إن التهديد الذي باتت تشكله بعض تقنيات الذكاء الاصطناعي وخصوصاً أنظمة التعرف على الوجوه، أصبح يسترعي اهتمام بعض المسؤولين في المجال ويأخذ طريقه لسيطرة الحكومات والمنظمات الدولية، ويبدو جيداً أن يلتفت العالم إلى تلك المسألة في وقت مبكرة بوضع حد للأوجه المضرة منها، مع إتاحة استخدامها عند المهام الضرورية.

تستخدم أجهزة الحاسب نظام التعرف على الوجه لتحديد هوية الأشخاص عن طريق رسم خرائط لملامح الوجه الخاصة بهم، ومقارنة تلك المعلومات مع قاعدة بيانات الوجوه، تستخدم هذه التقنية على نطاق واسع حتى أصبحت أداة موثوقة لعمليات التحري والتعرف على الأشخاص والوجوه فما هو نظام التعرف على الوجوه بالتحديد وما استخداماته المختلفة، وللتعرف اكثر على هذا النظام اطلعوا على هذا التقرير.

نظام التعرف على الوجه هو عبارة عن نظام قادر على تحديد الهوية والتحقق من الأشخاص، من خلال مقارنة وتحليل أنماط مختلفة على أساس ملامح الوجه، فيساعد على تحديد وتمييز الوجوه البشرية من صورة أو فيديو ويستخدم نظام التعرف على الوجه في مجموعة متعددة من المجالات، إلا أن أبرز هذه الاستخدامات يظهر في الأغراض الأمنية.

تختلف الأساليب المتّبعة في نظام التعرف على الوجه اعتمادًا على التطبيق والشركة المصنعة، إلا أنها تنطوي عموماً على سلسلة من الخطوات التي تعمل على التقاط ومعالجة وتحليل ومطابقة الوجه مع قاعدة بيانات مسجلة من الصور المختلفة؛ حيث يلتقط النظام 80 نقطة عقدية على وجه الإنسان تستخدم لقياس متغيرات وجه الشخص، كطول وعرض الأنف وعمق العين وشكل عظام الوجه، على الرغم من أن تكنولوجيا التعرف على الوجه لم تصل إلى ذروتها بعد، إلا أنها حققت ما يكفي من تقدم لإيجاد سلسلة من التطبيقات والبرامج، وتنوعت استخداماتها بشكل كبير لتصل إلى حد واسع مستخدم بكثرة حولنا.

من أبرز تلك استخدامات النظام: (الأمن العام، فتح الهواتف، العثور على المفقودين، تحقيقات الطب الشرعي، تشخيص الأمراض، تحديد الأشخاص على وسائل التواصل الاجتماعي، تتبّع الحضور المدرسي) لحد الان.

أحدث سلاح للسلطات

أحد ركائز صناعة المراقبة هي تقنية التعرف على الوجه، التي أثارت القلق في الآونة الأخيرة، خاصةً مع ظهور عناوين على شاكلة أن "مكتب التحقيقات الفيدرالي لديه حق الوصول إلى أكثر من 640 مليون صورة" من خلال قاعدة بيانات التعرف على الوجه واستخدام نظارات شمسية ذكية يمكن أن تجعل المراقبة العامة سرية وفي كل مكان، بالطبع، نحن الآن نعرف الكثير عن حالات الاستخدام الأخرى للتعرف على الوجه، ففي السنوات الأخيرة، تم تقديم ميزة التعرف على الوجه في المطارات حول الولايات المتحدة كوسيلة لتأكيد هويات المسافرين، كما تم استخدامه منتصف العام الماضي لتحديد هوية الرجل الذي قتل 5 أشخاص في أحد مكاتب الصحف في ولاية ماريلاند، وبعدها بشهر، اُستخدم تحديد شخصين يشتبه في تسممهما العميل الروسي المزدوج سيرجي سكريبال وابنته يوليا في المملكة المتحدة.

هناك المزيد والمزيد من الحالات التي تحاول فيها الحكومات والشركات تطبيق هذه التكنولوجيا على الدوائر التلفزيونية المغلقة وأجهزة تسجيل الفيديو المحمولة كما تعمل شركات التقنية على إنشاء برنامج للتعرف على الوجه يمكنه، من بين أشياء أخرى، مساعدة المكفوف على معرفة من في الصورة، أو حتى من في الغرفة معه، بالإضافة إلى ذلك، تأمل شركات بطاقات الائتمان أن يكون التعرف على الوجه هو الخطوة التالية في مصادقة الدفع.

أصبحنا على دراية بميزات التعرف على الوجوه في هواتفنا المحمولةـ لكن في المقابل، رأينا كيف يمكن إساءة استخدام تقنية التعرف على الوجه، فهناك المزيد والمزيد من الحالات التي تحاول فيها الحكومات والشركات تطبيق هذه التكنولوجيا على الدوائر التلفزيونية المغلقة وأجهزة تسجيل الفيديو المحمولة، على سبيل المثال، في أماكن مثل قاعة المغادرة الحدودية في مطار هونغ كونغ الدولي، والكازينوهات في منطقة ماكاو الصينية، والمدارس في بر الصين الرئيسي، وأماكن الحفلات الموسيقية، وعقارات الإسكان العامة، وحتى عند معابر الطرق، يتم فحص الوجوه بهدوء، حيث يزداد استخدام هذه التقنية يزداد في كل مكان.

وفي حين أن التعرف على الوجوه أصبح بسرعة أحدث سلاح للسلطات في مختلف البلدان، إلا أن المشكلات التي تسببت فيها هذه التقنية أثارت الكثير من الجدل من المؤكد أن إدارات تطبيق القانون قد وجدت أن تقنية التعرف التلقائي على الوجوه مفيدة، مما يسهل تحديد المشتبه بهم من خلال المقارنة مع قاعدة بيانات تحمل وجوههم، ويعزز الكفاءة في تطبيق القانون لكن الدراسات التي أجريت في الولايات المتحدة وأوروبا أشارت إلى أن هذه التقنيات غير موثوق بهاعلى سبيل المثال، استخدمت شرطة العاصمة لندن تقنية التعرف على الوجوه عدة مرات في إحدى المحاكمات لفحص وجوه المشاة، ومقارنة تلك السجلات بالأرشيفات الخاصة بالمجرمين المطلوبين، من أجل تحديد المشتبه بهم في عمليات البحث.

وجهك يكشف هويتك

فيما يتعلق بأسلوب المراقبة الأحدث، عرضت الشرطة الصينية في فبراير/شباط 2018 إضافة جديدة إلى مجموعة أدوات مراقبة الحشود، حيث عمدت مع بدء مئات الملايين من الصينيين في السفر لعطلة رأس السنة القمرية الجديدة إلى الاستعانة بنظارات رياضية مجهزة بأجهزة التعرف على الوجه لاستخدامها فى التحقق من ركاب القطارات والطائرات، للقبض على الأفراد الهاربين من العدالة أو من يستخدمون هويات وهمية، على الرغم من أن هذه التقنية مفيدة على الأرجح في القبض على المجرمين، إلا أنها قد تسهل على السلطات تعقب المنشقين السياسيين وتحديد الأقليات العرقية وذكرت صحيفة The Wall Street Journal الأمريكية أن شركة "LLVision" للتكنولوجيا ومقرها بكين، هى المطورة لهذه النظارات الذكية، إذ تنتج الشركة الصينية كاميرات فيديو يمكن ارتداؤها، ورغم بيع نظارات الفيديو لأى شخص، إلا أنها تفحص مشتري نظارة التعرف على الوجه الخاصة بها، كما لا تبيعها للمستهلكين العاديين.

الصين هي بالفعل رائدة عالمية في نشر أحدث تقنيات المراقبة القائمة على الذكاء الاصطناعي، ويمكن لأجهزة التليفون المحمولة توسيع نطاق هذه المراقبة، مما يسمح للسلطات بالبحث في الأماكن التي لا يتم فيها مسح الكاميرات الثابتة، والاستجابة بسرعة أكبر، وبحسب الشركة الصينية، فإن الاختبارات كشفت أن النظارة الذكية قادرة على التحقق من الأفراد من قاعدة بيانات مكونة من 10 آلاف شخص، ويمكن أن تفعل ذلك خلال لحظات، فقاعدة البيانات المستخدمة لمقارنة الصور موجودة فى جهاز محمول باليد بدلا من سحابة، إلا أن دقة النظارة قد تنخفض بعض الشىء فى الاستخدام العملى، بسبب "الضوضاء البيئية".

ليس هذا فحسب، وفق ما ذكرته صحيفة "New York Times"، تقوم الكاميرات في بعض المدن الصينية "بفحص محطات القطار بحثًا عن أكثر الأشخاص المطلوبين للعدالة، وتُظهر الشاشات التي تظهر بحجم لوحة الإعلانات وجوه المتجولين في الشوارع وقائمة بأسماء الأشخاص الذين لا يدفعون ديونهم"، كما يتم استخدام التعرف على الوجه في منطقة شينجيانغ للمساعدة في اضطهاد أعضاء الأقلية المسلمة في الإيغور، حيث تقوم الدولة بجمع بياناتهم بما في ذلك مسح الوجه لتتبعهم ومعرفة خريطة علاقاتهم مع الأصدقاء والعائلة، على الرغم من أن هذه التقنية مفيدة على الأرجح في القبض على المجرمين، إلا أنها قد تسهل على السلطات تعقب المنشقين السياسيين وتحديد الأقليات العرقية، وبحسب وليام ني، الباحث الصيني في منظمة العفو الدولية، فإن القدرة على إعطاء ضباط الشرطة الأفراد تقنية التعرف على الوجه في النظارات الشمسية يمكن أن تجعل حالة المراقبة في الصين في كل مكان في كل مكان.

