تعاني اغلب دول العالم من الحيرة والشك في أي النظامين تتبع لإدارة الاقتصاد هل هو الدولة أم السوق؟ حتى يتم تحقيق الإدارة المثلى للموارد المتاحة في البلد وإشباع حاجات المجتمع المتزايدة بأقل التكاليف، دون الأخذ بعين الاعتبار هدف الإنسانية من معظم العمليات الاقتصادية.

سلوك القطيع في الاقتصاد

لكن في الوقت الحاضر وكنتيجة لسيطرة الدول، التي تتبع نظام السوق، على الاقتصاد العالمي أخذت الدول الأخرى تتبع ما تتبعه الدول المسيطرة على العالم وهذا ما يشبه سلوك القطيع في الحيوانات، عبر أدوات العولمة كصندوق الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، حيث إن الدول التي تسيطر على العالم تتبع نظام السوق البحت البعيد عن القضايا الإنسانية، ولا مشكلة من تحويل الإنسان إلى سلعة يتم التحكم بها كما يتم التحكم بالسلع والخدمات عبر العرض والطلب!!

إذ إن نظام السوق يسعى لتحقيق المال والارباح بصرف النظر عن الآثار السلبية التي تظهر كنتيجة لعملياته الاقتصادية كالاحتكار والتلوث البيئي وخطر الأسلحة والفوارق الطبقية وغيرها، ومن ثم تأثيرها على الحياة الإنسانية، وجعل الإنسان في مرحلة ثانية ليس كما ينبغي أي أن يكون كل شيء من أجل الإنسان، وذلك لاتخاذه المال هدفاً وليس وسيلةً، والإنسان وسيلة لتحقيق ذلك الهدف.

رأسمالية الدولة

أما الدولة فهي نظام مختلف عن نظام السوق، حيث إنها تسعى إلى امتلاك وسائل الإنتاج وإدارة الاقتصاد بالشكل الذي يخدم المجتمع عموماً، لكن وكنتيجة لفقدان جانب الحوافز على التطوير والتقدم نحو الأمام، فإن المجتمع سيبقى كما هو من دون تقدم، وإذا أصبح قادة الدولة من الرأسماليين سيكون الأمر أسوء بكثير، ويصبح مصطلح رأسمالية الدولة هو الوصف الصحيح لهكذا دولة.

الشراكة هي الحل لضمان هدفية الإنسان

ولذا فالحل يكمن في إتباع مبدأ الشراكة ما بين النظامين وخلق علاقة تخادمية فيما بينهما وبما يسهم في تقدم البلد عبر الاهتمام اولاً بتنمية وتوعية الإنسان، إذ إن التنمية الحقيقية هي تنمية الإنسان وتوعيته، وهو هدف التنمية ووسيلتها، فعلى الدولة أن تقوم بتهيئة الظروف العامة وتحسين مناخ الاستثمار كتوفير الأمن وتبسيط النظام الإداري وتحقيق الاستقرار الأمني والسياسي والاجتماعي وبناء العلاقات الوطيدة مع العالم الخارجي وخصوصاً مع الدول التي تحفز وتشجع الدول النامية على التقدم، وليس التي تسعى إلى جعل الدول النامية كالبقرة الحلوب.

كذلك ينبغي عليها أن تقوم بالإشراف على اداء القطاع الخاص حتى تضمن عدم خروجه عن القاعدة المهمة في التنمية وهي أن الإنسان هدف التنمية ووسيلتها، أي لابد من الاهتمام في وضع الخطط والأساليب التي تراعي المضامين الإنسانية التي ينبغي على القطاع الخاص أن يلتزم بها ويضع الإنسان في المرحلة اولاً، ويكون ماله وسيلة لإشاعة السلم والسلام المجتمعي لا أن يكون هدفه الحصول الأموال مع صرف النظر عن الآثار التي يتركها والتي تزيد من الفوضى الاجتماعية وكذلك السياسية والاقتصادية وغيرها التي يعانيها العالم اليوم.

ان القطاع الخاص يقوم بجميع العمليات الاقتصادية لأنه أكثر كفاءة من الدولة في إنتاج السلع والخدمات، حيث معروف أن الدولة ليس لديها الكفاءة في العمليات الاقتصادية كما هو الحال في القطاع الخاص. إن إيلاء العمليات الاقتصادية من إنتاج وتوزيع واستهلاك للنظام الأكفأ سيؤدي إلى الكثير من المزايا الاقتصادية والاجتماعية، حيث يؤدي إلى تقليص الهدر في الموارد وتمتع المستهلك بالسلع والخدمات ذات النوعية العالية والكلف المنخفضة، كذلك يؤدي إلى تقليص البطالة وبالخصوص المقنعة التي تعد من أهم سمات الدولة، كما وإن كفاءة استخدام الموارد تؤدي إلى تحقيق العدالة الاجتماعية بين الأجيال الحالية والمستقبلية، إذ إن الموارد ليس حكراً على الأجيال الحالية.

تقدم عالمي وتراجع إنساني

وعلى الرغم من التقدم المادي الحاصل اليوم في العالم وخصوصاً في العالم الغربي مع بداية تفتح العالم الشرقي على هذا التقدم المذهل، وعلى الرغم من تقارب دول العالم بفعل شيوع العولمة من خلال أدواتها المتمثلة بالصندوق والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية، والثورة المعلوماتية التي أسهمت في زيادة سرعة التقارب الدولي حتى أخذ يعبر عن العولمة بـ " القرية الكونية الصغيرة "، إلا إن العالم في الوقت ذاته لم يسير نحو العمل على تحقيق العائلة الإنسانية العالمية بل متجه نحو الاغتراب الإنساني.

والدليل على ذلك ما جاء في تقرير التنمية البشرية لعام 2016 اذ ورد فيه " في العالم يعاني واحد من كل تسعة أشخاص من الجوع، وواحد من كل ثلاثة من سوء التغذية، ويقضي 1800 شخص يومياً في جميع أنحاء العالم بسبب تلوث الهواء، ويصيب فيروس نقص المناعة البشرية مليوني شخص في السنة، ويتعرض 24 شخصاً في المتوسط كل دقيقة للنزوح قسراً من ديارهم. هذه الأوجه من الحرمان شائعة بين فئات شتى من السكان، فالنساء والفتيات، والأقليات الأثنية، والشعوب الأصلية، والأشخاص ذوو الإعاقة، والمهاجرون، جميعهم في حرمان من الأبعاد الأساسية للتنمية البشرية"

عندما يسير القطاع الخاص باتجاه تحقيق الهدف المادي المتمثل بالربح حتى ولو استخدم الإنسان كوسيلة وعده أداة من أدوات الإنتاج ومسخ وجوده وأحاسيسه ومشاعره فلا بد أن تقف الدولة وتقول كلمتها الفصل بأن الهدف الرئيس هو الإنسان لا المادة والربح أي لا بد من الحفاظ على كيانه وأحاسيسه وشعوره وعدم تعرضه للمهانة والذلة والخضوع لأصحاب رأس المال بسبب احتياجه لتأمين لقمة العيش، وكما هو حاصل اليوم في اغلب دول العالم.

فاغلب الكلام أعلاه يتعلق بأصحاب رؤوس الأموال والقادرين على العمل لكن ما هو سبيل غير القادرين على العمل كالمسنين والأطفال والمرضى والعجزة...إلخ، نعم فحتى وأن فسحت الدولة الباب للقطاع الخاص لإدارة العمليات الاقتصادية لابد لها أن تعمل على توفير وتأمين احتياجات هذه الفئات المادية والمعنوية حتى نحافظ على شعار "الإنسان أولا في الاقتصاد" وذلك من خلال توفير الضمان والتكافل الاجتماعيين وإيجاد كل الوسائل التي تعزز من قيمتهم في وجودهم وسط هذا المجتمع حتى لا يشعروا بعدم أهميتهم في هذه الحياة في حال أصبحت المادة والأرباح هي الهدف الأساس فيتسابق المجتمع عليهما وأيهم يحصل على الأكثر فتغيب الإنسانية من المجتمع!

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2017
www.fcdrs.com

........................
المصادر:
تقرير التنمية البشرية 2016 " تنمية للجميع " لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ص5.

اضف تعليق