تشترك معظم البلدان النفطية بظاهرة التضخم المستمر للنفقات الحكومية رغم تواضع الايرادات غير النفطية وانخفاض نسبتها في تمويل الموازنة العامة نظرا لاتكالها المفرط على المورد النفطي في التمويل، مما يزيد من مخاطر هبوط اسعار النفط على الاقتصاد الوطني، كون النفقات الحكومية تشكل محرك النمو الاقتصادي في هذه البلدان. وتزداد مخاطر اتساع النفقات العامة مع ارتفاع نسبة النفقات الجارية (التشغيلية) من اجمالي النفقات العامة الامر الذي يفوت على هذه البلدان فرصة النهوض بالبنية التحتية والاستثمارات العامة لصالح النفقات الاستهلاكية الحكومية الاخرى.

ومع دخول انهيار اسعار النفط الخام عامه الثالث تناقش الحكومة العراقية مشروع الموازنة الاتحادية للعام 2018 لغرض رفعها الى مجلس النواب مطلع تشرين الثاني القادم. ويبدو ان تضخم النفقات التشغيلية وعجز الايرادات الحكومية غير النفطية عن توفير التمويل اللازم يزيد الوضع المالي حراجة ويدفع بالاقتصاد العراقي صوب الجزء الحاد من الازمة، خصوصا مع تجاوز الدين العام (الداخلي والخارجي) عتبة 110 مليار دولار منتصف العام الجاري، مما يثقل الموازنة العامة بأعباء تسديد اقساط الدين والفوائد.

ويلزم استمرار معدلات أسعار النفط عند مستوياتها الجارية (50-55 دولار للبرميل)، والبعيد عن المعدلات التي تطبعت عليها الموازنات العامة في العراق، الحكومة والنشاط الاقتصادي على التكيف التدريجي مع مستويات الإيرادات النفطية الأكثر انخفاضاً، ويتطلب ذلك إصلاحات جذرية تعمل على تحسين التوازن الهيكلي للمالية العامة على نحو جوهري ومستدام من خلال ضبط وترشيد بنود الإنفاق في الموازنة العامة الجديدة عبر مراعاة ما يلي:

1- نظرا لأن فاتورة الأجور والرواتب هي البند الأكبر والأسرع نموا في الموازنة العامة للدولة، فإن إصلاحها يمثل أولوية ملحة بالنسبة للحكومة العراقية. وذلك من خلال إنشاء أدوات حماية هيكلية ضد أعمال الاحتيال والتلاعب في عمليات إنفاق الرواتب والاجور، ومحاولة ربط سلم الاجور بالإنتاجية وتفعيل نظام العقود في سياسات التوظيف الحكومي.

2- تعاني عملية صنع القرار المتعلق بالاستثمارات العامة في العراق من جوانب ضعف هيكلية كبرى نجم عنها ضعف معدلات تنفيذ الموازنة الاستثمارية، والحيلولة دون وضع أولويات للاحتياجات الملحة في أوقات الضغوط على المالية العامة. وتعتبر الإصلاحات التي يساندها قرض تمويل سياسات التنمية (المقدم من البنك الدولي) (1) جزءاً من إصلاح متوسط الأجل يهدف إلى ضمان تمرير جميع الاستثمارات العامة والشراكات بين القطاعين العام والخاص من خلال نظام حديث لإدارة الاستثمارات. وتركز الإجراءات المسبقة على ضمان اتباع الإدارة المناسبة للاستثمارات العامة بالنسبة للمشروعات التي تتجاوز قيمتها 85 مليون دولار.

3- يعد نظام شبكات الأمان الاجتماعي في العراق باهظ التكاليف ويعاني من فجوات كبيرة في تغطية الشرائح الفقيرة والمستضعفة. وسيعمل تطبيق قانون شبكات الأمان الاجتماعي الذي اعد في العام 2014 والذي يدعو إلى تعزيز عملية استهداف التحويلات النقدية ووصولها إلى المستحقين على تحسين كفاءة واستدامة شبكات الأمان الاجتماعي في العراق.

4- تعزيز ودعم جهود الحكومة في تنفيذ إجراءات الضبط المالي، والتي يتم معظمها من خلال تقليص الإنفاق الرأسمالي غير الكفء، مع حماية الإنفاق الاجتماعي. وسيساعد هذا الاجراء على الوصول بالإنفاق إلى مستوى قابل للاستدامة نظرا لتدهور الإيرادات النفطية إلى مستويات منخفضة جدا.

5- لتحسين الانضباط المالي ورفع كفاءة الإنفاق، ينبغي ان تقوم وزارة المالية بتعزيز قانون الإدارة المالية العامة، وإصدار التقارير المتضمنة لجداول المالية العامة بما يتوافق مع المعايير الدولية، وتقوية الضوابط الحاكمة لالتزامات الإنفاق، وإجراء عمليات مسح وتدقيق منتظمة لمراقبة المتأخرات والحد منها، وإصلاح إدارة الاستثمارات العامة. فضلا على تعزيز الشفافية عبر إدخال تحسينات على معايير الافصاح عن بيانات المالية العامة، بغية توسيع نطاق التغطية المؤسسية لتقارير المالية العامة؛ والإلمام بنطاق أوسع من التدفقات والأصول والخصوم؛ وإدراج معايير جديدة لتنبؤات المالية العامة وإدارة المخاطر.

6- على ضوء المعدل السريع لتراكم معدلات الدين العام في العراق، والخبرات المحدودة بشأن منتجات الدين الأساسية واحتياجات التمويل الكبرى، فإن تعزيز قدرات إدارة الدين لدى وزارة المالية يعتبر أمرا في غاية الأهمية. ويتطلب ذلك ربط الاقتراض العام المستقبلي بمشاريع انتاجية حصرا. وانشاء حساب باسم صندوق تعويضات الدين العام، تودع فيه اية زيادة ناجمة عن تحسن اسعار النفط فوق المعدل المستهدف في الموازنة العامة يستخدم لتسديد اقساط الديون الداخلية والخارجية.

7- ضرورة اعتماد موازنة البرامج بدلاً من موازنة البنود حيث تعد موازنة البرامج والاداء خطوة أولى وأساسية على طريق الإصلاح الاقتصادي المنشود كونها تتطلب تطوير النظام المحاسبي وتغيير جذري لنمط الإدارة المالية الحالي. بينما تعمل موازنة البنود على ترسيخ تخلفه او اعاقة عملية اصلاحه كلاً أو جزءاً. فضلا على ضرورة انجاز الحسابات الختامية ضمن التوقيتات الزمنية المحددة، اذ لا يمكن الحديث عن اصلاح مالي حقيقي دون وجود حسابات ختامية تعين صناع القرار والجهات الرقابية على رصد منافذ الهدر والفساد في تنفيذ الموازنة العامة للدولة.

* قسم الدراسات الاقتصادية/مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2017
www.fcdrs.com

........................
1- البنك الدولي للإنشاء والتعمير، القرض الثاني لتمويل برامج سياسات التنمية، تقرير رقم108714-IQ، ديسمبر 2016، ص27.

اضف تعليق