يمر العالم بمنعطف حرج وخطير مع زيادة عدد الإصابات جراء فيروس كورونا، فما أن شرعت بعض الدول في التعافي تدريجيا من جائحة كورونا وتبعاتها حتى واجهتها قفزات غير متوقعة في أعداد الإصابات والوفيات، مما يميل بعض خبراء الأوبئة إلى اعتبار هذا النسق التصاعدي كموجة ثانية...

يمر العالم بمنعطف حرج وخطير مع زيادة عدد الإصابات جراء فيروس كورونا، فما أن شرعت بعض الدول في التعافي تدريجيا من جائحة كورونا وتبعاتها حتى واجهتها قفزات غير متوقعة في أعداد الإصابات والوفيات، مما يميل بعض خبراء الأوبئة إلى اعتبار هذا النسق التصاعدي كموجة ثانية قد تعيد الوضع الوبائي إلى نقطة الصفر مرة أخرى، بينما يرى آخرون أنه مجرد امتداد للموجة الأولى التي لم تنتهي بعد.

فلا يوجد تحديد علمي دقيق لمفهوم الموجه الثانية غير أن معاييرها النظرية وفق دراسات نمذجة الأوبئة تبدو خليطا من المعطيات المترابطة كالسلوك الاجتماعي، والسياسة الصحية، واكتساب المجتمع للمناعة الذاتية، أما إجرائيا فإن أي موجة جديدة تعني ارتفاعا مستمرا في العدوى بعد انتهاء الموجة السابقة في السيطرة على الفيروس نهائيا، أو على الأقل وقف تفشيه الواسع، وعلى هذا الأساس تقف بلدان كثيرة الآن على أعتاب موجة ثانية من جائحة كورونا قد تعيدها إلى المربع الأول بعد أسابيع قليلة من التعافي الحذر، والخروج التدريجي من حالة الإغلاق والشلل.

وفي حالة تحسن الوضع الوبائي حد خلو بعض الدول تماما من الإصابات، فعلى نحو أشبه بالانتكاسة يشهد الفيروس من أوروبا إلى آسيا وأفريقيا وحتى الأمريكيتين طفرات لافتة في عدد المصابين الذي تجاوز العشرة ملايين شخص وأكثر من نصف مليون ضحية، وإذا كان التدهور الوبائي في الولايات المتحدة والبرازيل والبيرو وتشيلي والهند وروسيا على سبيل المثال اقرب للموجة الأولى، حيث لم تشهد هذه البلدان تحسن يذكر، فإن مثار القلق يتعلق بدول صنفت كنماذج ناجحة في التغلب مبكرا على الوباء، لكنها توشك الآن أن تتحول إلى نماذج محبطة.

ومنها سنغافورة التي شهدت عودة مفاجئة للعدوى رغم اعتمادها نظاما صحيا صارما لتتبع حالات الإصابة في سكانها، وكوريا الجنوبية أيضا كمثال للقصة الناجحة تتهددها الانتكاسة، إذ اقر مسئولو الصحة فيها بأنها تشهد حاليا موجة ثانية من انتشار الفيروس، على اعتبار أن الموجة الأولى استمرت حتى شهر أبريل/نيسان الماضي عندما تراجعت حالات الإصابة إلى الصفر، وامتد سيناريو شبح الموجة الثانية إلى ألمانيا التي كانت رائدة على الصعيد الأوروبي في التعاطي مع الوباء، إذ سجلت البلاد ارتفاعا في عدد الإصابات تزامنا مع تخفيف القيود، أما الصين منشأ فيروس كورونا، فقد طرق الوباء أبواب عاصمتها بكين بعد أن ظلت بمنأى عنه طيلة الأشهر الماضية، فيما ارتفعت حالات الإصابة شمالي البلاد.

عربيا، لا تستبعد دول العالم العربي حدوث موجة جديدة، رغم نجاح بعضها في احتواء الموجة الأولى وهي تعكف على مراجعة خططها الوبائية والصحية، بينما ظهرت بؤر خفية جديدة في تونس والمغرب لا سيما في مزارع الفراولة، وسجلت السعودية والعراق على التوالي ارتفاعا كبيرا في عدد الإصابات والوفيات بشكل يومي، كما عاود الوباء تفشيه في مدن فلسطينية، فيما تتدهور الأوضاع أكثر فأكثر في اليمن مع عجز شبه تام عن الملاحقة والإحصاء.

وفي خضم هذا المشهد المنذر بالأسوء، تفرض الأسئلة الصعبة نفسها عن اللقاح الموعود، وعن سبل تجنب موجة ثانية في ضوء الحاجة الملحة لإعادة فتح الأبواب المغلقة، وبينما يقلل بعض خبراء الأمراض الفيروس من إمكانية اندلاع الموجة المرتقبة بالقول "إن ما يحدث اليوم إنما هو ذروات ثانوية للموجة الأولى، وأن موجات الوباء المتكررة لو حدثت فإنها ستقلل من قابليات الإصابة، لأنها تعزز المناعة عند البشر"، بينما منظمة الصحة العالمية تبدو أكثر تشاؤما بتأكيدها بأن الفيروس ما يزال فتاكا ولا يبدي أي تراجع في قوة تأثيره وقدرته على التفشي السريع.

وعليه، فإن التوسع في تخفيف القيود والتراخي في الالتزام بتوصيات الوقاية، قد تضع العالم جديا من وجهة نظر خبراء الصحة وعلماء الأوبئة في أتون موجة وبائية ثانية، وربما ستكون في نهاية شهر أغسطس/آب أو أوائل سبتمبر/أيلول المقبلين، ثم أنها قد تكون أشد وطأة من الأولى مثل ما كانت المرحلة الثانية من الأنفلونزا الاسبانية قبل قرن فقد كانت أكثر فتكا من سابقتها.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2020Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق