مجال للهرب من مواجهة غضب الأب وفقدنه التام لتوازنه، جاءت الأم بالابن أمام أبيه الذي لا يزال منهارا مصدوما بما حدث من تخريب (غير مقصود طبعا) للمقعد الحديث، صفع ابنه صفعة سمع الجيران صوتها، سقط الابن على الأرض ثم نهض ووقف مثل مجرم خطير يقف أمام قاضي لا رحمة في قلبه!.

سأل الأب طفلهُ: هل أنت من مزّق قماش المقعد؟.

بقيَ الطفل صامتا مرتعشا من شدة الخوف، فصرخ به الأب بصوت مرعب، أجاب الابن: نعم أنا الذي مزق قماش المقعد بالسكين.

سأله الأب: هل فعلت ذلك بيدك اليمنى أم اليسرى؟. فقال الطفل: بيدي اليمنى.

أمر الأب زوجته أن تأتي له بالسكين الذي استخدمه الابن في إحداث الشق بقماش المقعد، وبدأ الأب يضرب بحديد السكين على ذراع ابنه بقوة ومن دون شعور، لقد فقد توازنه تماما وكأنه يضرب عدو خطير يهدد حياته، كان الضرب في أعلى الذراع، فتهشم العظم تماما، وخارت قوى الطفل، فسقط على الأرض، وأغمي عليه، وأمه تصرخ برعب، فيما صحا الأب من (جنونه)، فرأي ذراع ابنه تتدلى نحو الأرض وقد تهشم العظم من الأعلى تماما، فهرع بإبنه الى المستشفى، وتم اتخاذ ما يلزم من فحوص وإسعافات أولية.

كانت ذراع الطفل قد فقدت الحركة تماما، وتورمت وأصيب مكان التهشم بسواد غريب، وعلى أثر التحليلات الطبية، تبين أن الابن أصيب بمرض خبيث وأن الحل الوحيد لمعالجته هو (بتر الذراع) حتى لا يتسلل المرض الخبيث الى جسد الطفل بالكامل، أخبر الطبيب المختص الأب بقرار الفريق الطبي بحتمية (بتر ذراع الطفل)، فانهار الأب وأصيب بالإغماء، ثم هرع الى المصرف حيث يدخر أموال وباع بيتا فائضا لديه وجاء بالملايين كلها الطبيب، وقال له بالحرف الواحد، اضع كل هذه الملايين بين يديك وملكا لك مقابل عدم بتر ذراع ابني، جد لي طريقة يحتفظ فيها ابني بذراعه وخذ هذه النقود كلها ملكا لك، فأجابه الطبيب ببرود وهو مشفق عليه من تهوره وفقدانه لتوازنه: كل هذه الأموال، بل كل كنوز العالم لن تستطيع أن توقف بتر ذراع ابنك، فأما حياته أو بتر ذراعه، عليك أن تختار الآن أحد هذين الحلّين الحاسمين، بالنتيجة وافق الأب صاغرا على بتر ذراع ابنه فلذّة كبده، منهارا على الأرض مغشيا عليه.

أبي هل يمكنك أن تعيد لي يدي؟

مضى نصف شهر على بتر يد الطفل، كان أبوه مقيما معه، في أغلب الوقت يكون الطفل نائما منعزلا عن العالم، لا يكلم أحدا، يرفض الكلام مع أبيه، يرفض أن يرد على أسئلة الطبيب، أما الأب فقد كان يمضي الليل بالصلاة والاعتذار لابنه بينه وبين نفسه، كان يبكي كثيرا، دموعه لم تتوقف عن التدفق إلا عندما يأتي من يزور ابنه، بدأ الطفل يتحسن، ولكنه أصبح بجسد ناقص، بات يعيش بيد واحدة، والحياة صعبة، تحتاج الى يدين، حتى يستطيع الإنسان أن يعيش فيها بكرامة، وعلى الرغم من صغر عمر الطفل لكنه كان يشعر بفداحة الخسارة العظيمة التي تعرض لها بسبب عدم توازن أبيه.

النقص الجديد في جسده كان يؤلمه كثيرا، ويمنع لسانه عن الكلام، ولكنه أخيرا تكلّم، فليس معقولا أن يبقى طول العمر في حالة من الخرس، تكلم الطفل وأول كلامه جاء على شكل سؤال وجهه الى أبيه، وطالبه بإجابة واضحة وفورية، فرح الأب لأن ابنه عاد الى عالم الكلام، وكان مستعدا للاجابة عن اي شيء مهما كان صادما أو قاسيا، لدرجة أنه توسّل ابنه قائلا له:

تكلَّم يا ولدي، قل أي شيء، أنا موافق على كل ما تقوله وتطلبه مني، فقط تكلم، صمتك يعذبني، كل لحظة تمر وأنت غائب في الصمت تدمرني، تكلّم، قل شيئا يا فلذة كبدي.

قال الطفل لأبيه:

- سوف أسألك سؤالا يا أبي، وأريد جوابا عنه.

الأب:

- تفضل يا ولدي قل أي شيء، سوف أجيبك طبعا.

سأله الابن بوضوح (كان يتحسس ذراعه المبتورة بكف يده الأخرى) قال:

- أبي لو أنني كبرت، وتمكنت أن أعمل وأجمع الأموال، وأشتري لك (المقاعد) التي مزقتها، هل تستطيع أن تعيد لي يدي التي بُترت؟؟.

بكى الأب بصوت عال، أقرب الى النحيب، فيما سمع صوتا يقول له: (كنوز العالم لا تساوي فقداني لـ يدي).

اضف تعليق