وجود بيئة طاردة لراس المال البشري والنخب والكفاءات وذلك من خلال المضايقات والمطارات والحروب العبثية هنا وهناك. فهناك تداخلات غير سليمة تسودها للغة العنف وهي ما تجعل من الطاقات البشرية بما تمتلكه من أموال ومهنية وخبرة عرضه للهجرات خاصة في ضوء مغريات كثيرة من الأمن إلى الأمن الاقتصادي...

ناقش مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية، ورقة بحثية تحت عنوان (راس المال البشري العراقي في ظل جائحة كورونا.. الحاضر والمستقبل).

الورقة البحثية مقدمة من:

الدكتور ايهاب علي النواب

المتداخلون:

- ا. د. خالد عليوي العرداوي/ مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية

- ا. د. حيدر حسين آل طعمة/ كلية الادارة والاقتصاد-جامعة كربلاء، وباحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية.

- ا. م. د. قحطان حسين طاهر/ جامعة بابل، وباحث في مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية.

- م. د حسين احمد السرحان/ رئيس قسم الدراسات السياسية في مركز الدراسات الاستراتيجية-جامعة كربلاء وباحث في مركز الفرات

- الشيخ علي الرميثي

- الباحث حسن كاظم السباعي

- الشيخ مرتضى معاش

- الدكتور حميد مسلم الطرفي/ مدير فرع الهلال الاحمر فرع كربلاء، عضو ملتقى النبأ للحوار

- الدكتور اسعد كاظم شبيب/ تدريسي في جامعة الكوفة

- السيد احمد جويد/ مدير مركز ادم للدفاع عن الحقوق والحريات.

- السيد محمد الصافي/ مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث.

- السيد حامد عبد الحسين/ باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية.

عرض الورقة البحثية

المقصود من رأس المال البشري هو الخزين من المعرفة والمهارات والتعلم والسمات الاجتماعية والفردية بما في ذلك الابداع.

رأس المال البشري حسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية هو المعرفة والمهارات والكفاءات والسمات المتجسدة في الافراد التي تسهل صنع الرفاه الشخصي والاجتماعي والاقتصادي.

بمعنى إن المطلوب ليس خلق المواهب بحد ذاتها بقدر ما يتعلق الأمر في توظيف راس المال البشري في صنع الرفاه الشخصي والاجتماعي والاقتصادي.

يقيس مؤشر راس المال البشري اتجاهات محددة وهي بقاء الطفل والالتحاق بالمدرسة وجودة التعليم والنمو الصحي وبقاء البالغين.

بمعنى إنه يأخذ مراحل تطور الانسان منذ ولادته ومروراً بالمدرسة وجودة التعليم الذي يحصل عليه في المدرسة ومدى حصوله على الرعاية الصحية وانتهاءً بمتوسط عمره من خلال معدل الوفيات بين البالغين.

مؤشر راس المال البشري عالمياً وعربياً

ظهر مؤشر رأس المال البشري برعاية البنك الدولي عام 2018 وهو من المؤشرات الحديثة واكتسب شهر واضحة بعد هذا العام، تتراوح قيمته ما بين الصفر والواحد، كلما اقتربت الدولة من الواحد كلما حصل تطور في راس المال البشري والعكس صحيح.

آخر اصدار لهذا المؤشر هو عام 2020 احتلت بموجبه سنغافورة المرتبة الاولى وهونك كونك المرتبة الثانية واليابان المرتبة الثالثة وكوريا الجنوبية المرتبة الرابعة وكندا المرتبة الخامسة، وعلى الصعيد العربي فتحتل الامارات المرتبة 43 ويأتي العراق في المرتبة 143 من أصل 174 دولة ضمها المؤشر.

مؤشر الصحة في العراق

وفقاً لمؤشر رأس المال البشري عام 2020 الصادر عن البنك الدولي، بيّن إن الطفل المولود اليوم في العراق لن يتمكن من تحقيق أكثر من 41% من إنتاجيته عندما يبلغ السن القانوني ألا وهو 18 سنة، مقارنة بمعدل 57% في المنطقة (الشرق الاوسط وشمال أفريقيا).

إن مؤشر الصحة لا يقتصر على توفير العلاج في المستشفيات بل يذهب إلى أبعد من ذلك أي كالقدرة على اكتشاف الامراض مُبكراً والمراجعات الدورة وعدد الاطباء وعدد المستشفيات والمراكز البحثية الطبية لكل منطقة.

وعلى الرغم من التحسن بعد عام 2003 في انخفاض معدل الوفيات دون سن الخامسة إلا إنه مازال أقل من الدول ذات الدخل المتوسط. كما يعاني من ظاهرة التقزم وهومن أعلى الدول عدداً في الظاهرة بين دول المنطقة، كما وسجّل العراق نتائج ضعيفة فيما يتعلق بالسيطرة على الأمراض غير المعدية (كالضغط والسكر وغيرها) علماً إن هذه الامراض لم تدخل في مؤشر الصحة إلا إن العراق يعاني منها.

ووفقاً للمقاييس العالمية إن لكل مليون نسمة مركز تخصصي في الأمراض القلبية يقوم بكل ما يتعلق بالقلب من فحوصات وعمليات واستشارة أما في العراق فهو لا يخضع لهذه النسب لان عدد المركز التخصصية محدودة جداً وحتى هذه المراكز تعاني من التفاوت ما بين بغداد والمحافظات من حيث الجودة.

غياب الرعاية الصحية الاولية التي كان يتمتع بها العراق سابقاً وهي تمثل نقطة الانطلاق لخلق رأس المال البشري.

كذلك إن الصحة المجتمعية التي تتمثل في وجود طبيب لكل أسرة ووجود لقاءات دورية بينها يحدد من خلالها المشاكل الصحية وتتم إحالة المريض للطبيب الاختصاص، وهذا لجأت إليه بعض الدول العربية حالياً كالإمارات مثلاً، فيما يعاني العراق من تدني الوعي الصحي والطبي دولةَ ومجتمعاً.

مؤشر التعليم في العراق

وفيما يخص مؤشر التعليم الذي يمثل الحصة الأكبر في مؤشر رأس المال البشري، فمن المتوقع إن يتمكن الطفل العراقي من إكمال 7 سنوات فقط من التعليم المدرسي مقارنةً بـ 12 سنة في منطقة الشرق الاوسط وهذا مؤشر خطير.

أما جودة التعليم التي يتحصل عليها التلميذ مُقاساً بالاختبارات المعيارية فإنه يحصل على ما يُقارب 4 سنوات دراسية فقط عندما يبلغ السن القانوني بالمقارنة مع متوسط المنطقة البالغ ثمان سنوات، مما يعني إن هناك 40% من سنوات التعلُم تُعتبر ضائعة ولا تترجم إلى مهارات إنتاجية.

إضافة لمؤشر الصحة والتعليم يرى البنك الدولي افتقار العراق لبرنامج حماية اجتماعية شامل ومنصف قادر على استيعاب الصدمات وحماية المسنين وذوي الاعاقة والارامل والمطلقات وغيرها في ظل صعوبة الاستدامة المالية، فضلاً عن التصميم الحالي لنظام التقاعد الذي ينتج حوافز سلبية كالتحفيز المبكر للتقاعد.

سبب تدهور راس المال البشري

ضعف الانفاق على قطاعي الصحة والتعليم من الناحية التخصيصية والفنية، أي إن الانفاق العام للدولة أصبح أقل فاعلية وغير كفوء مقارنة بالدول الاخرى، فمثلاً إن ما نسبته 37% من إجمالي الانفاق الصحي تم تخصيصها للمستشفيات و16 للرعاية الوقائية و13 للرعاية الاولية وهذه نسب متدنية عند مقارنتها بالدول الاخرى.

وفي المقابل نجد إن مستوى الانفاق لكل طالب هو أعلى بكثير في التعليم بمعنى إن العراق ينفق على الطالب الجامعي أكثر مما قبل الجامعة وهذا مخالف للمنطق. ففي عام 2017 كان الانفاق على الطالب في التعليم أعلى بحوالي 3.5 ضعف عما هو عليه في التعليم قبل الجامعي علماً إن المعيار العالمي هو 2.5 مرة.

وإن سبب ضعف كفاءة الانفاق بشكل جزئي إلى المستوى العالي لتخصيصات الرواتب التي تضخمت على حساب التخصيصات الخاصة بالاستثمار إذ تصل تخصيصات الرواتب في الانفاق الصحي إلى 76% من إجمالي موازنة الصحة و93% من إجمالي موازنة التعليم في عام 2019.

كما إن هناك تحديات تتعلق بالحوكمة والادارة المالية العامة وعدم وجود تغيير اقتصادي حقيقي لتنويع مصادر الايرادات العامة فضلاً عن عدم وجود موازنة لعام 2014 و2020.

الأسئلة التي تم طرحها للنقاش:

1- لماذا تدهور راس المال البشري في العراق؟

2- كيف يُمكن تحسين رأس المال البشري في العراق؟

خلاصة المداخلات على الأسئلة النقاشية:

الأسباب

1- سبب سياسي، تمثل في عدم الاستقرار السياسي نظراً لعدم أهليّة الطبقة السياسية مما نجم عنه غياب النظر بجدية للمؤشرات الدولية بشكل عام ومؤشر رأس المال البشري بشكل خاص.

2- سبب اقتصادي نظاماً وثقافةً، تمثل في تدخل الدولة في الاقتصاد وهيمنة قطاعها العام عليه لان التدخل والهيمنة يقتل الابتكار الذي ينمو في ظل اقتصاد السوق. أما ثقافةً فهناك ثقافة في الدولة والمجتمع والاسرة تركز على الثروة المادية الطبيعية المتمثلة بالإيرادات النفطية بدلاً من التركيز على الثروة الحقيقية وهي الانسان.

3- سبب ثقافي، أي تدور المنظومة الثقافية والقيمية حتى أصبح هناك غياب واضح لتنظيم الاسرة ضبط الاسرة تربية وتنشئة الابناء داخل الاسرة ومن ثم تربية وتنشئة الاطفال والابناء والجيل داخل المؤسسات التربوية والتعليمية.

4- سبب اجتماعي، أي أن التقاليد والاعراف لم تساهم في تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية بما يتناسب مع النمو السكاني.

5- سبب ديني، يتمثل في عدم توظيف الدين في تطوير المجتمع تعليمياً وصحياً وفنياً بل تم توظيفه من بعض الجماعات بما يخدم الاجندات الضيقة وإدامة النزاعات مما انعكس سلباً على تدهور راس المال البشري.

6- سبب اداري، إذ تعرض النظام الاداري للشلل التام منذ تظاهرات تشرين وما تبعها من وباء كورونا وباتت معظم مؤسساته تعمل بدون رؤية واضحة مخطط لها بعناية، اذ تعطلت المدارس والجامعات وغابت الرقابة العلمية الرصينة على الدراسات العليا وتشتت جهد الاساتذة والعلماء.

7- وجود ثقافة تعطي الاولوية للعمل الجسدي على حساب العمل الفكري مما أسهم في تدهور راس المال البشري لان العمل الفكري هو الذي يبني الانسان ويقود المجتمع.

8- ضعف الحماية الاجتماعية أسهم في تدهور راس المال البشري لان ضعف الحماية الاجتماعية يعني ضعف التغذية وضعف تطوير المهارات والمعارف.

9- انفصام العلاقة بين التعليم والعمل، بمعنى إن مخرجات التعليم لا تلبي حاجة سوق العمل وفي المقابل إن سوق العمل غير قادر على توفير فرص العمل نظراً لاعتماد الاقتصاد على النفط الذي همش بقية القطاعات المولدة لفرص العمل ومن ثم زيادة البطالة وتدهور رأس المال البشري.

10- ضعف الانفاق على قطاعي الصحة والتعليم من حيث التخصيصية والفنية أي إن الانفاق العام للدولة أصبح أقل فاعلية وغير كفوء مقارنة بالدول الاخرى.

11- الانقطاع عن العالم جعل الدول الاخرى تتقدم بشكل كبير في حين لم يتقدم العراق.

12- الحروب، حيث أسهم النظام السياسي منذ عام 1958 وحتى 2003 في خلق الحروب التي نسفت كل ما تم بناءه من معرفة ومهارات وصحة ودخل.

13- وجود بيئة طاردة لراس المال البشري والنخب والكفاءات وذلك من خلال المضايقات والمطارات والحروب العبثية هنا وهناك. فهناك تداخلات غير سليمة تسودها للغة العنف وهي ما تجعل من الطاقات البشرية بما تمتلكه من أموال ومهنية وخبرة عرضه للهجرات خاصة في ضوء مغريات كثيرة من الأمن إلى الأمن الاقتصادي والاجتماعي في عدد كبير من دول العالم.

المقترحات

1- العمل على تحقيق الاستقرار السياسي لان الاستقرار السياسي هو نقطة الانطلاق نحو الاهتمام برأس المال البشري.

2- الاسراع في تطبيق اقتصاد السوق بشكل حقيقي وبناء ثقافة اقتصادية من شأنها تنمية رأس المال البشري وتطويره.

3- إعادة النظر بالمنظومة الثقافية والقيمية وذلك بما يحفز الاسرة والمدرسة والجامعة على تطوير الفرد علمياً وأدبياً.

4- اهتمام المنبر الديني في توجيه المجتمع بما يسهم في تطوير قابلية أبناءه تعليمياً وصحياً وفنياً.

5- زيادة وعي الأفراد، خاصة بالمقارنة مع نيوزيلندا التي لا تملك معشار ثروات العراق، وهذا هو مغزى نظرية رأس المال البشري الذي هو بمثابة كنز مدفون يحتاج إلى تنقيب واستخراج ومن ثم توظيف واستثمار، ومن أهم آلياته هو بث الوعي والثقافة اللذان سيكونان مقدمة للتنمية وحل مشكلة الدخل وأزمة الفقر وما شابه.

6- تصحيح أفكار الشباب نحو مجالات العلوم، بمعنى إن المجالات الانسانية أهم من المجالات الطبية لان الاولى هي تبني وتقو المجتمع وليس الأخرى.

7- تقوية الحماية الاجتماعية يؤدي إلى تطوير راس المال البشري وتنميته لأنها تسهم في مغادرة سوء التغذية وتسهم في استمرار اكتساب المعارف والمهارات.

8- العمل على معالجة انفصال العلاقة بين التعليم وسوق العمل لتكون علاقة متكاملة بين التعليم، من خلال تطوير مخرجاته عبر مراكز التدريب وغيرها؛ وسوق العمل، من خلال توفير فرص العمل عبر تنشيط قطاعات الاقتصاد الاخرى دون الاقتصار على النفط.

9- إعادة النظر بالإنفاق على الصحة والتعليم ليكون أكثر فاعليةً وكفاءةً، أي زيادة حجم التخصيص نحوهما من جانب وزيادة حصة الاستثمار من جانب ثانٍ والاهتمام بمراحل التعليم الاولى ثم الثانية لا العكس.

10- الاستعانة بالتجارب الدولية التي سبقت العراق في هذا المضمار كالتجربة اليابانية والالمانية.

11- العراق اليوم احوج ما يكون الى الضبط والانضباط وتفعيل كل القوانين النافذة لإنجاز مهمة البناء المعرفي الصحيح.

* مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2021
www.fcdrs.com

اضف تعليق