عندما يتعلق الأمر بالشركات، والحكومات، والأسر، والمؤسسات المتعددة الأطراف التي تبحر عبر هذه الفترة الـمُـربـِكة، لا تختلف المهمة الأساسية: التغلب على الارتباكات الناجمة عن الجائحة بطرق تؤكد أيضا على الجوانب المشرقة للأزمة. الآن حان الوقت للنظر في ضرورة الإحاطة بالاتجاهات والظروف التي ستعيد تشكيل مجتمعنا واقتصادنا...
بقلم: محمد العريان

تشيبينج نورتون ــ استحوذت الـمآسي الإنسانية والارتباكات الاقتصادية الهائلة التي أحدثها مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد-19) بـحق على اهتمام جماهير الناس وصناع السياسات لأكثر من ستة أشهر، وينبغي لهذه الحال أن تستمر. ولكن في إدارة الأزمة المباشرة، لا يجوز لنا أن نَـغـفَـل عن الفرص. الواقع أن المقولة التي كثيرا ما يُـسـتَـشـهَـد بها حول ضرورة عدم إهدار فرصة الأزمة نادرا ما كانت وثيقة الصِلة إلى هذا الحد.

عندما يتعلق الأمر بالشركات، والحكومات، والأسر، والمؤسسات المتعددة الأطراف التي تبحر عبر هذه الفترة الـمُـربـِكة، لا تختلف المهمة الأساسية: التغلب على الارتباكات الناجمة عن الجائحة بطرق تؤكد أيضا على الجوانب المشرقة للأزمة. الآن حان الوقت للنظر في ضرورة الإحاطة بالاتجاهات والظروف التي ستعيد تشكيل مجتمعنا واقتصادنا للأفضل في الأمد البعيد. مع وضع هذا الهدف الشامل في الاعتبار، إليكم أفضل ستة جوانب مشرقة أستطيع تمييزها.

يتلخص الجانب المشرق الأول في أننا نعيش في واحدة من أكثر الفترات إثارة وتبشيرا في ما يتصل بالاختراع والإبداع الطبي. فبرغم أن التركيز المباشر ينصب عن حق على إنتاج لقاحات وعلاجات كوفيد-19، ينبغي لنا أن نتوقع أن يُـفضي العمل البحثي الجاري حاليا إلى مجموعة من الاكتشافات الأخرى، والتي سيحقق كثير منها فوائد جـمة ودائمة. علاوة على ذلك، تجبرنا الأزمة على مواجهة مجموعة من القضايا المعقدة المتعلقة بتسعير الأدوية وتوزيعها، على المستويين المحلي والعالمي، فضلا عن نطاق من أوجه التفاوت الاجتماعي وغير الاجتماعي التي سمحنا لها بأن تتفاقم.

ثانيا، يعمل التعاون الأعمق بين مؤسسات القطاع الخاص عبر الحدود، والذي يحدث غالبا خارج إطار الحكومات، على تغذية عملية القفزة العلمية هذه. ففي إطار التعبئة ضد فيروس كورونا، يتبادل العلماء في مختلف أنحاء العالم المعلومات كما لم يحدث من قبل قَـط، وتتعاون شركات الأدوية على نحو غير مسبوق. وتحظى هذه الجهود الجماعية بالدعم من قِـبَـل شراكات ديناميكية بين القطاعين العام والخاص، مما يدل على أن أدوات التنمية من الممكن أن تحقق "الربح للجميع" حقا عندما تكون مركزة على النحو الصحيح وعندما يكون التوافق بينها واضحا.

ثالثا، عملت الارتباكات الاقتصادية الناتجة عن الجائحة على دعم جهود القطاع الخاص المتعددة لجمع وتحليل نطاق أوسع من البيانات العالية التكرار في مجالات تمتد إلى ما هو أبعد من الطب. في مجال الاقتصاد على سبيل المثال، نجد طفرة هائلة في الاهتمام بطرق جديدة مبدعة لقياس النشاط الاقتصادي من خلال مؤشرات عالية التردد مثل التنقل (تحديد المواقع الجغرافية بواسطة الهاتف الذكي)، واستهلاك الكهرباء، وحركة بيع التجزئة، فضلا عن استخدام بطاقات الائتمان والحجز في المطاعم. وتعمل هذه المقاييس الآن على تكميل الإحصاءات الرسمية التي تجمعها الحكومات، مما يوفر مجالا كبير لممارسات المقارنة والتباين التي يمكنها أن تساعد في تحسين جودة جهود جمع البيانات وإبراز أهميتها في دعم السياسات.

رابعا، عملت صدمة كوفيد-19 على زيادة وعينا الجماعي وحساسيتنا تجاه "المخاطر التالية" النادرة الحدوث ولكنها شديدة التأثير. فعلى نحو مفاجئ، بدأ كثيرون في القطاعين الخاص والعام يفكرون بشكل أكثر عمقا في ما يتصل بالتوزيع الكامل للنتائج المحتملة، في حين كانوا في الماضي يركزون فقط على الأحداث الأكثر احتمالية. وأصبح صناع السياسات أكثر انفتاحا على تحليل السيناريوهات والنطاق الأوسع من محادثات من قبيل "إذا حدث ذلك، فيجب أن نفعل كذا" التي تثيرها مثل هذه التحليلات.

في حالة تغير المناخ ــ وهو خطر كبير اعتبره بعض المراقبين بالخطأ خطرا بعيد الاحتمال وليس خطرا أساسيا ــ زودنا الانخفاض الحاد في الانبعاثات الضارة خلال الأزمة الحالية بدليل واضح على إمكانية إيجاد طريقة جديدة. والآن بات من المقبول على نطاق واسع أن الحكومات يجب أن تضطلع بدور مهم في ضمان التعافي الدائم والشامل. والباب مفتوح لمزيد من الاستثمار العام في التخفيف من حدة تغير المناخ والتكيف معه، وهناك جوقة متنامية تطالب بأن يكون الوضع المعتاد الجديد "أخضر".

يحيلنا هذا إلى الجانب المشرق الخامس. لقد دفعت الجائحة البلد تلو الآخر إلى إدارة سلسلة من "التجارب الطبيعية"، التي سلطت الضوء على مجموعة من القضايا التي تتجاوز الصحة والاقتصاد. فقد خضعت أنظمة الحكم وأنماط القيادة للتدقيق، مما كشف عن تباين واسع في قدراتها على الاستجابة لذات الصدمة الكبرى. ولم تقتصر هذه القضايا على القطاع العام. فقد أُبـرِزَت مسؤولية الشركات مع اندفاع الشركة تلو الأخرى للاستجابة لما كان غير وارد في السابق. وقد تبين أن التعاون المتعدد الأطراف منقوص، مما يزيد من حدة الخطر الذي يهدد الجميع.

أخيرا، ألزمت الأزمة العديد من الشركات بإجراء محادثات صريحة حول التوازن بين العمل والحياة، وابتكار حلول مبدعة لتلبية احتياجات الموظفين. وقد حدثت بالفعل تغيرات بعيدة المدى في الكيفية التي نزاول بها أعمالنا، ونتفاعل مع الزملاء، ونستهلك السلع والخدمات، وبعض هذه التغيرات فقط ربما ترتد إلى سابق عهدها بعد انقضاء الجائحة.

الواقع أن هذه الجوانب المشرقة الستة تشكل فقط قائمة أولية بالفرص التي تتيحها الجائحة. المهم في الأمر هنا ليس استبعاد حِـدة حالة الصدمة وعدم اليقين التي واجهت غالبية سكان العالم. لقد دامت الجائحة زمنا أطول كثيرا مما توقع كثيرون، ولا تزال تخلف المأساة والدمار في طريقها.

لكن هذا من الأسباب الإضافية التي تستوجب محاولة تحقيق أقصى قدر من الاستفادة من استجابتنا الجماعية. ويتمثل التحدي الآن في توسيع هذه القائمة وضبطها، حتى يتسنى لنا اغتنام الفرص المعروضة وتسخير اتجاهات أكثر إيجابية للأمد البعيد. ومن خلال العمل معا، نستطيع تحويل فترة من المحنة الشديدة إلى فترة من الرفاهة المشتركة لنا ولأجيال المستقبل.

* محمد العريان، رئيس المستشارين الاقتصاديين في اليانز وعضو في اللجنة التنفيذية الدولية، كما رأس مجلس التنمية العالمية للرئيس باراك أوباما، تم تسميته واحدًا من أفضل 100 مفكر عالمي في السياسة الخارجية لعام 2009 و2010 و2011 و2012. ومؤلف كتاب: اللعبة الوحيدة في المدينة: البنوك المركزية وعدم الاستقرار وتجنب الانهيار التالي
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتي

اضف تعليق