رغم ما شهدته اسواق النفط من استقرار نسبي واسعار توازنية خلال الشهور والاسابيع الماضية، بدأت بعض العناصر المحركة لديناميكيات العرض والطلب تلوح في الأفق وتنذر بتأرجح حاد قد يعصف بأسواق النفط العالمية مجددا، مع صعوبة التكهن بدقة حول اتجاه بوصلة الاسعار في الايام والاسابيع القادمة...

أسهم الاتفاق النفطي بين اعضاء اوبك والبلدان المصدرة للنفط الخام الى كبح جماح التقلبات الحادة التي شهدتها اسواق النفط العالمية منتصف العام 2014، ودفع الاسعار صوب مديات توازنية مقبولة للبلدان النفطية وملائمة ايضاً لاستمرار زخم النمو الاقتصادي العالمي. حفز ذلك البلدان المنضوية تحت مظلة تجميد الانتاج الى تمديد الاتفاق النفطي عاما اخر ليسري حتى نهاية كانون الاول من العام الجاري.

وساعد تقليص معدلات الانتاج في امتصاص تخمة المعروض النفطي العالمي التي ولدها تجاوز بلدان اوبك على الحصص المقررة ودخول النفط الصخري الى اسواق الطاقة العالمية فضلاً على زيادة معدلات انتاج النفط الخام من البلدان المصدرة للنفط خارج اوبك كروسيا. ويزيد التزام البلدان المنخرطة في الاتفاق المذكور، بالسقوف الانتاجية المقررة، من صدقية وتأثير الاتفاق الجديد على الاسواق وهو ما انعكس بشكل واضح في الثبات النسبي الذي شهدته اسعار النفط مؤخراً وملامسة حاجز 75 دولار للبرميل.

افاق التأرجح القادم

رغم ما شهدته اسواق النفط من استقرار نسبي واسعار توازنية خلال الشهور والاسابيع الماضية، بدأت بعض العناصر المحركة لديناميكيات العرض والطلب تلوح في الأفق وتنذر بتأرجح حاد قد يعصف بأسواق النفط العالمية مجددا، مع صعوبة التكهن بدقة حول اتجاه بوصلة الاسعار في الايام والاسابيع القادمة نظرا لتضارب اتجاهات تلك العناصر. وفي هذا السياق يمكن تقسيم العناصر المتوقع تأثيرها في الاسواق النفطية الى مجموعتين الاولى تدفع باتجاه رفع الاسعار والثانية تضغط باتجاه خفض الاسعار، وفيما يلي توضيحا لأبرز تلك القوى:

العناصر الدافعة للأسعار

يتوقع ان تتسلل العوامل السياسية مجددا الى اسواق النفط العالمية بسبب المخاوف من انسحاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق النووي مع إيران، خصوصا بعد اعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ما وصفه بالأدلة على برنامج أسلحة نووية إيراني سري. وقد منح ترامب بريطانيا وفرنسا وألمانيا مهلة حتى 12 أيار/ مايو لإصلاح ما يراها عيوبا في الاتفاق النووي المبرم مع إيران في العام 2015 وإلا فإنه سيعيد فرض العقوبات من جديد، ولا يخفى ما لذلك من أثر على الاسواق النفطية، نظرا لما ستخلفه العقوبات الجديدة من اختفاء لقرابة 2.6 مليون برميل يوميا من الاسواق وبالتالي قد ترتفع الاسعار لقرابة 100 دولار للبرميل إذا لم يعوض النقص في الامدادات بشكل او باخر. من جانب اخر، يظهر استطلاع أجرته رويترز بأن الالتزام الشديد بتخفيضات الإنتاج التي تقودها أوبك وروسيا منذ أكثر من عام والطلب العالمي القوي على النفط وتعطل إمدادات بعض الدول في الشرق الأوسط من المرجح أن ترفع متوسط سعر النفط هذا العام.

عوامل خفض الاسعار

لا يزال الرئيس الامريكي دونالد ترامب مصراً على اشعال حرب تجارية بين الولايات المتحدة واوربا وعدد من الدول الاسيوية كالصين، لتحفيز الاقتصاد الامريكي ومحاولة اتباع سياسة افقار الجار مع بعض الدول وبالخصوص المانيا والصين. ولا يخفى ما لذلك من تأثير مباشر في كبح معدلات النمو الاقتصادي العالمي وادخال الاقتصاد في نفق ركودي جديد قد يطيح بأسعار النفط مجددا الى معدلات متدنية، خصوصا إذا ماردت تلك الدول بسياسات مماثلة، مما قد يقوض معدلات النمو الاقتصادي الهش الذي يشهده الاقتصاد العالمي منذ اندلاع الازمة المالية العالمية عام 2008.

ايضا يلاحظ هبوط أسعار النفط الخام مؤخرا مع ملامسة الدولار أعلى مستوياته في أربعة أشهر، فقد ارتفع الدولار ليتحول إلى تحقيق مكاسب منذ بداية العام 2018 أمام سلة من العملات الأخرى، وهو ما يزيد من تكلفة النفط المقوم بالعملة الأمريكية على حائزي العملات الأخرى.

على جانب العرض، افصحت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية الصادرة في تقريرها الشهري إن إنتاج الولايات المتحدة من الخام ارتفع 260 ألف برميل يوميا ليصل بالإجمالي إلى 10.26 مليون برميل يوميا في فبراير شباط، مسجلا أعلى مستوياته على الإطلاق. وهذا يتطابق مع توقعات الخبراء من انعكاس التعافي في اسعار النفط الخام في معدلات الانتاج الامريكي من النفط الصخري. فقد بين الخبير النفطي دانيال هاينز بان ارتفاع أسعار النفط قد يولد نمو الإنتاج الأمريكي سريعا في الأشهر المقبلة، واشار الى ان أسعار الخام قد تبقى مرتفعة على المدى القصير، إلى أن تؤدي زيادة أنشطة الحفر في الولايات المتحدة إلى تسارع نمو الإنتاج وبالتالي زيادة المعروض العالمي وانخفاض الاسعار.

واخيرا تشير بيانات تقرير معهد البترول الأمريكي الصادر مؤخراً، الى ارتفاع مخزونات النفط الخام في الولايات المتحدة بمقدار 3.4 مليون برميل لتصل إلى 432.575 مليون برميل في نهاية شهر مارس آذار، وهو عنصر ضغط على مستويات الاسعار الجارية.

وهكذا يتضح وجود جملة من العناصر، وباتجاهات متعاكسة، تطوق الافاق المستقبلية لأسعار النفط الخام، مع التأكيد على صعوبة التنبؤ بالاتجاهات المستقبلية التي قد تشهدها اسواق النفط العالمية تحت ضغوط القرارات الترامبية اللاعقلانية التي تزيد المشهد تعقيدا.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2018
www.fcdrs.com

اضف تعليق