ناقش مركز المستقبل عنوان (التعاون الدولي في مواجهة تداعيات الكوارث.. الواقع والمأمول)، الآثار العالمية لتغير المناخ هي واسعة النطاق ولم يسبق لها مثيل من حيث الحجم وتغير أنماط الطقس التي تحدد الإنتاج الغذائي وتؤدي الى ارتفاع مناسيب مياه البحار والمحيطات والتي تزيد من خطر الفيضانات، التكيف سيكون اكثر صعوبة...
عمر الصالحي- قسم التحرير

ناقش مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية ضمن نشاطاته الفكرية الشهرية موضوعا حمل عنوان (التعاون الدولي في مواجهة تداعيات الكوارث.. الواقع والمأمول)، بمشاركة عدد من مدراء المراكز البحثية، وبعض الشخصيات الحقوقية والأكاديمية والإعلامية والصحفية في ملتقى النبأ الأسبوعي الذي يعقد بمقر مؤسسة النبأ للثقافة والإعلام.

قدم الورقة النقاشية وأدار الجلسة الحوارية الدكتور قحطان حسين طاهر أستاذ جامعي وباحث في مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية، وابتدأ حديثه قائلا:

"الاحتباس الحراري هو زيادة درجة الحرارة السطحية المتوسطة للعالم مع زيادة ثنائي أوكسيد الكاربون وغاز الميثان وغازات أخرى في الجو، وهذه الغازات تسمى بالغازات الدفيئة لأنها تسهم في تدفئة جو الأرض السطحي، وتعد مسألة الحفاظ على درجة حرارة الأرض غاية في الأهمية لأن أي زيادة في درجات الحرارة للأرض من الممكن ان تؤدي الى كوارث طبيعية تلحق ضررا بالغا بالإنسان والكائنات الحية الأخرى، وقد اهتمت وحدات النظام العالمي بظاهرة الاحتباس الحراري اذ تم في عام 1992م في اثناء قمة الأرض التوصل الى اتفاقية الأمم المتحدة الاطارية بشأن تغير المناخ والتي صادقت عليها 197 دولة وتعد هذه الاتفاقية بمثابة الخطوة الأولى لمواجهة مشكلة التغير المناخي، وفي عام 1997م تم التوقيع على (بروتوكول كيوتو) المعني بخفض الانبعاثات والذي وصل عدد الدول المصادقة عليه الى 192 دولة، وفي عام 2015م توصلت الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الاطارية الى اتفاق باريس الهادف الى تحقيق مستقبل مستدام منخفض الكاربون خلال مكافحة تغير المناخ ومساعدة الدول النامية للقيام بذلك، وانضم الى اتفاق باريس 184 دولة، وفي عام 2019م عقدت الأمم المتحدة قمة المناخ لتوحيد قادة العالم من الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني من اجل دعم العملية المتعددة الأطراف وزيادة تسريع العمل لمعالجة التغيرات المناخية، وتؤكد الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ والتابعة لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة ان العالم امام لحظة حاسمة.

فالآثار العالمية لتغير المناخ هي واسعة النطاق ولم يسبق لها مثيل من حيث الحجم وتغير أنماط الطقس التي تحدد الإنتاج الغذائي وتؤدي الى ارتفاع مناسيب مياه البحار والمحيطات والتي تزيد من خطر الفيضانات، وتؤكد الهيئة الحكومية العالمية ان التكيف مع هذه التأثيرات سيكون اكثر صعوبة ومكلفا بالمستقبل اذا لم يتم اتخاذ إجراءات جذرية أنية وسريعة، وفي عام 2018م عقد (مؤتمر بون) في المانيا لأنعاش اتفاق باريس من اجل خفض درجة الحرارة 2 درجة مئوية، لكن هذا المؤتمر واجه تحديات وعقبات جمه منها ان الدول الفاعلة والمؤثرة في النظام العالمي لم تنظم لهذا الاتفاق ومنها روسيا وايران وتركيا وفيما بعد انسحبت الولايات المتحدة من هذا الاتفاق في 4/11/2020م بعد اعلان دونالد ترامب في 2017م انه سينسحب من الاتفاق وانتظر مدة ثلاثة سنوات وهو الوقت المحدد من قبل اتفاقية باريس للسماح بالدولة بالانسحاب من الاتفاقية، لكن رغم التوصل لاتفاق باريس نلاحظ ان الكثير من الدول استمرت في زيادة اعتماداتها على الفحم وعلى الوقود غير النظيف ومن هذه الدول الولايات المتحدة وامريكا والصين والهند وفيتنام وغيرها.

وفي إحصائية بسيطة نلاحظ خسائر العالم من جراء استخدام الوقود غير النظيف قد بلغت للمدة من عام 1997م لغاية 2016م ما يقارب 524,000 حالة وفاة بسبب ازدياد درجات الحرارة وانبعاث الغازات الدفيئة، ويبلغ عدد معامل الفحم في العالم حوالي 7000 معمل وتحتل الصين المرتبة الأولى عالميا في هذه المعامل وفي استخدام الفحم في نشاطاتها الصناعية، كما ان خسائر العالم بلغت في نفس المدة السابقة 3,16 مليون دولار، ان العقبة والتحدي الأكبر لاتفاق باريس هو انسحاب الولايات المتحدة منهم رسمياً في 4/11/2020م كما ان روسيا ظلت تماطل حتى 2019م الى ان انضمت وصادقت على اتفاق باريس، واستمرت نشاطات الأمم المتحدة ومؤتمراتها الخاصة بمعالجة ازمة المناخ والاحتباس الحراري، فقبل أيام عقد مؤتمر قادة العالم للدورة 26 في مدينة غلاسكو حيث ارسل الأمين العام رسالة شديدة للعالم قال فيها: "اننا نحفر قبورنا بأيدينا"، ورغم ان قادة دول العالم المتطورة وعدت بتخصيص 100 مليار دولار لتمويل اعمال ونشاطات خفض انبعاثات الغازات الدفيئة يقدم جزء كبير منها للدول النامية من اجل مساعدتها لتنظيم استخدام الطاقة وزيادة الاعتماد على الطاقة النظيفة.

لكن يبدو ان هناك عدم جدية من الدول المتطورة في تقديم هذه المبالغ فضلاً عن عدم جدية الدول عامة في الالتزام ببنود اتفاق باريس لأنها تتناقض حسب رؤيتها مع سيادتها ومصالحها الوطنية، فالدول النامية ترى ان بعض الأمور لها الأولوية على خفض الانبعاثات مثل مكافحة الفقر والحاجة على احداث تنمية في كافة المجالات، في حين ترى الدول المتطورة ان التزامها ببنود اتفاقية باريس يقيد نشاطاتها الصناعية خصوصاً ان هذا الاتفاق لم يتضمن جزاء عقابي على من ينتهك بنوده، وفي ظل هذا التجاذب تبقى قضية المناخ عرضة للتقلبات وتهدد بمخاطر مستقبلية جمة في ظل غياب الالتزام الجاد وخفض انبعاثات الغازات الدفيئة المسببة للاحتباس الحراري".

ولإغناء الموضوع بالأفكار والآراء الموضوعية نتقدم بالسؤالين الآتيين:

السؤال الاول/ ما هو واقع التعاون الدولي في مواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري؟ وهل هو بمستوى الطموح؟

السؤال الثاني/ كيف يمكن الوصول الى تعاون دولي شامل وفعال للحد من ظاهرة الاحتباس الحراري؟

المداخلات

تمدد القطاع الصناعي على حساب المساحات الخضراء

احمد جويد مدير مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات:

الدول العشرين الصناعية الكبرى ساهمت بتلوث الفضاء والبحار بشكل كبير وكان تأثيرها على البيئة واضحاً، والانبعاثات والاحتباس الحراري ليس فقط من الوقود وانما تمدد القطاع الصناعي على حساب المساحات الخضراء وعلى حساب الغابات، والقضية مرتبطة بالاقتصاد والسياسة وهناك سباق محموم بين الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة الامريكية والصين، والصراع على الريادة والتقدم في المجال الصناعي وهناك سباق ايضاً على البحار وهناك تقارير تشير الى مئات من الاطنان الصناعية والنفايات البلاستيكية تطفو في البحار والمحيطات ادت الى خلق بيئة غير صالحة للكائنات الحية، وهذا بالتالي يساهم ايضاً في قضية الاختلال في التوازن الحراري، ومن خلال ما شهدناه في مؤتمر باريس كانت الدول الكبرى هي اول من يضرب هذا الاتفاق للدفاع عن مصالحها، فالصين والولايات المتحدة وروسيا في قضية صراع وحرب اكثر من ما يجمعها تعاون، لذلك هذه الدول نراها متى ما تعارضت هذه الكوارث الطبيعية مع مصالحها بسبب التحولات المناخية قد نرى في ذلك الوقت رفع الراية والمحاولة الجادة لحل هذه الازمات والكوارث، وتعتبر الدول الرأسمالية سياستها خاضعة للشركات وهذه الشركات الرأسمالية من الممكن ان لا تتراجع بسهولة عن حقوقها بالاستخراج والصناعات الاخرى، ومن خلال التقارير تثبت ان الصين غير صالحة كمدن صناعية للعيش البشري، وفي وقت كورونا 2020 بعض المدن شاهدت نور الشمس لأول مرة منذ مدة من كثرة انبعاثات الادخنة والابخرة والغازات من الشركات والمصانع، والدول المتنافسة على الارض تنافست كذلك على الفضاء وهناك تقارير تثبت وجود نفايات كثيرة في الفضاء والغلاف الجوي من مخلفات الاقمار الصناعية المنتهية وغيرها وصولاً الى بعض المركبات التي تم تدميرها، وبالتالي ليس من السهولة على هذه الدول التراجع عن مصالحها وذلك على حساب الدول الفقيرة والمناخ والتغيرات البيئية والمناخية.

المخاطر المحتملة للملوثات على البيئة

الدكتور اسعد كاظم شبيب، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكوفة:

في قضايا المناخ والبيئة تعمل الدول والمنظمات الدولية في العالم المتقدم بجهود حثيثة على تخفيف الاثار المحتملة او معالجتها قبل حدوثها وهنا نذكر على وجهة الخصوص جهود الاتحاد الأوربي في تنظيم أكثر من تنظيم دولي لمحاربة الاحتباس الحراري ومعاهدة باريس للمناخ إذ تدرك هذه المنظمات المخاطر المحتملة للملوثات على البيئة والمناخ، من هنا تسجل جهودها في معالجة المخاطر في حين تقف الدول من العالم الثالث والمتخلف منفردا على التلوث البيئي الحاصل وتداعياته على الصحة البيئة والمناخية والصحية.

وقد حاولت بعض الدول العربية الدخول في هذه المعاهدات ونلتمس من دخول الحكومة العراقية مؤخرا في معاهدات البيئة والمناخ مؤخرا تحسنا إيجابيا في القريب العاجل في تحسن وتقليل المخاطر البيئية خاصة وأن العراق لا يزال يعاني من مخاطر أركان الحروب وما أثارته من تلوث بيئي ومناخي على الصعد الزراعية والمائية وغير ذلك.

ضرورة تحويل المعاهدات لقوانين داخلية

الدكتور علاء إبراهيم الحسيني، أستاذ جامعي وباحث في مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات:

نلاحظ ان التعاون الدولي عموماً وفي ميدان المناخ خصوصاً شهد تطورات كبيرة جداً وشهد سلسلة طويلة عريضة من الاتفاقيات والمعاهدات والبروتوكولات التي تم توقعيها والتي تبدا تقريباً منذ 1902 م الخاصة بأنواع معينة من الحيوانات البرية لحماية التنوع البيولوجي في حينها، واستمرت سلسلة طويلة من الاتفاقيات والمعاهدات الخاصة بهذا الموضوع ولكن المشكلة ان التعاون الدولي بما انهُ مقرون بمعاهدات واتفاقيات وهذه الاتفاقيات لا تدخل حيز النفاذ في داخل الدول الا بإجراءات قانونية معينة، وفي الغالب الدول تقف عند حد المصادقة على الاتفاقية والمعاهدة دون ان تحولها او تبرمجها الى قوانين او تعدل القوانين سارية المفعول او تتخذ بها استراتيجيات وسياسات داخلية، مثل اتفاقية باريس الاطارية وغيرها وانضمت لها 195 دولة او اكثر لكن هل كل هذه الدول حولت هذه الاتفاقية الى مادة قانونية داخلية تلزم بها الصناعات والقطاعات الخاصة مثلاً؟، او تستبدل بها طرق الحصول على الطاقة من طرق بدائية الى طرق حديثة او نظيفة او صديقة للبيئة وهذا هو السؤال الأهم.

اغلب الدول في الميدان الاعلامي تتبارى للانضمام لهذه المعاهدات والاتفاقيات لكنها على ارض الواقع تتنصل عن مسؤوليتها الدولية وتبقى مسألة الصراع السياسي والصراع على النفوذ هو الذي يتحكم بسياستها الداخلية، وفي عام 1985 م ابرمت اتفاقية في فيينا خاصة في حماية طبقة الاوزون وانضمت لها 202 دولة واليوم طبقة الاوزون في اخطر المراحل التي تمر بها وتعرضت لمخاطر جمة واضرار شديدة بسبب تصاعد ثنائي اوكسيد الكاربون، ثم بعد ذلك ابرمت اتفاقيات اخرى مثلاً 1992م في ريدوا جانيرو واتفاقية باريس 1994م خاصة بالتصحر ومكافحة التصحر، ونحن نعلم ان التصحر على حساب المناطق الخضراء ومنها الغابات التي تسمى (رئة الارض) مثل غابات الأمازون وغيرها، والتوسع السكاني الشديد باتجاه المناطق الخضراء ايضاً ليس فقط التصحر، وهذا الذي يسموه عشوائية السكن وهذا الشيء لا تعاني منه الدولة بل تتبناه كسياسة بديلة لحل مشاكلها السكنية وما شاكل ذلك واللجوء الى الصناعات البديلة بدل الانتاج الزراعي، وهذه السلسة من الاتفاقيات والاعمال القانونية لازالت كلها في اطار التنظير وليس في اطار العمل الجدي والسياسات الحقيقية، لذلك لابد من هذه الدول ان تكون صادقة مع نفسها قبل ان تكون صادقة مع شعوبها او مع دول العالم لان الضحية الاولى في هذا الصراع المحموم على الصناعات وعلى الاستهلاك غير المنضبط للوقود وغير النظيف او غير الصديق للبيئة هي الدولب الشاطئية لا سيما الدول النامية وامكانية ان البحر يبتلعها في يوم من الايام او يحولها الى مدن غير صالحة للسكن بسبب موجات تسونامي وغيرها.

وكذلك الدول غير الشاطئية هي اليوم تعاني من الامرين من ارتفاع درجات الحرارة والعراق مثال على ذلك في السنتين الاخيرتين وصلت درجة الحرارة الى معدلات قياسية في العراق وهذا مؤشر خطير جداً وسيفاقم من مشكلة التصحر في العراق وبالتالي نحن بلد يعاني وكل بلدان العالم مهدد فيها حقوق الانسان بسبب المناخ وهذا يتطلب وقفة حقيقية ولا يمكن التعويل فقط على دور المنظمات والامم المتحدة وانما يجب ان تكون وقفة لشعوب الارض ازاء حكوماتها لوقف نزيف الوقت باتجاه نقطة اللاعودة.

الجهود لم تصل لمستوى الطموح

الباحث حسن كاظم السباعي:

العالم يواجه ظاهرة الاحتباس الحراري وهي نظرية طرحها عالم الكيمياء السويدي سفانتي أرينيوس عام ١٨٩٦م نتيجة التلوث الذي أحدثه النفط ومشتقاته وأثر ذلك في زيادة درجة حرارة الغلاف الجوي.

هذه النظرية قد تطابق الواقع إلى حد كبير لكنه وحتى اليوم لا يزال العالم يتعامل معها على أنها مجرد فرضية، ويتعمدون تجاهل تداعياتها، فحتى لو لم يكن لها واقع فعلي إلا أنه لا ينبغي الاستخفاف بها أو معاملتها كفرضية علمية بحتة خصوصًا بعد أثر زيادة الحرارة وتغير المناخ وما جلبه من أعاصير وحرائق ودمار.

وبناء على هذا الأساس ورغم كل الجهود الحثيثة دوليا التي بذلت في مواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري والذي ذاع صيته منذ وقت مبكِّر في القرن الماضي من مؤتمرات ومعاهدات، إلا أن الجهود لم تصل لمستوى الطموح وذلك لأسباب متعددة؛ أهمها ما مرَّ آنفًا وهو التعامل مع هذه الظاهرة على أنها مجرد فرضية وليس خطرا يهدد الحياة على هذه الأرض التي لا يملك سكانها سواها.

أيضا لا يخفى أن في الأفق البعيد ملامح لبعض مصالح الدول العظمى مثل أمريكا والصين وروسيا لعبور القطب الشمالي إذا ما ذاب الجليد نتيجة لارتفاع الحرارة (مجانا) مقارنة بالمبالغ الضخمة التي تكلفهم اليوم لجعل حركة التجارة أسرع من تصدير واستيراد، وقد طبّقوا هذا الطريق المختصر فعليا رغم تكاليفه الباهظة مع وجود الجليد.

وهنالك بعض الدول استجابت لذلك بقوة وبوعي، مثلا: نيوزيلندا ومنذ فترة منعت الأكياس البلاستيكية من المحلات التجارية وصارت تطالب بما يمكن إعادة تصنيعه فقط وتبعتها في ذلك بعض الدول لكن المستوى لايزال خجولا في ذلك على مستوى العالم.

وعليه ومن أجل الوصول إلى تعاون دولي شامل لابد من سن قوانين صارمة من أجل الحفاظ على البيئة، وتجربة الحجر الصحي الذي حصل بسبب وباء كوفيد والذي تم في عدة دول خير شاهد على أن الأنظمة قادرة على سن هذه القوانين، والذي لم يخفى أثره في حفظ البيئة وإعادة الحياة أكثر مما أثرته المؤتمرات والمعاهدات.

استخفاف السياسيين بأبحاث ودراسات أهل العلم

الدكتور محمد مسلم الحسيني:

شهد التاريخ الحديث على حقيقة تباطؤ العالم بشقيه المتطور وغير المتطور في تفاعله مع الكوارث والملمات التي احاقت وتحيق به. أمثلة الاستدلال على ذلك عديدة واهمها تعامل هذا العالم مع جائحة كوفيد 19 وتفاعله ونهجه مع أخطار الاحتباس الحراري على مصير البشر والأرض!، استخف السياسيون وخصوصاً الغربيون منهم بتصرفات الصين الحذرة في مواجهة وباء كوفيد 19 حينما ظهر لأول مرّة في كانون اول ديسمبر 2019. لم يبادروا في دراسة جدية بحيثيات المأزق أو يتخذوا الإجراءات الكفيلة في تجنب الوباء ومنع انتشاره حتى أخذتهم العاصفة على حين غرة فتراصفت جثث المصابين في ردهات مستشفياتهم!

بنفس روح الاستخفاف هذه استخف السياسيون بأبحاث ودراسات أهل العلم والمعرفة التي حذرت من ظاهرة الاحتباس الحراري وطبيعة تأثيرها على مستقبل الأرض منذ عقود من الزمن، كانت نصائح العلماء في هذا المضمار فقاعات في بحر عنجهية السياسيين وعدم اكتراثهم. بدأ التحرك بالاتجاه الصحيح متأخرا متعثرا بعد أن أسمعت الطبيعة اهاتها فضربت الأعاصير المدن وهطلت الأمطار ففاضت الأنهار وغرقت القرى والديار! رغم سطوع شمس الحقيقة هذه بما يخص الأخطار والكوارث التي تنتظر الارض وسكانها فالعالم منقسم هذا اليوم على نفسه إلى فصيلين.

فصيل متفاعل مهتم يحاول لملمة الجراح وفصيل متمرد لا يراعي ولا يستجيب بل ينظر ليومه لا لأيام الأجيال ولا لمستقبل الحياة والأرض رافعا شعار (إذا مت ضماناً فلا نزل القطر)!، هذا التماهل الصريح سيجعل اثار ومضاعفات الاحتباس الحراري تستوطن في الأرض ويجعل البشر في حاضنة المعاناة والألم والحسرة كما استوطن وباء كوفيد 19 الأرض فتكاثرت أشكاله وصنوفه ومضاعفاته.

مؤتمرات البيئة عبارة عن استعراضات اعلامية

حيدر الاجودي، باحث في مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية:

المؤتمرات البيئية التي حدثت والتي قد تحدث مستقبلاً هي عبارة عن استعراضات اعلامية، مجرد اجتماع للخروج بتوصيات ولم نشاهد هذه التوصيات والمطالب مطبقة على ارض الواقع، اذن هي لم تخرج عن الإطار الاعلامي وتطبيقها على ارض الواقع، وحتى خروج امريكا من الاتفاقية هي لأجل مصالح شخصية لترامب من اجل المجمع الصناعي لزيادة رصيده الانتخابي، وكذلك بايدن عاد للدخول مرة اخرى للاتفاقية ولم يحدث شيئاً، والصين اليوم هي تمتلك الثلث من النسبة العالمية بالغازات الدفيئة التي تسبب التلوث.

الجانب الزراعي هو المتضرر الرئيسي من عملية الاحتباس الحراري لأنه يقتل بالملايين من الكائنات الاحيائية وهذه الكائنات هي منظومة دفاع احيائية ضد الطفيليات والحشرات الدخيلة التي قد تدخل للعراق والبديل هو المكافحة الكيميائية وهي خطرة بطبيعة الحال على الانسان لذلك نحن مقبلين على كارثة بشرية شاهدناها في السنوات الاخيرة من خلال السيول والفيضانات والحرائق في رئة العالم الامازون وغيرها، هذه كلها كوارث ونأمل ان يكون هناك انضباط كضريبة للمعامل والمصانع او تحديد وقت معين لعملها.

الاعتداء على الطبيعة بمثابة الفساد

باسم الزيدي، باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات:

نحن نعيب على الغرب وعلى الدول الصناعية ونصفها بالمستعرضة او تقوم بمجرد بروتكولات شكلية وغير مطبقة، في حين ان العالم الاسلامي يغط في سبات عميق ونحن نعلم ان الاديان السماوية وبالخصوص الدين الاسلامي حث وبشدة على احترام البيئة واحترام الطبيعة والتعاون معها واعتبارها جزء لا يتجزأ من انسانية الانسان، بل انه قرن الحرف مع هلاك الانسان وقرن الاعتداء على الطبيعة بمثابة الفساد ونهى على الفساد في الارض، مع العلم ان العالم الاسلامي رقم لا يمكن الاستهانة به لكن لم نجد لا مؤتمر ولا دعوة ولا حماسة بخصوص احترام الطبيعة وعلى الاقل التعاون مع هذه المنظمات الدولية لدعم واسناد المؤتمرات التي تخص البيئة وحمايتها مثلاً، وهناك آيات مختصة في هذا الشأن منها كقوله تعالى "وَٱذْكُرُوٓاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعْدِ عَادٍۢ وَبَوَّأَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ ٱلْجِبَالَ بُيُوتًا ۖ فَٱذْكُرُوٓاْ ءَالَآءَ ٱللَّهِ وَلَا تَعْثَوْاْ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ" وكذلك قوله تعالى " وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا".

كلهم يفكرون بالربح والاستهلاك

الشيخ مرتضى معاش:

الخطر الذي يمكن ملاحظته في هذا العام كان واضحا جداً، فالعالم تحول كله الى حرائق وليس هناك دولة لم يحدث فيها حرائق من امريكا الجنوبية والشمالية الى افريقيا واوروبا وصولاً الى اسيا، وهذه دلالة على ان العالم فيه جفاف شديد وارتفاع في درجات الحرارة بحيث ان الاشجار لا تتحمل هذا الارتفاع في درجات الحرارة، كذلك الفيضانات التي حدثت وخلفت مئات القتلى، وتبين هذه الحوادث خطر الاحتباس الحراري وتغير المناخ، وهناك تقرير صدر حديثاً اسمه (فجوة الانبعاثات) والذي يؤكد على ارتفاع درجات الحرارة بشكل مستمر ان لم تتوقف الانبعاثات، ووضعوا مقدار لتحمل ارتفاع درجات الحرارة وهو 1.5 درجة وهذا اقصى ما يمكن تحمله واذا لم يتم عملية خفضها في الفترة القادمة الى النصف سوف ترتفع درجات الحرارة الى معدل 2.7، وهذا بالتالي سوف يسبب الكثير من الاحتراق والكوارث والتسونامي والفيضانات، فقضية الاحتباس الحراري والتغيرات المناخية قادمة بأخطار تصاعدية، وكورونا احد العلامات الاولى لهذا الخطر الموجود وسوف يؤدي الى استفزاز الطبيعة واخراج الفايروسات والجراثيم من تحت الأرض.

وحول قضية التعاون الدولي فليس هناك تعاون لان كل الدول تفكر بالربح والاستهلاك والربح هو الاساس وشركات الاسهم، والتعاون العالمي لا يمكن ان يحصل ما دامت عقلية الاستهلاك تهيمن على السلوك البشري، كقوله تعالى "وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا"، وهذا ما يسمى في علم النفس (التدميرية الذاتية) وهو من يعيش حالة من العدمية في حياته ويذهب نحو تدمير نفسه وهذا ما يعيشه العالم حالياً مثل السباق النووي.

اما مؤتمر (كوبي 26) فانه يعتبر اقل ما يقال عنه مهزلة وكل الدول تعهدت بالتزامات ضئيلة، والعمل الاساسي هو ان يدرك العالم بان الاستهلاك البشري هو استهلاك غير طبيعي ولا بد للإنسان ان يرجع للطبيعة ويعيش ببساطة اكبر، ولا يمكن تحقيق التعاون العالمي بمواجهة الاحتباس الحراري دون ذلك، وفي المحصلة ان التغير المناخي سوف يؤدي الى نزوح هائل من الناس بسبب جفاف الموارد الطبيعية وهذا الجفاف سوف يؤدي الى حروب أهلية وإقليمية ودولية في النهاية.

البشرية تواجه تحدي كبير

محمد علاء الصافي، باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث:

البشرية تواجه تحدي حقيقي وكبير منذ سنوات طويلة، وفي ازمة كورونا التي حدثت جعلت العالم كله يتغير ويعيش فترة من الاغلاق وهي الفترة الوحيدة التي تنفست فيها الكرة الارضية وعادت لها الحياة رغم الكثير من السلبيات التي حققها هذا الوباء، لكن كان لها ايجابيات بتقليل الانبعاثات الغازية بسبب توقف المصانع وقلة حركة السيارات وغيرها، بحيث ان الصين وحدها حتى السماء اختلفت لديهم في تلك الفترة، وبعد ازمة كورونا اغلب البلدان رجعت الى نشاطها وبنشاط مضاعف، لذلك ارتفاع درجات الحرارة كانت تعلن كل عدة سنوات في حالها ارتفاعها عن المعدل الطبيعي لكن في السنوات الاخيرة في كل سنة يتم الاعلان عن ارتفاعها عن المعدل الطبيعي درجتين وهو ليس امر هين وفيه قتل لأحياء كثيرة ربما لا نشعر بها وهو ما يؤثر على الدورة الحياتية للكرة الارضية لذلك الدول الكبرى والرسالة التي وجهها الامين العام للأمم المتحدة كانت رسالة خطيرة جداً عندما قال "نحن نحفر قبورنا بأيدينا"، فكانت عودة الولايات المتحدة بسبب ترامب وقدمت اعتذار، لذلك في النهاية يجب ان تحول المعاهدات الى تشريعات حقيقية داخل تلك البلدان الصناعية.

وفي ختام الملتقى تقدم مدير الجلسة الدكتور قحطان حسين طاهر بالشكر الجزيل والامتنان إلى جميع من شارك وأبدى برأيه حول الموضوع.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/ 2001–2021Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق