الـسـيـد الـشـيـرازي لـم يـكـتـف بـلـعـن الـظـلام، وإنـما عـمـل عـلـى تـبـديـده، وإنهاء موجباته وأسبابه، فـهـو لـم يـقـبـل لـنـفـسـه أن يـبـقـى مـتـفـرجـا عـلـى أحـوال المـسـلـمـين وأوضـاعـهـم، وإنمـا عـقـد الـعـزم عـلـى المـشـاركـة الـفـعـالـة في بـنـاء مـشـروع إسـلامـي مـعـاصـر، يـسـاهـم في إخـراج المجـتمـعـات الاسـلامـيـة مـن وهـدة الجـمـود والـتـخـلـف إلـى رحاب العمل والتقدم...
تحرير: حسين علي حسين

عقد ديوان كربلاء الثقافي ندوة فكرية في الذكرى السنوية لرحيل الامام الشيرازي تحت عنوان: (علماء الدين بين الأصالة والمعاصرة... المجدد الشيرازي نموذجا)، وذلك على قاعة ديوان كربلاء الثقافي بمدينة كربلاء المقدسة مساء يوم الجمعة الموافق ٢١ / ٤ / ٢٠٢٣ بحضور جمع من الأكاديميين ووجهاء المدينة ورجال الدين.

وحاضر في الندوة كل من الشيخ مرتضى معاش والدكتور علاء الحسيني تطرقا فيها الى مختلف محاور العنوان وسيرة الامام الشيرازي نموذجا.

وبدأت الندوة بإدارة الباحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث محمد علاء الصافي تحدث في مقدمتها عن السيد الشيرازي وجهوده في التجديد للواقع الاسلامي بأفكاره لاستنهاض الهمم لمواجهة تحديات العراق والعالم الاسلامي في وقته:

كثيرون من نلتقي بهم في الحياة، نجالسهم ويجالسوننا، نتحدث إليهـم ويـتـحـدثـون إلـيـنـا، ولـكـن الـقـلـيـل مـن هـؤلاء مـن يـتـرك بـصـمـة خـضـراء لا تنسى في مسيرة حياتنا.. وذلـك لامـتـلاكـهـم صـفـات أخـلاقـيـة وشـخـصـيـة مـتـمـيـزة، وقـدرات عـلـمـيـة وإنسانية رائعة.. لـهـذا فـإنـهـم يـؤثـرون بـعـمـق في مـحـيـطـهـم الاجـتـمـاعـي، ويـنـقـلـونـه مـن طـور إلـى آخـر، ومـن مـرحـلـة إلـى أخـرى، ومـن اهـتـمـامـات شـكـلـيـة قـشـريـة، إلـى اهـتـمـامـات نـوعـيـة وحـيـويـة ومـفـيـدة لـحاضر الإنـسـان ومـسـتـقـبـلـه.. ومـن هـذه الـشـخـصـيـات الـرائـدة، والـتـي تـركـت تـأثـيـرات عـمـيـقـة في مـسـيرتـنـا وتـجربـتـنـا الاخـلاقـيـة والـديـنـيـة والـثـقـافـيـة سـمـاحـة الـرجـع الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي رحمه الله.

فـهـو مـن الـقـلائـل الـذي غـيـر حـيـاة أفـراد وجـمـاعـات ومـجـتـمـعـات، ونـقـلـهـم بـعـلـمـه وثـقـافـتـه ووعـيـه وأخـلاقـه إلـى مـرحـلـة الـحضـور والـشـهـود عـلـى الحـيـاة الـعـامـة.. ولـعـل هـذه الـتـجـربـة تـثـبـت لـنـا وتـعـلـمـنـا أن مـن يـدمـن طـرق الـبـاب يـلـج، مـهـمـا كانت الصعوبات والعقبات.. لــهـذا نـجـد في تــجربــة الامام الـراحــل، أنــهــا انـفـتـحـت عـلــى كــل حـقــول الـحيــاة، وعـمــلـت عـلــى مــشـاركــة جــمـيـع الـفـئـات والـشــرائـح في مـشـروع الاصـلاح والـتـغـيـيـر.. وأكـد في كـل دروسـه وأبـحـاثـه ولـقـاءاتـه، عـلـى أن الانـسـان المخـتـلـف لـيـس مـوضـوعـا لـلـعـداوة والـخصـومـة والـبـغـضـاء، وإنمـا هـو فضاء مفتوح للتعارف والألفة والمحبة.. فـهـو مـن الـعـلـمـاء والـفـقـهـاء الـذيـن عـمـلـوا، وأسـسـوا المـؤسـسـات والـمراكز، وربـوا الـدعـاة والـعـلـمـاء والـعـامـلـين مـنـذ انـطـلاقـتـه في كـربـلاء الـمقـدسـة.. وانـطـلاقـا مـن هـذه الـمرحـلـة عـمـل وجـاهـد في اتـجاهـين أسـاسـيين وهـمـا:

الاتجاه الأول: صـيـاغـة رؤيـة إسـلامـيـة مـتـكـامـلـة في حـقـول الـحيـاة الـمختـلـفـة، يـسـتـنـد إلـيـهـا الانــســان الـفــرد والجـمـاعـة مـن أجـل الالــتـزام بـقــيـم الاســلام في الـحيــاة الخـاصـة والـعـامـة.. فـالإسـلام وفـق رؤيـة الـسـيـد الـشـيـرازي الاصـلاحـية، لـيـس طـقـوسـا شـكـلـيـة، وإنـا هـو مـشـروع مـتـكـامـل قـابـل لـلـحـيـاة، وهـو جـسـر عـبـور الـمـسلـمين إذا أرادوا الــسـعـادة والـتـقـدم في الـدنـيـا والـفـلاح في الآخرة.

الاتجـاه الـثـانـي: هـو بـنـاء الجـمـاعـات الـمؤمـنـة الـتـي تـأخـذ عـلـى عـاتـقـهـا الـعـمـل للإسلام والـدفـاع عـن مــقـدسـاتـه وثــوابـتــه، وتــفــكــيــك ثـقـافــة الـتـخـلـف والانـحـطـاط الـتـي تـلـف مـجـتـمـعـات المـسـلـمـين بـأسـرهـا.. فـالجـمـاعـة الـمؤمـنـة الـمتـسـلـحـة بـرؤيـة حـضـاريـة للاسـلام، هـي الـقـادرة عـلـى إعـادة الـمسـلـمـين إلـى إســلامــهــم وردم الــهــوة الـتــي تـفـصـلـهــم عـن قـيـمـه الـحضـاريـة والـسـيــاسـيــة والمجتمعية.. فـالـسـيـد الـشـيـرازي في تـربـيتـه الاصـلاحـيـة في كـل أطـوارهـا ومـراحـلـهـا عـمـل عـلـى أعـادة الاسـلام إلـى الـحيـاة، وذلـك عـبـر بـنـاء رؤيـة حـضـاريـة مـتـكـامـلـة، مـع نـقـد عـمـيـق لـكـل المـقـولات والـنـزعـات الـتـي تـتـعـامـل مـع الاسـلام بـطـقـوسـيـة شـكـلـيـة، أو تـعـتـنـي بـالـقـشـور دون الالـتـفـات إلـى جـوهـر الاسلام ومضمونه الحضاري..

فـالـسـيـد الـشـيـرازي لـم يـكـتـف بـلـعـن الـظـلام، وإنـما عـمـل عـلـى تـبـديـده، وإنهاء موجباته وأسبابه من حياة المسلمين، فـهـو لـم يـقـبـل لـنـفـسـه أن يـبـقـى مـتـفـرجـا عـلـى أحـوال المـسـلـمـين وأوضـاعـهـم، وإنمـا عـقـد الـعـزم عـلـى المـشـاركـة الـفـعـالـة في بـنـاء مـشـروع إسـلامـي مـعـاصـر، يـسـاهـم في إخـراج المجـتمـعـات الاسـلامـيـة مـن وهـدة الجـمـود والـتـخـلـف إلـى رحاب العمل والتقدم..

وممن عاصروه خـلال سـنـوات حياته والـلـقـاء بـه، لـم نـسـمـع مـنـهم أنه تكلم كـلـمـة نـابـيـة بـحـق أحـد، وكـان يـوجـه دائـمـا بـعـدم الانـشـغـال بـتـوافـه الامـور، وبعـدم الانـخـراط في الـقـيـل والـقـال، فـالـغـايـة نـبـيـلـة وعـالـيـة، وتحـتـاج إلـى كـل جهودكم وطاقتكم، فلا تصرفوها في أشياء لا مصلحة منها أو فيها

فـالـسـيـد الـشـيـرازي ومـن خـلال دوره وآثـاره الـعـلـمـيـة والـمؤسـسـيـة والـثـقـافـية، هـو أحـد صـنـاع الـنـهـضـة الاسـلامـيـة الـمعـاصـرة، وأنـه تـرك بـصـمـات نـوعـيـة في مسيرتها وتطورها الاجتماعي والسياسي والتاريخي، ولا ريـب أن الـعـطـاءات الـعـلـمـيـة والـثـقـافـيـة لـلـسـيـد الـشـيـرازي، فـتـحـت مـديـات فـقـهـيـة ومـعـرفـيـة جـديـدة، وحـين الـتـأمـل في الـواقـع الـسـيـاسـي والاجـتـمـاعـي لـلـمـسـلـمـين، نجـد أن هـذا الـواقـع يـعـانـي مـن تـاءات أربـع (الـتـخـلـف – الـتـجـزئـة – الاسـتـعـمـار بـمرحـلـتـيـه الـمبـاشـر وغـيـر الـبـاشـر – الاسـتـبـداد) والـعـلاقـة بـين هـذه الـوقـائـع مـتـداخـلـة وعـمـيـقـة.. فـلـولا الـتـخـلـف لمـا كـانـت هـنـاك تجـزئـة واسـتـعـمـار وديـكـتـاتـوريـة.. ولـكـي يـديم الاستـعــمار هـيـمـنـته، هـــو بـحـاجـــة لإدامــة الـتخلف والـتجـزئة والاستبداد.. فـكـل حـقـيـقـة تـتـغـذى مـن الاخـرى، ولـكـن جـذر الـمشـكـلـة هـو الـتـخـلـف.. وقـد عـمـل الـسـيـد الـشـيـرازي ومـشـروعـه في الأمـة لمحـاربـتـه مـن خلال النقاط التالية:

- صـنـاعـة الـوعـي الســلمـي الــطـارد لـجذور الـتـخـلــف وإحــيـاء قــيـم الاسلام في نفوس وعقول المسلمين.

- الـعـمـل عـلـى بـنـاء نـخـبـة ديـنـيـة واعـيـة، تـأخـذ عـلـى عـاتـقـهـا صـنـاعـة الوعي والحقائق المضادة للتخلف في المجتمع.

- المـسـاهـمـة في بـنـاء الحـركـات الاجـتـمـاعـيـة والـسـيـاسـيـة، الـتـي تـتـبـنـى مشروع الاسلام وتعمل من أجل تمكينه في الارض.

- تركيزه الكبير على الجانب الثقافي أهم ما ميز مسيرته الحافلة بالعطاء الإنساني الكبير هو ما يجعلنا نحتفي به وبتراثه الكبير كل عام.

الامام الشيرازي بين الاصالة والمعاصرة

ثم بدأ الشيخ مرتضى معاش متحدثا عن جهود السيد الشيرازي في تأطير المعاصرة بالفكر الاصيل في مثال الديمقراطية بإطار الشورى والاستشارية او مثلا في مواجهة الأنظمة الديكتاتورية باطار نظرية اللاعنف.

وقد جاء في ورقة سماحة الشيخ مرتضى معاش التي حملت عنوان (الامام الشيرازي بين الاصالة والمعاصرة):

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ..)

الدين هو دعوة للحياة والعلم والعمل والحركة، والدين هو الحيوية المستمرة القائمة على استجابة المؤمنين لهذه الدعوة من خلال العلم والتعلم للوصول الى معرفة غايات الدين.

عن الرسول (صلى الله عليه وآله) قال: (العلم حياة الإسلام وعماد الإيمان).

وعن الامام علي (ع) يقول: (بالعلم تكون الحياة)، (اكتسبوا العلم يكسبكم الحياة). و(ثمرة العلم العمل للحياة). ويقول الإمام علي (ع): (ما مات من أحيى علما)، فالعلم حي والعلماء الحيويون بوجودهم المعنوي والفكري والعلمي وآثارهم العلمية. ومنهم المرجع الامام السيد محمد الحسيني الشيرازي (رضوان الله تعالى عليه).

وفي القرآن الكريم جاء في الآية الكريمة: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ)

فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما تلا قوله تعالى: (وما يعقلها إلا العالمون): قال (العالم الذي عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه). فالعالم هو المتعقل وهو الذي يؤسس منهجا سيالا حيويا مستمرا نحو المستقبل، باتباع أسباب النهضة والتقدم وتجنب عوامل التخلف والسقوط.

الترابط بين الماضي والحاضر والمستقبل

فالعلم هو حياة متصلة، حيوية متصلة بين الماضي والحاضر والمستقبل غير منقطع، فالانقطاع موت وتدمير وجمود وركود وانسلاخ. فحسب الآية القرآنية وحسب الروايات التي ذكرنها، فإن الدين هو دعوة للمستقبل والحركة والعمل نحو الامام: (وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) العصر 1-3، فالبقاء في الماضي تخلف والركود في الحاضر جمود، والتحرك نحو المستقبل هو ربح وصلاح.

وهكذا هم العلماء الحيويون النهضويون الذين يقدمون الجهد المتصل بين الماضي والحاضر والمستقبل، والراكدون هم الذين يقطعون ويعيقون مسيرة الزمن ويقطعون التواصل بين الماضي والحاضر والمستقبل وبالتالي يرسخون التخلف، وحول هذا المعنى حديث مهم:

فقد قال رسول الله (ص): (إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق ولا تكرهوا عبادة الله إلى عباد الله، فتكونوا كالراكب المنبت الذي لا سفرا قطع ولا ظهرا أبقى).

الراكب المنبت هو الذي يذهب إلى الأمام بسرعة، يتقدم بسرعة دون أن ينظر إلى ما قبله، ودون أن ينظر إلى القافلة، فينقطع عن أصوله وأسسه، هذا الانقطاع سواء كان نحو المستقبل أو البقاء الدائم في الماضي هو انقطاع يؤدي بالنتيجة إلى الفشل والتخلف وعدم الجدوائية، لذلك فإن هذا المسافر المنقطع لا يصل إلى أهدافه، فالعالم المعاصِر، العالم الحيوي هو الذي يستطيع أن يتعايش ويتواكب مع بيئته وعصره، ولا ينفصل عن الواقع، لأن العلم مفهوم متجدد ومتغير وهو سيال ينمو، فقد قال الإمام علي (عليه السلام): (يا كميل ما من حركة إلا وأنت محتاج فيها إلى معرفة)، معرفة جديدة ومتجددة.

فالعالم الحقيقي هو الذي يتواصل ويتفاهم مع عصره، وهو القادر على أن لا ينقطع عن ماضيه ولا ينقطع عن مستقبله، ولكن العصرنة لا تعني نفي العقائد والثوابت بقدر ما هو القدرة على استنباط الأشياء المتجددة، وتطوير الخطاب العقلاني ليلائم التطورات الحديثة، والتبحر في الدين ومن خلال ذلك يمكن استنباط الأحكام الشرعية والقواعد الفقهية، ولكن التطبيقات هي المتغيرة في كل زمان ومكان، وهذا هو معنى التقليد الذي يعني إتباع العالم الذي يكون دائما متجددا في إعطاء الفتاوى الشرعية، وإلا فإن مع عدم التجديد ليس هناك اجتهاد.

وقد تطور مفهوم الاجتهاد الشيعي بهذا المعنى وهو قدرة العلماء على مواكبة العصر وتقديمهم للأمة الأحكام الشرعية المناسبة لحاجاتهم الذاتية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

وقد كان الإمام الشيرازي بحد ذاته، هو مصداق للامتزاج بين الأصالة والمعاصرة، فقد كان أصيلا في عقائده وقيمه ولكنه كان معاصرا أيضا ومواكبا لكل القضايا المتجددة، ويمكن أن نستنبط من هذه الأصالة والمعاصرة نظرية خاصة لفكر الإمام الشيرازي نسميها (النظرية التأطيرية) فكل شيء عنده في فكره وفقهه وعلمه وثقافته ممكن وقابل للتطبيق، ما دام في إطار الأحكام الشرعية، فهو قابل للتطبيق.

مثلا تأطير الديمقراطية بالشورى، فإذا أصبحت الديمقراطية مؤطَّرة بالشورى، تصبح عنده الاستشارية، فهذا التأطير صحيح وسليم، أو تأطير القانون الوضعي بإطار الأحكام الشرعية لكي يصبح القانون الوضعي سليما وصحيحا، أما إذا خرج عن هذا التأطير أصبح شيئا آخر، ويمكن تأطير مختلف المفاهيم والعلوم، علم النفس، علم الاجتماع، علم الاقتصاد وكل المفاهيم المتجددة، يمكن تأطيرها بأحكام الإسلام.

وكانت الموسوعة الفقهية تعبر عن مطلب التجديد المستمر، من حيث تأطيرها لمختلف العلوم والأفكار والنظريات المتجددة.

من مميزات الاصالة عند الامام الشيرازي

أولا: اصالة المصادر التي يتبعها، وهي القرآن والعترة والعقل.

ثانيا: الثبات على العقائد، وعدم الانقطاع عن الأصول الذي دعا إليه بعض الحداثويين وبعض المتجددين، حتى أسموا الآخرين، بالأصوليين، فالأصوليين لديهم، يختلفون في المعنى عن الأصوليين الموجودين عندنا في الحوزات العلمية الذين يتبعون أصول الفقه.

ثالثا: عدم الانجرار وراء التغريب بحجة التجديد.

فبعض المفكرين والمثقفين ذهبوا وراء الانفصام والانقطاع عن الأصول بحجة التجديد، ودخلوا في دائرة التغريب والانقطاع عن الأصول والثوابت. فكان الإمام الشيرازي لا يقبل بهذا، وقد ذكرنا أنه كان طرح النظرية التأطيرية، فكان ينظر إلى المستجدات بانفتاح ولكن يؤطرها بأحكام الإسلام ولا ينقطع عن الثوابت والقواعد.

وقد كان يدعو للوقوف ضد الانجرار الثقافي الأعمى، والاقبال على كل الثقافات دون أن تكون هناك غربلة وتمحيص لهذا الانجرار الثقافي المنقطع عن الأصول.

رابعا: الحفاظ على الهوية الدينية وعدم الانسلاخ.

فالكثير من المجتمعات ضاعت وابتلعتها الحداثة الفوضوية. وقد كان الإمام الشيرازي ينظر إلى الأسس التي لابد أن نثبت عليها حتى نبقى متمسكين بهويتنا الدينية والثقافية والحضارية، إن التخلي عن الثوابت بداعي العصرنة يعني التخلي عن الهوية بشكل مطلق وتضييع كل التراكم الحضاري الإسلامي وبالتالي التحول الشاذ نحو الهوية الفوضوية للحضارة الغربية.

خامسا: التأكيد على مسلكية القيم الفطرية والفضائل، باعتبارها الضابط الاجتماعي وليس القانون فحسب. فالبعض الموجود الآن وفق النظرية الغربية، لا قيمة عندهم للقيم والأخلاق، فالقانون هو الذي يحكم فقط، بينما يرى الإمام أن أساس الضبط والانضباط الاجتماعي والضابط الاجتماعي هو القيم، والاخلاقيات والفضائل التي تؤسس إلى تربية ثقافية وإنسانية واجتماعية.

سادسا: الالتزام بالأحكام الشرعية، وهذا هو طريق للسعادة والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والنفسي. وهذا التأطير بالأحكام الشرعية هو الذي يجعل المجتمع مستقرا اقتصاديا أو سياسيا أو نفسيا، هذا هو مفهوم الدولة المتأطرة بالأحكام الشرعية عند الشيرازي. وهذه هي مميزات الأصالة.

مميزات المعاصرة في منهجية الامام الشيرازي

أولا: الأفكار المتجددة وهي أفكار عملية وحيوية تتناسب مع حاجات المجتمعات وامراضه، فكان الإمام يسلط الضوء دائما على أمراض المجتمع وأزماته، ويضح حلا جديد لهذه الأمراض والأزمات، مثلا الشورى في مقابل الاستبداد، اللاعنف في مقابل العنف، التنظيم في مقابل الفوضى والعشوائية والانانية وهنالك الكثير من الأفكار التي طرحها الإمام الشيرازي عبر المميزات المعاصرة في منهجه.

ثانيا: المؤسسات والمؤسساتية، حاضنات تربوية للبناء الحضاري وللتقدم في مقابل الانفلات الفردي والتشتت، وبناء للإدارة الناجحة، ودوائر للمعرفة مثل الحوزات والمساجد والحسينيات، لا يمكن اليوم بناء المجتمع من دون وجود حاضنات، فعندما لا تكون هناك حاضنات اجتماعية تربوية تستوعب فئات المجتمع، الشباب، النساء، الأطفال، يصبح المجتمع منفلتا، ولا يخضع لأسس تربوية تنموية تطورية صحيحة في حياته.

لذا كان الإمام يؤكد على المؤسسات وكان يوصي كل شخص بأن يبني خمس مؤسسات في الجوانب الثقافية والعلمية والتعليمية والاجتماعية الخيرية، وكان من ضمنها المساجد والحسينيات والحوزات والجامعات والمدارس.

ثالثا: بناء الكوادر المتميزة والانفتاح على الكفاءات، والاهتمام في بناء الرأسمال البشري.

رابعا: الخطاب العقلاني غير المباشر.

القائم على التثقيف والحوار وليس على الوعظ المباشر أو الاندكاك المباشر مع الآخرين، لم يكن يقبل بهذه الطريقة باستخدام الوعظ المباشر والاندكاك المباشر مع الناس، بل كان دائما يستخدم أساليب أخلاقية تقوم على المرونة، وهذه الأساليب لابد منها في الخطاب والكلمات.

وتصديقا لقول الامام علي (ع) حيث قال: (الْفَقِيهُ كُلُّ الْفَقِيهِ مَنْ لَمْ يُقَنِّطِ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَلَمْ يُؤْيِسْهُمْ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ وَلَمْ يُؤْمِنْهُمْ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ).

هذا هو الفقيه الذي يحيي الأمل والتوكل والتفاؤل في حياة الناس لكي يحدث التقدم في حياتهم، أما أساليب التخويف والإرعاب لم تكن عند الإمام الشيرازي لذلك كان الناس يلتفّون حوله وخصوصا الشباب بسبب هذا الخطاب الجميل المرن وهو أيضا خطاب معتدل، فطبيعة الناس لا تقبل ولاتنسجم مع التطرف.

الامتزاج العقلاني بين الاصالة والمعاصرة

فإلى ماذا يؤدي الامتزاج العقلاني الحكيم بين الأصالة والمعاصرة؟

أولا: بناء الاعتدال وعدم التطرف.

إن هذا التطرف الذي يحصل في كثير من المجتمعات سواء كان التطرف دينيا أو علمانيا، هو نتيجة لعدم وجود امتزاج بين الأصالة والمعاصرة، فنلاحظ أن سبب التطرف الديني هو البقاء في دائرة الأصالة وعدم الذهاب إلى الحياة نحو المستقبل، أما التطرف العلماني فهو يعني الدخول في عالم المعاصرة والانفصال عن الأصول، هذا هو سبب حصول التطرف عند الجانبين الديني والعلماني، لذلك كان الإمام الشيرازي يقف في منطقة الوسط أي بين الأصالة والمعاصرة، وكان هذا الامتزاج عقلانيا أدى إلى ظهور هذه المدرسة المتنوّرة الجريئة بأفكارها وبمؤسساتها.

ثانيا: حلول عملية واقعية لازمات معقدة.

كما في مسألة الديمقراطية والشورى، ومشكلة الربا في الاقتصاد، فقضية الاقتصاد تعد من أصعب المشكلات التي يعاني منها العالم اليوم، حيث يعيش العالم اليوم أزمة اقتصادية قوية جدا، خصوصا في الغرب بسبب أزمة الربا وأسعار الفائدة، وما يسمونه بعدم اليقين، بالنسبة لأزمة الربا قدم الإمام الشيرازي رؤية وحلولا في كتابه الفقه الاقتصاد، من خلال تصفير أسعار الفائدة ونبذ الربا، واعتماد الحل الإسلامي وهو المضاربة.

ثالثا: استثمار الأفكار المفيدة وتأطيرها إسلاميا.

تقديم مشاريع ورؤية في هذا المجال، مثل فقه المستقبل، القانون، المرور، البيئة، وهي أفكار مؤثرة اجتماعيا، فالعالم يعيش أزمة كبيرة، وقد كتب أحد الكتاب بحثا عن أفكار الإمام الشيرازي حول البيئة يعطي رؤية لحل مشكلات اليوم في تغير المناخ والاحتباس الحراري.

رابعا: استيعاب الأجيال الصاعدة.

وهي الأجيال التي تتطلع للمستقبل واستثمارها استراتيجيا، تعد الأجيال خصوصا في عالم اليوم والتقدم الحضاري والتكنولوجي، مقبلة على مجموعة كبيرة من الهزات الثقافية، فهذه الأجيال تحتاج إلى من يستوعب تطلعاتها، وكانت لدى الإمام الشيرازي رؤية في هذا المجال، ومعالجة الفجوة بين الأجيال وهي فجوة كبيرة حدا، بين الآباء والأبناء، فكانت عند الإمام الشيرازي مشروعا قادرا على أن يقلّص الفجوة بين الآباء والأبناء.

ولذلك نلاحظ أن العائلات التي كانت قريبة من الإمام الشيرازي، كان أبناؤها مقتربين من آبائهم، وكان هناك نوع من التواصل بين الجانبين وذلك لقدرة الإمام الشيرازي على ردم هذه الفجوة بينهما، واستيعاب هذه الأجيال في هيئات وبرامج ومواكب، ومؤسسات خيرية، فقد أسس الإمام الشيرازي في ستينيات القرن الماضي 800 هيئة للشباب في مدينة كربلاء المقدسة، وفي المهجر أسس المئات من المؤسسات التي تنتشر في مختلف مناطق العالم، لاستيعاب هذا الرأسمال البشري الهائل للشباب وعدم ضياعه وهدره، استيعابه حتى يبقى خزينا ورأسمالا للتقدم والنهضة.

فرؤية الإمام الشيرازي حول الأصالة والمعاصرة، تتلخص في ذلك الامتزاج الحكيم والعقلاني والبقاء على الأصول، والثبات عليها، مع ربط الحاضر بالماضي والمستقبل هذا الربط العقلاني المتجدد يحافظ على الهوية ويحقق قضايا النهضة والتقدم، وهذا ما نحتاجه اليوم، وهو أن نبقى ثابتين على أصولنا، ونبقى نستفيد من الأفكار المتجددة ويكون بيننا مفكرين في هذا الجانب لاستيعاب هذه النهضة وهذه الحركة.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الأوفياء لهذا الإرث التاريخي الحضاري الكبير، ونكون قادرين على أن نحقق أهداف نهضة الإمام الشيرازي.

الموازنة بين القانون الوضعي والإلهي

أما الدكتور علاء الحسيني فأخذ منحى آخر بمحاولة السيد الشيرازي في تجديد القيم الاسلامية وبث الأفكار التي توائم بين القوانين الإلهية والقانون البشري الوضعي الذي احاطه الامام الراحل واستوعبه وقدمه للأجيال اللاحقة بشكل سلس ومقبول.

وقد قال الدكتور علاء الحسيني في ورقته التي جاءت تحت عنوان (الموازنة بين القانون الوضعي والإسلامي دراسة في فكر الإمام الشيرازي):

حينما نتحدث عن الموازنة بين القانون الوضعي والقانون الإسلامي، هنالك عدة نوافذ تُفتَح لابد من الإطلال على بعضها والاستزادة منها، فمن تراث الإمام الشيرازي، هنالك عديد من الكتب التي لها اتصال مباشر بعلم القانون، الفقه القانون، الفقه القضاء، الفقه الحقوق، وغيرها من الكتب الثرية في معناها، والتي تحمل الكثير من الأفكار التي يمكن البناء عليها من قبل المختصين.

حينما نتحدث عن القاعدة القانونية، فإننا نتحدث عن قاعدة تنظم السلوك الإنساني بالدرجة الأساس، أو تنظم إحدى السلطات العامة أو تحدد علاقة هذه السلطة بغيرها سواء من السلطات أو الأفراد، من هنا اكتسبت القاعدة القانونية معناها المتميز، والمتمثل بكونها تتجسد في جزأين، أو ركنين: وهما ركن الفرض، وركن الحب. سواء ما يخص القاعدة الشرعية أو القاعدة القانونية الوضعية.

حينما نتحدث عن القاعدة الشرعية التي أشار لها الإمام الشيرازي والتي أشرنا لها سلفا، القاعدة القانونية الشرعية أجد أنها تتميز بثلاث خصائص مهمة جدا:

الخصّيصة الأولى:

سرمدية هذه القاعدة، وهذا مشتق مما ورد في التراث المحمدي الشريف (حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة)، فهذا يعني أزلية القاعدة، وسرمدية القاعدة. أما في القانون الوضعي فلأن المشرع الوضعي مشرّع أرضي وليس سماوي فلا يمكن أن يكون معصوما من الخطأ، والزلل والنسيان.

الخصيصة الثانية:

القاعدة الشرعية من خصائصها التكامل، في بناء القاعدة القانونية الشرعية، ولا ينقصها شيء لأنها تأتي مستوعبة للحالات المستقبلة. هذه الخصيصة لو مزجناها مع القانون الوضعي نجد أن يمتاز بالتناسب النسبي وليس التناسب الكلي.

الخصيصة الثالثة:

التناسب نجده متحقق في القاعدة الشرعية، أي تناسب القاعدة مع الفروض التي سوف تطبق عليها. كذلك لا يمكن إهمال دور القضاء. لذلك فإن الإمام الشيرازي في كتبه التي تحدث فيها عن الجانب القضائي، حدّد لنا استنادا إلى موروث الشريعة الإسلامية كثير من الأشياء التي تتعلق بالقضاء وشروط القضاء مثلا وكذلك آداب القضاء، وشرط الفقهاء في القاضي الذكورة العدل الإسلام البلوغ الاجتهاد.

إذا جئنا إلى آداب القضاء التي أشار إليها الإمام الشيرازي، فسنجد أنه أشار إلى كثير من الأمور التي لا نجدها مطبَّقة في محاكم اليوم، على سبيل المثال أن القاضي يجب أن لا يرتفع صوته فوق صوت الخصوم وأن يستقبلهم ويوزع عليهم نظراته بنوع من العدالة.

وأشار المرجع الراحل (رحمه الله) إلى جوانب مهمة أخرى منها أن القضاء لا يُنظَر إليه كوظيفة بقدر من يُنظر إليه كوسيلة، هذه الوسيلة يمكن أن تعصم الناس من الوقوع في كثير من المشاكل، لأنه اليوم إذا ذهب الناس لحل الإشكاليات إلى بدائل القضاء لربما هذه الوسائل لا تؤدي إلى ردم الهوة أو الشرخ الذي يحصل في المجتمع.

الإشكالية الكبيرة التي نحن بصددها لكي نختم بها ورقتنا هذه، تتجسد في إن القواعد القانونية حينما نعكسها على أرض الواقع نجد أن القاعدة القانونية الوضعية اليوم في العراق في وادٍ والتطبيق في واد بعيد جدا، على سبيل المثال، إن العدالة التي نبغيها والتي أشار إليها الإمام الشيرازي في كثير من مؤلّفاته واعتبر هي الميزان الحقيقي لتحقيق السعادة الاجتماعية، هذه العدالة لا يمكن أن تتحقق بالعراق في الوضع الحالي، لماذا؟؟

لو أخذنا على سبيل المثال جزءا بسيطا جدا من القواعد القانونية الموجودة والمطبقة عندنا، القواعد الاقتصادية أو التي تحكم الواقع الاقتصادي لأنها الأقرب أو الأكثر تماسّا بالعدالة الاجتماعية، لما نجده اليوم على أرض الواقع من مشاكل اجتماعية، وكذلك من المشاكل الاقتصادية التي يعاني منها جلّ الأسر العراقية اليوم، هذا الواقع الاقتصادي أو الحالة الاقتصادية نجد الدستور ينص في المادة 25 على أن تلتزم الدولة بالصلاح الاقتصاد العراقي على وفق أسس اقتصادية حديثة تضمن تعدد موارده واستغلال كامل مصادره، وكذلك تشجيع الاستثمار والقطاع الخاص بالتحديد.

خطورة موروث الدولة الاشتراكية

هنا نجد أن المشرع الدستوري يشير من جهة إلى أن الإسلام دين الدولة الرسمي، ويشير من جهة ثانية إلى الاقتصاد الحر أو الرأسمالي، حقيقة إن سبب تحطيم الاقتصاد في البلد الأول هو الموروث الكبير الذي سبقناه عن الدولة السابقة، الدولة الاشتراكية، النظام السابق المباد كان يعمل بكل ما لديه من قوة إلى ترسيخ الاشتراكية في البلد وهذا ما حذر منه المتنورون والعلماء والفضلاء في حينه، بأن ذلك سوف يؤدي إلى إنهاء ملف العدالة نهائيا، وخلق حالة من اللاعدالة في البلد.

بالفعل جل القواعد القانونية اليوم في البلد هي ترسخ الاشتراكية، وقد فشل مجلس النواب على مدار خمس دورات من أن يضع حلولا أو أن يفيّد هذه التشريعات الاشتراكية أو ينهي تأثيرات هذه التشريعات الاشتراكية، على سبيل المثال لا الحصر، هنالك مثلا قانون الشركات، رقم 22 لسنة 1997، المتطلبات لهذا القانون توجد الاشتراكي بأجلى صورها، والاشتراكية معلوم بأنها مشتقة من الشيوعية وهي قريبة من هذا النظام ومبتنياته الفلسفية البائسة.

الاتجاه بقوة نحو النظام الحر أو الاقتصاد الحر، أو الاقتصاد الرأسمالي أيضا لا يخلو من المحاذير الكثيرة، فهذا الاقتصاد نجده برّاقا في المظاهر لكنه نظام ظالم في الحقيقة، لا حصر لمثالبه ولا حصر للمشاكل التي يخلقها من الموروثات التي أورثها مرورا بعولمة هذا الفكر ومرورا بالفصل العنصري الذي ترسخ في هذا النظام الاقتصادي، وانتهاءً بمسألة التفاوت الطبقي الذي يخلقه في المجتمع وقد يخلق لنا العديد من المشاكل.

لذلك نقول إننا اليوم بحاجة كبيرة جدا للموازنة بين القاعدة القانونية الشرعية والقاعدة القانونية الوضعية، وأن يكون هنالك مجالس أو لجان استشارية أو هيئات على أقل تقدير تكون على مستوى عال من التنسيق بين رجال الدين من جهة ورجان القانون من جهة أخرى، لكي تُعرض عليهم مشاريع القواعد القانونية قبل إقرارها من قبل البرلمان العراقي.

وذلك لوضع بعض النصائح لصالح القاعدة القانونية الوضعية للتخلص على أقل تقدير من بعض الإشكاليات والمشاكل التي رافقت القواعد القانونية السابقة التي ما لبثت أن تخلق لنا الكثير من المشاكل التي لا يمكن التنبؤ بمصيرها ومستقبلها لاسيما ونحن مقبلون على زيادة كبيرة جدا في عدد سكان العراق والموارد لهذا البلد يبدو أنها بدأت إلى حد ما بالتناقص بسبب الفساد الكبير الذي ورثناه من النظام السابق وإلى اليوم والذي لم نستطع أن نتخلص منه.

المداخلات

ثم بدأت بعد ذلك مداخلات الأساتذة والضيوف الكرام الذين حضروا هذه الندوة.

الأستاذ هاشم المطيري:

إن سماحة السيد الإمام الشيرازي كان ينطلق من منطلق فكري خاص، فهو من الأوائل الرساليين بل له الصدارة بينهم، لكننا لحد الآن لم نعرف كيف نسلط الضوء على ما قدمه الإمام الشيرازي، وأول من وقف بوجه الطغاة هم أبناؤنا، وكثير منهم ذهبوا شهداء ومشاعل نور نحو الحرية، ولكن نسأل من الله عزوجل أن يديم منهجه العلمي ويديم تضحية ابنائنا وأبنائه الذين ينتمون إلى خطّه ونهجه.

الشيخ ناصر الأسدي:

السيد الإمام الراحل (رضوان الله تعالى عليه) قام بتأليف كتاب اسمه (إذا قام الإسلام في العراق)، وهو كتاب راقي جدا وفي القمة، هذا الكتاب (كأن السيد يعيش هذه الأمور التي تمر بنا الآن) تنبّأ بالأزمات التي مرت بنا، الإرهاب، أزمة الفقر، أزمة البطالة، أزمة السكن، والأزمات الاجتماعية والسياسية كلّها يراها أمام عينه ويضع لها العلاج، بحيث يعتبر الإسلام هو الحل الأرقى لعلاج المشكلات الإنسانية:

(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، الأعراف 96.

وقد وضع السيد الإمام الشيرازي في هذا الكتاب على سبيل عددا من المعالجات، ما يقارب 25 إلى 26 نقطة تحت عناوين ومؤسسات معينة، من هذه النقاط على سبيل المثال:

النقطة الأولى عدم تلويث الثورة بالدم. فلا يصح أن يقوم النظام الجديد على سفك الدماء، لأن هذا الأسلوب سوف يثير ضغائن، ويؤدي إلى فتنة ومشاكل كثيرة.

النقطة الثانية: معالجة أزمة الفقر. فقد قدم الإمام الشيرازي (رحمه الله) رؤية واضحة لمعالجة أزمة الفقر، فالأمة الإسلامية لا يصح أن تكون فقيرة، ولابد من معالجة الظروف الاستثنائية للناس، كأن يكون أحدهم عاجزا أو مريضا أو عاطلا، فيجب أن يعطى من بيت المال، ويعطى كل ذي حق حقه بالمقدار الذي يحتاجه، أسأل الله تعالى أن يوفقنا في هذا الطريق والحصول على كتب السيد كي نقرأها ونستفيد منها ونتدارسها وأرجو من الله التوفيق لذلك.

النظرية الإسلامية الخاصة بالقضاء

الأستاذ عباس الشمري:

الحقيقة جاءت الورقتان البحثيتان على درجة عالية من الرقيّ، وتناولتا النظرية الإسلامية في مجال العقوبات والقوانين الخاصة بالقضاء، إن الحد هو الشيء الفاصل بين حالة وحالة، فهل يمكن للمشرع الوضعي ان يطبق الحدود ويجلد الزاني والزانية 100 جلدة، وهل يمكن جلدهم 50 جلدة مثلا، أو التعامل مع شارب الخمر مثلا، ففي كل دول العالم هناك قوانين وضعية تتعامل مع شارب الخمر وخاصة حين يقود السيارة مثلا، كل البشرية تعاقب شارب الخمر.

فالسكر وفقا للنظرية الإسلامية لم يذكر ذلك في القرآن وإنما مذكور في السنة، هذا الحد المذكور في السنّة هل يمكن أن يُستبدَل بشيء آخر لا يتجاوز ما مذكور في السنة، فالنظرية المعاصرة إذا كُتبت بهذه الطريقة بين الأصالة والمعاصرة، فإن الله سبحانه وتعالى ترك ما دون الحد للبشر للمشرع، كما جاء في الورقتين البحثيتين، في الأصالة شارب الخمر والزنى قضايا مرفوضة وكذلك وفقا للأخلاق والأعراف، فمعالجة هذا الخرق للمنظومة القيمية تركه الله سبحانه وتعالى للبشر هو الذي يضع العقوبات المناسبة وفق الظروف والمصلحة المجتمعية.

وليس الحد هو الشيء غير القابل للتغيير وفق النظرية الإسلامية إذ لا توجد في أيقونات ثابتة، فمثلا ظروف الشباب قبل 50 سنة ليس كما هي ظروف شبابنا الذين يعيشون ظروف مختلفة، وهناك حدود دنيا وحدود عليا لا نقربها، فأي تجاوز في هذا الأمر يحدث خلل في نظام المجتمع، واعتقد ان الورقتين البحثيتين أشارتا إلى هذا المعنى مع الشكر الجزيل لكم.

الشيخ محمد سعيد المخزومي:

أجاد الاخوة واحسنوا في تفصيلهم الذي ورد في الورقتين البحثيتين، والمداخلات عن مؤلفات وكتابات الإمام الشيرازي (رحمه الله)، واضيف هنا نقطة واحدة فقط في هذا المجال وهي أنني حينما أقرأ أفكار السيد الإمام الشيرازي (رحمه الله) وأقرأ كتبه، فإنني أقرأ من بين ثنايا ذلك الكتاب والخطاب روحه الممتلئة بالعبودية لله سبحانه تعالى، فمن يتوكل على الله يوفقه سبحانه، لأن الله يثبت عبده ويكرم عبده في كل ما يتكلم ويصدر منه وفي كل ما يكتب.

إنني أقرأ من بين ثنايا كل ما عنده من تراث العبودية لله تعالى، فقد وجدته عبدا لله سبحانه، وافكاره هي التي تؤثر وتؤلف ما فكر به وقدمه في مؤلفاته وتراثه الكبير، أسأل الله تعالى أن يوفقكم في مسعاكم لتخليد أفكار الإمام الشيرازي وطروحاته.

الدكتور خالد العرداوي:

نشكر ديوان كربلاء الثقافي لما يوفره من منصة مهمة في كربلاء الحسين (عليه السلام)، للمثقفين والكتاب والمفكرين للحوار فيما بينهم حول الكثير من القضايا التي تخص الشأن العام والشأن الخاص، وفي هذه الندوة المباركة حول افكار المجدد الشيرازي (رحمه الله)، أشار الشيخ ناصر الأسدي إلى كتاب إذا قام الإسلام في العراق، وكان هناك مسار واضح في هذا الكتاب، وأنه إذا ما حصل تغيير للنظام السياسي في العراق وأريد بناء سياسي جديد، فهناك نظام وخطوات محددة لبناء هذا النظام السياسي، ولكن للأسف نلاحظ أن هذه الخطوات لم يُعمَل بها بعد عام 2003. ولو عُمِل بها لكان الوضع في العراق مختلف عما هو عليه خلال السنوات العشرين التي مضت.

في الجانب القانوني أحسن الدكتور علاء الحسيني وسماحة الشيخ مرتضى معاش أيضا، في ورقتيهما حول الموضوع، ولكن لاحظنا أيضا في الجانب القانوني هنالك قاعدة ركز عليها سماحة السيد وهي التدرج في تطبيق القاعدة القانونية، وأننا حين نتحول إلى نظام سياسي يقوم على منظومة قانونية وضعية بالكامل، فلا تأتي وتوجه صدمة للمجتمع في النظام السياسي، وإنما تباشر عملية التدرج في تطبيق القاعدة القانونية وهذا مهم للغاية، لكننا للأسف لم نلاحظ ذلك.

وأشار الدكتور علاء الحسيني إلى أن أهم مواصفات القاضي الاجتهاد، وأنا باعتقادي إن الاجتهاد مهم للغاية، وكذلك أعتقد أن العقل والعدالة مهمة للغاية سواء كان هذا القاضي قاضيا شرعيا أو قاضيا وضعيا، ونلاحظ اليوم أن معظم القضاة أو كثير منهم مع احترامنا لهم يحدث لديهم انحراف عن الحق بسبب غياب العدالة.

يقول الإمام علي (عليه السلام): (الكتب بساتين غنّاء)، وهذا قول مهم للغاية، فكما نلاحظ يوجد لدينا فقهاؤنا وكتابنا في الحاضر وفي الماضي أيضا، فلماذا لم نستفد من هذه البساتين وما هو السبب الذي يقف وراء ذلك، سواء كانت البساتين التي تركها سماحة السيد الإمام الشيرازي، أو غيره من العلماء الفضلاء أو الكتاب؟، لماذا نلاحظ حتى في داخل المجتمع الشيعي هنالك انقسام حول هذا الموضوع والنظر إلى الفقهاء.

من المعروف أن الكتب التي تتحدث عن الديمقراطية والثقافة والحضارة، تؤكد على أن الإنسان كلما يكون أكثر تحضرا يكون سلوكه اكثر أو يميل إلى السلوك الوحدوي أكثر، وكلما كان أكثر تتخلفا فهو يميل إلى التخلف أو التشظي، لماذا نحن نزداد تشظيا يوما بعد يوم، أعتقد أن هذا الأمر يحتاج من هذا الديوان المبارك أو في الدراسات القادمة أن لا نركز فقط على مآثر العلماء، وإنما لماذا لم نستفد من هذه المآثر، لهذا إذا استطعنا الإجابة عن الأسئلة المهمة اليوم سوف نكون على المسار الصحيح لأبنائنا ولأحفادنا في المستقبل، رحم الله الإمام الشيرازي المجدد الكبير ورحم الله أمواتكم جميعا.

الأستاذ جواد العطار:

ان السيد الشيرازي ابن مدينة كربلاء المقدسة، وقد تواجد ونشط فيها في الستينيات وبداية السبعينيات، حيث كانت هناك اتجاهات فكرية مختلفة، منها اليسار، واليمين البعثي القوي، وفي نفس الوقت كان هناك إسلام شعائر، إسلام شعارات، وإسلام طقوس، وأهم ما عمله الإمام الشيرازي في هذه المدينة ومنها إلى العالم في بلدان ومدن أخرى في إيران والكويت، أنه خلق معادلة ثالثة بين يسار القوى الشعبية آنذاك والمختلفين معها، فبين هذا وذاك صنع الامام الشيرازي معادلة ثالثة، وأصبح هناك خط وسطي ثالث واسع مبارك حضاري يمتلك مقومات الاعتدال والنهوض وهذه المعادلة هي أهم ما صنعه الإمام الشيرازي (رحمة الله عليه).

فإذا كنا نحتفي بهذه المناسبة في كل سنة، فهذا أقل ما نقدمه وهذا أقل الوفاء للإمام الشيرازي، وأن نلتزم بمضامينه الفكرية والأخلاقية وسلوكياته اليومية، وهناك من الأخوة الذين عاصروا السيد الإمام الشيرازي والتقوا به ينقلون عنه صورا هي الأكثر تعبيرا فعندما تزور السيد يبدأ معك بالحديث الطيب الجميل الشيّق، ويبدأ بالقول هل سمعتم بهذا الخبر، فقد صدر في الأردن قانون منع حلاقة النساء في صالونات حلاقة الرجال ومنع النساء من ممارسة الضيافة في الطيران، ويعلق قائلا إن مستوى الإسلاميين هكذا، وبدلا من أن يعالجوا الاقتصاد المتعَب وبدلا من أن يعالجوا مشكلة فلسطين، يقدمون صورة للآخرين عن العقلية الإسلامية في ذلك الزمن، ويبدو من ذلك كيف أن الإمام الشيرازي هو رجل حركي وعنده رؤية واضحة للعالم الإسلامي.

حين كان يزوره خطيب يسأله: كم مجلس لديك شيخنا؟، فيجيب: مجلس واحد. فيقول له السيد (رحمه الله) غيرك من الخطباء لديهم عشرات المجالس، فكيف تقتنع بمجلس واحد؟ وهكذا توجد صور كثيرة من هذا النوع، كذلك في قضية اللاعنف الذي قدم فيه نظريته المعروفة عن اللاعنف، وأخيرا علينا ان نحتفي بالإمام الشيرازي من خلال الالتزام بأفكاره رحمه الله ونحاول أن نروجها في المجتمع.

الدكتور محسن القزويني:

إن الإسلام هو الأساس في تشريع القوانين، فلا النظام الرأسمالي ولا النظام الاشتراكي، فالإسلام له أفضلية على كل الأنظمة الأخرى، وأي نظام آخر غير مقبول في تشريع القوانين الجارية، فهناك أسس إسلامية هي التي تستند إليها تشريعاتنا المعمول بها، وأي تشريع لا يتفق مع الأسس الإسلام غير مقبول ولا يُعمل به، أما بخصوص السيد الإمام الشيرازي (رحمة الله عليه) فله وجهات نظره المعروفة، واذكر هنا قصة حيث أقيم في الكويت مؤتمر الوقف الجعفري، وكان هناك نقاش وورشة عمل حول المصارف الوقفية وحديث حول المصارف الوقفية وكان هذا الموضوع مهم جدا، وطرحت دراسة مهمة جدا بأنه لو تمكنا من أن نوجد ونؤسس مصارف وقفية فسوف ليكون لهذه الخطوة أثر كبير في الاقتصاد، ونعني بذلك الاقتصاد الدولي واقتصاد الأمم.

وكان السيد الامام الشيرازي هو الوحيد من بين جميع الحاضرين في هذا المؤتمر الذي اعلن عن جواز وقف الدينار والدرهم في حين كان الآخرون لهم رأي أو قرار مختلف، وهو الوحيد الذي جوز وقف الدينار والدرهم وعلى اساس وقف الدينار والدرهم نستطيع أن نبني مصارف وقفية، وهذا الامر له علاقة كبيرة بمشكلات اليوم، يعني السيد الشيرازي (رحمة الله عليه) طرح حلولا لمشكلات يمكن ان تواجهنا في المستقبل، وقد قال السيد المرعشي رحمة الله عليه، عن الامام الشيرازي عبارة جميلة: (بعد مئة سنة سوف نعرف من هو السيد الشيرازي)، عندما نقع في المشكلات وهذه المصائب ونجد في أفكاره الحلول المناسبة.

وختم مقدِّم هذه الندوة الأستاذ علاء الصافي بالقول:

هناك إهمال كبير من قبل المؤسسات والمنظمات التي لم تقم بدورها الثقافي، ونجد أنها تركز كثيرا على الجوانب السياسية والقضايا التي تخص الحكومة والحكم وقضايا البرلمان، ولا يوجد تركيز على الجوانب الثقافية التي تتعلق ببناء المجتمع، حيث نجد هذه المنظمات منقطعة ومبتعدة عن مثل هذه الأدوار المهمة.

إن مثل هذه المنتديات والملتقيات، وخاصة المواكِبة للمشاريع الثقافية كما في ديوان كربلاء الثقافي الذي يفتح الباب دائما، للمؤسسات أو النشطاء أو المنظمات الثقافية في كربلاء، لهذا نجدد لهم الشكر وندعو لهم بالتوفيق والنجاح.

وفي ختام حلقتنا هذه في ذكرى الإمام الشيرازي (رحمه الله) لا يسعنا إلا أن نشكركم على تجشم عناء الحضور والمشاركة الفاعلة وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين..

اضف تعليق