انتهاك للخصوصية

من الممكن لشركات التقنية أن تستغل خوارزميات التعرف على الوجه لأغراض متنوعة على غرار إرسال إعلانات موجهة، وغير ذلك من التطبيقات التي قد تساعدها على جني أرباح كبيرة، الأمر الذي دفع شركات منها فيسبوك إلى الاعتراف بأهمية مخزونها من بيانات التعرف الوجهي، مع الإشارة إلى أن الشركة لم تحدد حجم قواعد بياناتها هذه، إلا أن الشركة لديها أكثر من 250 مليار صورة تم رفعها على خوادمها، ويتم رفع 350 مليون صورة على خدماتها يومياً، ويركز دعاة حماية الخصوصية حملاتهم على تقنيات التعرف الوجهي نظرا لسهولة استخدامها، فعلى عكس تقنيات التعرف على الهوية مثل ماسحات البصمة، يمكن لتقنيات التعرف الوجهي العمل سراً، حيث يكفي وضع كاميرا جيدة في مكان عام وربطها بحواسيب خاصة لالتقاط البيانات كاملة، وينشط دعاة حماية الخصوصية في الولايات المتحدة الأميركية وفي القارة الأوروبية، ومن المحتمل أن تتسبب خسارة فيسبوك المحتملة للدعوى القضائية المرفوعة ضدها إلى رفع دعاوي مماثلة في مناطق مختلفة حول العالم، الأمر الذي قد يؤدي إلى ظهور قوانين جديدة لضبط استخدام تقنيات التعرف الوجهي.

مُنحاز وعنصري

كشفت دراسة جديدة للحكومة الأمريكية أنّ "تقنية التعرف على الوجه المستخدمة في المصارف والهواتف الذكية والمطارات والمدارس، عنصرية، لأنها تخطئ في التعرف على هوية الأمريكيين من أصول إفريقية وآسيوية، 100 مرة أكثر من البيض" ولفتت الدراسة إلى أن "أنظمة التعرف على الوجه يمكن أن تسفر عن نتائج غير دقيقة بشكل خاص، لاسيما بالنسبة للأمريكيين من أصول أفريقية وآسيوية" وحلّل معدو الدراسة عشرات الخوازرميات، ورصد الباحثون في معهد "ناشونال إنستيتيوت أوف ستاندردز آند تكنولوجي" التابع للحكومة الأمريكية، خوارزميتين كانتا تعرِّفان خطأ عن جنس النساء السوداوات في 35 % من الحالات، واعتبر العديد من الناشطين والباحثين أنّ "الخوارزميات تقترف الكثير من الأخطاء، وأن بعض الأبرياء قد يجدون أنفسهم في السجن، فضلاً عن خطر قرصنة قواعد البيانات واستخدامها من جانب مجرمين".

وسجلت الخوارزميات المطورة في الولايات المتحدة معدلات خطأ أعلى مع الآسيويين والأميركيين من السود أو المنتمين إلى قبائل السكان الأصليين كذلك، أوضحت الدراسة أنّ "الخوارزميات المطورة في بلدان آسيوية بدت قادرة على التعرف على وجوه الآسيويين والبيض بالدقة عينها"، في غضون ذلك، رأى "الاتحاد الأميركي للحريات المدنية" (إيه سي إل يو) وهو منظمة حقوقية غير حكومية نافذة، أن "الدراسة الجديدة تثبت قبل أي شيء أن هذه التكنولوجيا ليست متطورة بالمقدار الكافي ويتعين تالياً عدم استخدامها".

ولفت المحلل في هذه المنظمة جاي ستانلي إلى أن "العلماء الحكوميين يؤكدون أن تكنولوجيا المراقبة هذه فيها عيوب ومنحازة" وقال: "التعرف الخاطئ قد يؤدي إلى تفويت موعد طائرة، أو إلى استجوابات بلا نهاية، أو وضع على قائمة الأشخاص الواجب مراقبتهم، إضافة إلى توترات مع عناصر الشرطة وتوقيفات بلا أساس أو ربما أسوأ".

