اقتصاد - مقالات اقتصادية

ماذا لم أتوقع في شبابي

هناك أمور أخرى لم يتمكن من التنبؤ بها سوى قِلة من الناس: وتحضرني هنا قضايا مثل أسعار الفائدة السلبية، وكذا اكتشاف الحمض النووي (على الأقل بالنسبة لنا من غير العلماء). ولا أتخيل أن المستقبل قد يكون أقل إذهالا من الماضي. فسوف يستمر ما لا يمكن تصوره...
بقلم: مايكل سبنس

فورت لودرديل ــ مع تقدمنا في العمر، نميل إلى استقبال كل عام جديد بالتأمل في التطورات الأوسع نطاقا التي حدثت بالتوازي مع حياة كل منا. أنا شخصيا، أركز عادة على المفاجآت (الإيجابية والسلبية): الأمور التي كنت لأعتبرها مستحيلة أو حتى لا يمكن تخيلها في سنوات شبابي.

ولِدت أثناء الحرب العالمية الثانية، ونشأت في كندا في ظل وعي عام ببعض جوانب العالم الأكبر على الأقل، وخاصة الحرب الباردة. سمح لنا التلفزيون الأبيض والأسود بمشاهدة القوة التدميرية الكامنة في الأسلحة النووية من غرف المعيشة في بيوتنا. وقد شاهدت أنا وأطفال آخرون كثيرون "صديقتنا الذرة" في السلسلة التلفزيونية "ديزني لاند والت ديزني"، لكننا كنا رغم ذلك نرقد مستيقظين في الليل نستمع إلى الطائرات المارة، يحدونا الأمل في أنها لا تحمل أدوات إبادتنا.

في ذلك الوقت، كانت القنابل النووية محفوظة في صوامعها، نظرا للتأثير الرادع المتمثل في "الدمار المؤكد المتبادل"، والقيادة الفعّالة التي ظهرت خلال الكوارث الوشيكة التي نجونا منها بأعجوبة مثل أزمة الصواريخ الكوبية. ثم انتهت الحرب الباردة في آخر المطاف، وكل من هم دون سن الثلاثين اليوم، أمضوا حياتهم بالكامل في عالم بلا حرب باردة. وبالنسبة لأغلبهم، ربما يبدو التفوق الأميركي الاقتصادي والعسكري حالة معتادة ودائمة تماما كما بدت الحرب الباردة في نظر من ولِدوا في فترة طفرة المواليد. لكننا أصبحنا الآن على مشارف تحول آخر مثير للقلق والانزعاج في علاقات القوة.

في أوائل سنوات ما بعد الحرب، كانت البلدان النامية ــ العديد منها كانت مستقلة حديثا بعد تفكيك الإمبراطوريات الاستعمارية ــ بدأت للتو الرحلة الطويلة المعقدة التي كان من شأنها أن تغير العالم وحياة مليارات من البشر خلال العقود التالية. ورغم أن هذه الرحلة لم تنته بعد، فإن قِلة من المراقبين هم من توقعوا أن تحقق العديد من هذه البلدان ما حققته من رخاء وازدهار. كانت المصطلحات المستخدمة آنذاك ــ مثل "الدول المتخلفة" أو "العالم الثالث" ــ تشي باعتقاد مفاده أن نقص النمو يشكل حالة شبه دائمة.

لهذا السبب، أرى أن ظهور العالم النامي هو الحدث غير المتوقع الأكثر أهمية في حياتي. كان اقتراب البلدان النامية البطيء الدؤوب من العالم المتقدم سببا في تغير النظام الدولي جوهريا. قبل سبعين عاما، كان العالم المتقدم يمثل القسم الأكبر من دخل العالم ولكن 15% فقط من سكانه. الآن، انـتُـشِل المليارات من البشر من براثن الفقر وأصبحوا أكثر ثراء وصحة وأوفر حظا. وربما يتذكر المؤرخون في المستقبل هذه الفترة باعتبارها أعظم ممارسة للبشرية في الشمولية حتى يومنا هذا. ومع ذلك، لم يكن لأحد قبل وقت ليس ببعيد أن يتوقع مثل ذلك التحول.

الواقع أن هذا الاتجاه العظيم الذي لم يكن متوقعا كان مصحوبا بنتائج مباشرة غير منتظرة. فبادئ ذي بدء، أصبح الاقتصاد العالمي اليوم أكبر بنحو 4 إلى 5 مرات من توقعات أولئك الذين لم ينتظروا من أقرب 85% إلى القاع إلا أقل القليل من التنمية أو لا تنمية على الإطلاق. ونتيجة لهذا فإن البلدان النامية التي كانت تملك في السابق قدرا لا يُذكَر من القوة الاقتصادية ستلعب الآن دورا أكبر في الحكم العالمي، وسوف يكون هذا التحول في ميزان القوى وعرا.

لكن هذا النمو العظيم يُعَد سببا رئيسيا وراء تحول الاستدامة إلى قضية وجودية. على الرغم من التعهدات المبذولة بالحد من بصمتنا البيئية، فإننا نخسر حاليا المعركة ضد تغير المناخ. ينبغي لنا في مختلف أنحاء العالم أن نعمل على خفض الانبعاثات الغازية المسببة للانحباس الحراري الكوكبي بنحو 7.5% سنويا. ومع ذلك، تستمر الانبعاثات في الارتفاع، بل إنها حاليا أصبحت أعلى بنحو مرتين ونصف المرة من المطلوب لتجنب أزمة المناخ. ونحن نقترب من نقاط تحول محتملة قد تحدث عندها تغيرات متسارعة لا رجعة فيها في ديناميكيات المناخ وظروف المعيشة.

كان القرن العشرين، مثله في ذلك كمثل القرن التاسع عشر، عصرا اتسم بالتغير التكنولوجي المذهل. والآن يبدو التقدم المذهل وكأنه أمر عادي وغير مفاجئ. ولكن في نظر أولئك من أمثالي الذين نشأوا مع الكتب المطبوعة والمكتبات، والملايين الذين لم يتمتعوا بهذا الامتياز، من المذهل أن يتصور المرء كيف بات بوسعه الآن أن يقف في أي مكان على سطح الأرض تقريبا ويتمتع بالقدرة على الوصول إلى كامل المعرفة البشرية تقريبا، هذا فضلا عن كل الخدمات، والأسواق، وما إلى ذلك. وتُـعَد القدرة على طي المسافة والزمن سببا رئيسيا وراء قدرة التكنولوجيا الرقمية (إذا جرى نشرها على النحو الصحيح) على تحسين الشمولية وأداء كل المجتمعات إلى حد كبير.

بطبيعة الحال، لم أكن لأتوقع في شبابي أيضا أن أصطدم وأنا أسير في شوارع المدينة بأشخاص يحدقون في شاشات صغيرة، أو أن أرى زوجين يتناولان وجبتهما في مطعم وكل منهما يحدق في شاشة صغيرة. ولا يملك المرء إلا أن يتساءل ما إذا كان ثمن القدرة على الاتصال بالناس والحصول على المعلومات من مسافات شاسعة هو تضاؤل الاتصال بين المرء ومحيطه المباشر.

أخيرا، ربما ما كان لينبغي للمفاجأة الكبرى الثانية في حياتي أن تكون مفاجأة، نظرا إلى ما توصل إليه علماء الاجتماع الشباب في السنوات الأخيرة. ومع ذلك فقد فشل كثيرون من المنتمين إلى جيلي في التنبؤ باتساع فجوات التفاوت في الدخل والثروة والفرصة عبر نطاق واسع من الاقتصادات المتقدمة وحتى بعض الاقتصادات الناشئة. خلال ثلاثين إلى أربعين عاما بعد الحرب العالمية الثانية، تحول الاتجاه إلى المسار المعاكس: كان دخل العمل كنسبة ضئيلة من إجمالي الدخل ينمو بوضوح، وكان التفاوت في الدخل القابل للقياس في تراجع، وبدأت تظهر طبقة متوسطة عريضة القاعدة. ونظرا لهذه التطورات الإيجابية، ارتاح كثيرون إلى فكرة مفادها أن الاقتصادات المتقدمة الحديثة قادرة على الاستمرار على مسارها تلقائيا دون توجيه.

ومع ذلك، أدرك أهل الاقتصاد أن رأسمالية السوق لا تصحح ذاتها تلقائيا وفقا لاتجاهات التوزيع السلبية (سواء تلك المزمنة أو الانتقالية)، وخاصة الاتجاهات المتطرفة. الواقع أن السياسات العامة والخدمات والاستثمارات الحكومية يجب أن تضطلع بدور حاسم. ومع ذلك، في العديد من الأماكن، كان هذا الدور إما غائبا بالكامل أو غير كاف. وكانت النتيجة ظهور نمط دائم من عدم تكافؤ الفرص الذي يسهم في استقطاب العديد من المجتمعات. ويخلف هذا الانقسام المتعمق تأثيرا سلبيا على السياسة والحكم وعملية صنع السياسات، ويبدو أنه الآن يعوق قدرتنا على التعامل مع قضايا رئيسية كبرى، بما في ذلك تحدي الاستدامة.

هناك أمور أخرى لم يتمكن من التنبؤ بها سوى قِلة من الناس: وتحضرني هنا قضايا مثل أسعار الفائدة السلبية، وكذا اكتشاف الحمض النووي (على الأقل بالنسبة لنا من غير العلماء). ولا أتخيل أن المستقبل قد يكون أقل إذهالا من الماضي. فسوف يستمر ما لا يمكن تصوره في الحدوث، وسوف نتعجب إزاء بعض الأشياء الجديدة في حين نحاول التكيف قدر إمكاننا مع أمور أخرى.

* مايكل سبنس، حائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، وأستاذ علوم الاقتصاد في كلية ستيرن لإدارة الأعمال بجامعة نيويورك وكبير زملاء معهد هوفر. كان رئيسًا للجنة المستقلة المعنية بالنمو والتنمية، وهي هيئة دولية قامت في الفترة من 2006-2010 بتحليل فرص النمو الاقتصادي العالمي، ومؤلف كتاب "التقارب التالي - مستقبل النمو الاقتصادي في عالم متعدد السرعات"
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق