لا تزال اقتصادات البلدان العربية متأخرة عن اللحاق بركب الاقتصادات النامية على صعيد العمل بسياسات قائمة على القواعد والأنظمة المالية، فقد أدى غياب أطر المالية العامة المستندة إلى القواعد في البلدان المصدرة للنفط مثلا، إلى تيسير الانتقال المباشر لآثار تقلبات أسعار النفط الى الموازنة العامة والاقتصاد...

يكتسب إصلاح المالية العامة في البلدان العربية أهمية متزايدة، وخصوصاً مع تزايد الضغوط الناجمة عن اشتداد النزاعات وتفاقم أزمة الهجرة واللجوء وانخفاض أسعار النفط لاسيما في دول مجلس التعاون الخليجي.

وفي إطار الجهود المبذولة لمناقشة التحديات التي تواجه الاقتصاديات العربية في ظل تزايد الضغوط على المالية العامة، وإيجاد السبل لمواجهتها والتقليل من آثارها، استضافت دبي مؤخرا اعمال الدورة الثالثة من "منتدى المالية العامة للدول العربية" تحت عنوان “إصلاح المالية العامة في الدول العربية: التحديات والفرص". بمشاركة ووزراء مالية الدول العربية وصندوق النقد الدولي وصندوق النقد العربي وعدد من المؤسسات الحكومية والخاصة. وناقش المنتدى قضايا السياسات المالية والتحديات التي تواجه صنّاع السياسات في المنطقة العربية في إطار التطورات الاقتصادية والمالية الإقليمية والدولية. واستراتيجيات إصلاحات الدعم ورفع كفاءة الانفاق العام وتعزيز تعبئة الإيرادات وتنويعها في البلدان العربية. ايضا تطرقت اعمال المنتدى الى التقنيات المالية الحديثة والاستفادة من فرص تطبيقها في تطوير إدارة المالية العامة.

تحديات القطاع المالي الحكومي

ناقش منتدى المالية العامة في البلدان العربية جملة من تحديات السياسات المالية في إطار التطورات الاقتصادية والمالية الراهنة، وقد كان تركيز منتدى العام الماضي على جانب الايرادات العامة في حين تناول منتدى هذا العام جانب النفقات العامة. وقد شملت التحديات المالية المثارة كافة البلدان العربية، النفطية منها وغير النفطية، وفيما يلي عرضا لأبرز تلك التحديات:

1- تواجه معظم البلدان العربية تحدياً مشتركاً على صعيد تصميم وتنفيذ سياسات مالية احترازية، مصحوبة بأنماط إنفاق عام مقبولة اجتماعياً، ونظمٍ ضريبية كفؤة تكون مواتية لتحقيق النمو الاقتصادي الاحتوائي الشامل والعادل.

2- لا تزال اقتصادات البلدان العربية متأخرة عن اللحاق بركب الاقتصادات النامية في العالم، على صعيد العمل بسياسات قائمة على القواعد والأنظمة المالية، فقد أدى غياب أطر المالية العامة المستندة إلى القواعد في البلدان المصدرة للنفط مثلا، إلى تيسير الانتقال المباشر لآثار تقلبات أسعار النفط الى الموازنة العامة والاقتصاد.

3- تعكس سياسات المالية العامة في منطقة الشرق الأوسط، إلى حد بعيد، وجود عقد اجتماعي ضمني بين الحكومات ومواطنيها، وهو ما يظهر جلياً في البلدان المصدرة للنفط، حيث تتجه السياسة المالية نحو توسيع الإنفاق الجاري والاستمرار بدعم السلع والخدمات واستيعاب المزيد من القوى العاملة في القطاع العام وبما يفوق الحاجة الفعلية بأضعاف. مما اضعف من استدامة المالية العامة في تلك البلدان وزاد من مخاطر انزلاق اقتصاداتها في فلك الديون السيادية، وقلص من حجم مواردها المتاحة للإنفاق الاستثماري المعزز للنمو الاقتصادي.

4- يتسم الانفاق الاستثماري بانخفاضه في البلدان العربية إذا ما قورن بالإنفاق الجاري، رغم حاجة المشروعات التنموية لمزيد من النفقات الاستثمارية لأجل النهوض بالبنية التحتية ورفع مستويات الصحة والتعليم. وغالبا ما يتم التضحية بالنفقات الاستثمارية عند تراجع الايرادات العامة او التوجه نحو سياسة مالية تقشفية، نظرا لعدم مرونة النفقات الجارية للخفض، لارتباطها برواتب القطاع العام وبعض النفقات السيادية غير القابلة للتقليص.

5- ضآلة الايرادات غير النفطية كالضرائب والرسوم والايرادات الاخرى، وهو ما يعكس ضعف نظم الإدارة الضريبية وفسادها، وضخامة حجم قطاعات الاقتصاد الموازي في معظم البلدان العربية.

6- لا تزال أنظمة الإدارة المالية العامة وإدارة الاستثمارات العامة وآليات إعداد وتنفيذ ومراقبة الموازنة العامة بدائية، لا سيما في ضوء العدد القليل نسبياً من البلدان التي اعتمدت أطراً شفافة ذات مصداقية وكفاءة.

مسارات الاصلاح والضبط المالي

ناقش منتدى المالية العامة في البلدان العربية حزمة من السياسات اللازمة لإحداث اصلاح حقيقي في ادارة المالية العامة في البلدان العربية، منوهاً بالجهود التي تقوم بها السلطات في الدول العربية على صعيد إصلاح منظومة الدعم وترشيد الانفاق العام وتطوير استراتيجيات الدين العام، وتطوير النظم الضريبية وتعزيز مشاركة القطاع الخاص وتحسين إدارة الاستثمارات العامة، وتداعيات تلك الجهود على آفاق تحقيق الاستقرار الاقتصادي وتعزيز النمو الشامل. وفيما يلي ابرز خطوات الاصلاح المالي المطلوب:

1- إصلاح فاتورة الرواتب والأجور في القطاع العام بشكل يوفر هامشاً لمرونة الموازنة، ويكفل ضبط نمو تلك النفقات على نحوٍ أفضل مستقبلاً، وبما يقلص، مع مرور الوقت، من فجوة الأجور مع القطاع الخاص، ويعزز تنافسيته، ويعمل على تسهيل التنويع الاقتصادي.

2- الحدّ من نمو التوظيف في القطاع العام لتحسين الادخار العام، مع العمل على توفير فرص عمل للمواطنين في القطاع الخاص، بغية تفادي ارتفاع معدلات البطالة.

3- تفعيل النظام الضريبي في البلدان العربية كافة نظرا لتدني نسب مساهمة الضريبة في تمويل الموازنة العامة، ويمكن ذلك من خلال تطبيق ضريبة القيمة المضافة والضريبة الانتقائية على الإنتاج، وإصلاح نظام ضريبة الأرباح عن طريق تخفيض معدلاتها المطبّقة وتوحيدها، وهو ما من شأنه أن يزيد من الإيرادات الضريبية، ويخلق في الوقت نفسه بيئة تتيح المنافسة العادلة بين جميع الشركات العاملة في البلدان العربية. وتنظر بلدان مجلس التعاون الخليجي حالياً في إمكانية فرض ضريبة على الاستهلاك، اعتباراً من العام 2018.

3- العمل على استثمار جزء من العوائد النفطية في صناديق الاجيال في البلدان النفطية، فضلا على ضرورة انشاء صندوق لتسديد الديون الخارجية وصندوق استقرار مالي يستوعب صدمات اسعار النفط ويمنع تسلل اثار تقلبات الاسعار الى الاقتصادات النفطية.

4- ضرورة عزل النفقات الحكومية (الجارية تحديدا)، وبشكل تدريجي، عن الإيرادات النفطية المتقلبة وبما يعزز مسارات النمو والاستقرار الاقتصادي الكلي في البلدان العربية النفطية.

5- اصلاح منظومة الدعم الحكومي في البلدان العربية، لما له من دور في تعزيز الاستدامة المالية من جهة، وتأمين بيئة اعمال محفزة للقطاع الخاص من جهة أخرى. وتهدف الجهود المبذولة لزيادة كفاءة منظومة الدعم، إلى تعزيز الموارد العامة لمقابلة الانفاق الحكومي المتزايد وتحسين أوضاع المالية العامة. فعلى الرغم من اتساع نطاق السلع والخدمات التي شملها الدعم الحكومي خلال العقد الأخير وتسارع نمو حجمه، على خلفية ارتفاع أسعار النفط، وانخفاض الدخول الحقيقية، إلا أن هذا الارتفاع المضطرد في الدعم الذي تقدمه الحكومات ضاعف من التحديات التي تواجه السياسات المالية وأبرز أهمية إصلاح سياسات الدعم وتطوير شبكات الضمان والحماية الاجتماعية.

6- يمثل توفر المعلومات بشكل دقيق وتفصيلي عن أوجه الانفاق تحدياً حقيقياً أمام البلدان العربية، وهو ما يلزم حكومات هذه البلدان الى تبني التقنيات الحديثة في توفير المعلومات التفصيلية وبشكل آني وبما يزيد من كفاءة رسم السياسات المالية وإعادة هيكلتها. اذ يمكن للحكومات مراقبة عمليات المالية العامة بشكل مباشر، ومن ثم اتخاذ قرارات فورية من شأنها تغيير سياستها المالية كاستجابة سريعة لأوضاع المالية العامة التي تظهرها التقنيات الحديثة جلياً بشكل لحظي. أيضاً تساهم التقنيات الحديثة في تحسين مستويات تنفيذ الموازنة العامة للدولة ورفع كفاءة الانفاق الحكومي، وهو ما سيؤدي بدوره إلى زيادة معدلات الفائض في الانفاق الحكومي، إضافة إلى ما يُمكن أن تحققه التقنيات الحديثة من تحسين لمستوى الخدمات العامة المُقدمة للمجتمع، علماً أن ارتفاع معدلات استخدام التقنيات الحديثة يعمل على زيادة كفاءة وشفافية العمليات الحكومية.

7- تعزيز مبادرات الشراكة بين القطاعين العام والخاص لرفع مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي، وتوفير فرص إضافية لتمويل مشروعات البنية التحتية، ورفع كفاءة الإنفاق العام في إدارة المشروعات الاستثمارية إلى جانب خلق المزيد من فرص العمل، وهو أمر بالغ الأهمية في المجتمعات العربية الشابة.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2018
www.fcdrs.com

اضف تعليق