حظر فيدرالي

تعمل العديد من الشركات ، بما في ذلك Amazon و Clarifai، على إنشاء تقنية موثوقة للتعرف على الوجوه ليتم استخدامها من قبل الوكالات الحكومية ووكالات إنفاذ القانون للقبض على المجرمين والعثور على أطفال مفقودين، يمكن لـ Amazon’s Rekognition تحديد وتحليل وتتبع الأشخاص فوريًا وفي غضون ثوانٍ، يمكن للبرنامج مقارنة المعلومات التي يجمعها بقواعد البيانات التي تضم الملايين من الصور فقد استخدمت وكالات إنفاذ القانون هذه التكنولوجيا للمساعدة في العثور على الأشخاص المفقودين وتحديد المشتبه بهم في الهجمات الإرهابية في حين أن هذه التكنولوجيا قد يكون لها فوائد، إلا أنها واجهت مؤخرًا بعض ردود الفعل السلبية فهناك الكثير من الناس الذين يشعرون بالقلق إزاء التحيز العنصري وحماية خصوصية المواطن.

أصبحت سان فرانسيسكو أول مدينة أمريكية تحظر استخدام تكنولوجيا التعرف على الوجه من قبل قوات الشرطة ووكالات المدينة كان هذا الحظر مدفوعًا من قبل المخاوف بأن تقنية التعرف على الوجه تستهدف بشكل غير عادل ملامح معينة من أفراد المجتمع ، وخاصة الأشخاص المنحدرين من أعراق مختلفة. فوفقًا لمجلة CPO، عندما تتبنى وكالات إنفاذ القانون هذه التكنولوجيا، فإنها عادةً ما تطرحها في أحياء تكثر بها الجرائم وأيضًا ذات الدخل المنخفض، وتلك الأحياء تشكل نسبة عالية من أشخاصٍ مختلفي الأعراق.

يمنح الحظر مجلس الرقابة في المدينة الإشراف على جميع تقنيات المراقبة التي تستخدمها الوكالات وسلطات إنفاذ القانون حيث يُطلب من الإدارات الآن إجراء مراجعة لجميع تقنيات المراقبة الحالية، مثل أدوات التعرف التلقائي على لوحة الترخيص، وكتابة تقرير سنوي عن كيفية استخدام التكنولوجيا وكيف تتم عملية مشاركة البيانات. و من ثم يجب أن يوافق مجلس الإدارة على شراء جميع تقنيات المراقبة الجديدة. بحيث لا يشمل الحظر استخدام التكنولوجيا من قبل الأفراد أو الشركات.

وأثناء حديثه مع الإذاعة الوطنية العامة، قال دانييل كاسترو، نائب رئيس مؤسسة فكرية تدعى مؤسسة التكنولوجيا والابتكار: "يقول [مجلس المراقبين]: دعونا نحظر التكنولوجيا في جميع المجالات، وهذا يبدو قرارًا متطرفًا، لأن هناك العديد من الاستخدامات المناسبة تمامًا لهذه التكنولوجيا" ويوضح أن الحكومة والشركات التي تنتج برمجيات التعرف على الوجوه ترغب في استخدامها لمحاربة الاتجار بالجنس ، على سبيل المثال. يقول كاسترو: "الحظر الكامل هو رد فعل متطرف للغاية على التكنولوجيا التي بدأ كثير من الناس في فهمها الآن"، هناك تشريع قيد الدراسة مشابه لتشريع سان فرانسيسكو في أوكلاند بولاية كاليفورنيا، كما تدرس ماساتشوستس فرض حظر على برمجيات التعرف على الأوجه في الولاية حتى تتحسن التكنولوجيا.

يُذكر أن المخاوف المتعلقة بتكنولوجيا التعرف على الأوجه لا أساس لها من الصحة ففي دراسة نشرها معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في وقت سابق من هذا العام، وجد الباحثون في MIT Media Lab أن برمجيات تحليل الوجوه كانت قد ارتكبت أخطاء عند تحديد جنس الإناث أو عند التعرف على الأفراد ذوي البشرة الداكنة، وفقاً لموقع الأخبار The Verge .

إن التهديد الذي باتت تشكله بعض تقنيات الذكاء الاصطناعي وخصوصاً أنظمة التعرف على الوجوه، أصبح يسترعي اهتمام بعض المسؤولين في المجال ويأخذ طريقه لقوننة الحكومات والمنظمات الدولية، ويبدو جيداً أن يلتفت العالم إلى تلك المسألة في وقت مبكرة بوضع حد للأوجه المضرة منها، مع إتاحة استخدامها عند المهام الضرورية.

.......................................
المصادر
- نون بوست
- الاقتصادية
- الوطن
- المنار
- الجزيرة
- العربية
- اراجيك
- IEEE بالعربية
- الحرة

اضف تعليق