لا نحصل على قدر كبير من التواصل وجهاً لوجه كما هو معتاد، ونتيجة لذلك فإن المهارات الاجتماعية ليست متطورة للغاية عند مقارنتها بأولئك الذين يقضون وقتًا أطول وجهاً لوجه مع الناس، تتضاءل القدرة على التعرف على الإشارات الاجتماعية ولغة الجسد مما يؤدي إلى المزيد من سوء الفهم...

عقد مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث حلقته النقاشية الشهرية في ملتقى النبأ الأسبوعي حيث ناقش موضوعا تحت عنوان (تأثير الواقع الافتراضي على الثقافة المجتمعية)، شارك في الملتقى عدد من الكتاب والباحثين.

الورقة التي نوقشت قدمها واعدها الباحث في المركز محمد علاء الصافي جاء فيها:

الإنسان في مرحلة ما بعد الحداثة وعصر المعلومات ليس سوى ذاتا افتراضية، لذا يفترض بعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا الآن دراسته، فقد أصبحت الوقائع الاجتماعية افتراضية، ولقد قلب الإنترنت والعالم الافتراضي نظرة المفكرين إلى الحياة والتاريخ والحضارة، مما أدى إلى تبدل نظرة الإنسان إلى مختلف الظواهر الاجتماعية شكلا ومضمونا، فقد أصبحت الظاهرة الاجتماعية ليست بشرية صرفة، بل (بشرية-آلية).

طفرة التقدّم التكنولوجي الذي حصل خلال العقدين الأخيرين وما احتوى من الإيجابيات بقدر ما رافق ذلك من السلبيات، خاصة في مجال استخدامات شبكة الانترنت. ومن المجالات المهمة في هذا الشأن إقامة المجتمعات الافتراضية من خلال مواقع التواصل الاجتماعي والبرامج الخاصة والألعاب الالكترونية والتي يتذبذب استخدامها بين ما هو إيجابي وما هو سلبي. (المجتمع الافتراضي هو عبارة عن مجتمع من الأفراد الذين يقومون بالتشارك والتواصل في الاهتمامات والأفكار والمشاعر عبر الإنترنت أو الشبكات الأخرى.

ومع الإقبال الكبير على مواقع الحياة الافتراضية فقد تطورت وأصبحت مواقع يلتقي فيها من تجمعهم اهتمامات مشتركة أو حتى مميزات ومواصفات مشتركة، ويلعبوا الدور الذي يحبونه ويتمنوه والذي يعجزون في الواقع عن تقمصه أو التعامل معه.

غالبًا ما تكون المجتمعات الافتراضية ملزمة بالإشارة إلى الأشياء أو الأهداف المشتركة، وليس بالعلاقات الشخصية، في هذا الصدد تعد المجتمعات الافتراضية مجرد مثال آخر للتطور طويل الأمد للمجتمع الحديث نحو علاقات اجتماعية أكثر تجريدًا.

المجتمع الحديث في العالم الافتراضي ليس مجتمعاً واحدا بل هو مجموعة من المجتمعات المتنوعة متعددة الأفكار والاتجاهات وقد نجد أن فرداً ما يتواجد في أكثر من مجتمع في الوقت ذاته.

تتكون المجتمعات الافتراضية من شبكات وينظر إلى الناس على أنهم أفراد شبكيون يعيشون داخل مدن متصلة بالشبكة، والمكون الرئيسي داخل الشبكات هو الشبكة الشخصية وهي موقع المستخدم الفردي، أي اننا لا نتحدث هنا عن اشخاص لهم اسمهم والقابهم وما هي مكانتهم ودورهم في المجتمع الواقعي، بل هو اشبه ما يكون بالعرض الدرامي للذات، حيث أن كل مجتمع شبكي او فرد شبكي لديه جماهير مستهدفة متعددة داخل بيئته التي رسمها واختارها اعتمادًا على الجمهور المحدد وقد تختلف من شبكة لأخرى لان الناس مختلفون بالعادة.

يعد أداء إدارة الذات والانطباع أمرًا مهمًا للغاية بالنظر إلى المجتمعات الافتراضية لأن العرض الذاتي يتغير دائمًا بناءً على الجمهور والشبكة، يسمح الفضاء الإلكتروني للأشخاص بتجربة الهويات المرنة نظرًا لحدود المكان والزمان القابلة للاختراق، وهذا ما نرصده كثيراً حيث أن معظم من يديرون هذه المجتمعات في العالم الافتراضي يتأثرون بمحيطهم الشبكي وليس فقط يملون عليهم ما يريدون من أفكار وسلوكيات وكل ذلك بسبب ان العالم الافتراضي ليس فقط منصة للتسلية وتبادل المعلومات والأفكار بل هو وسيلة ربحية للكثير من خلال كسب المشاهدات والنقر، والتفاعل مع المنصات هو بمثابة الوقود لهذا المجتمع الشبكي الافتراضي.

هل ينمي العالم الافتراضي المواهب والمهارات لدى افراده؟

قد يكون هذا هو الأثر الجانبي السلبي الأكثر شيوعًا للعالم الافتراضي، فهو يبقينا راسخين في اتصال غير شخصي، في كثير من الأحيان لا نحصل على قدر كبير من التواصل وجهاً لوجه كما هو معتاد، ونتيجة لذلك فإن المهارات الاجتماعية ليست متطورة للغاية عند مقارنتها بأولئك الذين يقضون وقتًا أطول وجهاً لوجه مع الناس، تتضاءل القدرة على التعرف على الإشارات الاجتماعية ولغة الجسد مما يؤدي إلى المزيد من سوء الفهم.

قد نفكر في التكنولوجيا على أنها شيء يسمح لنا بالبقاء على اتصال دائم بالأصدقاء، وهو ما يحدث بالفعل إلا أنه يؤدي أحيانًا إلى نتيجة سلبية، كلما زاد الاعتماد على التكنولوجيا، بدلاً من الاتصال وجهاً لوجه أصبحت العائلات أكثر انفصالاً، وإن الرسائل النصية غير شخصية للغاية ولا يمكن أن تحل محل الاتصال البشري.

الفردية محور العلاقات الافتراضية

إن التعامل مع التكنولوجيا الحديثة قد خلق عالم جديد من التفاعلات التي تسود فيها قيمة الفردية، وذلك ما حدا بمجموعة من التساؤلات، أبرزها أيهما يتبع الأخر، النظام الاجتماعي الذي يتكون من أفراد أم النظام المعلوماتى الآلي الذي يتكون من أشياء؟ أم انه يصعب الفصل بين حدودهما؟ وإذا كان كلاً منها يحاكي الأخر، يبرز تساؤل أيضا مؤداه ما هي العلاقة بين الفردية والاجتماعية في المحيط الإنساني الكثير التمزق؟

لقد تعددت التفسيرات حول الحقبة الاجتماعية التاريخية التي يعيشها العالم الآن، تلك الحقبة التي تشهد تغيرات واسعة النطاق وتمزقات في الأبنية الاجتماعية وحلول الفردية، لدرجة أن البعض وصف هذه المرحلة الاجتماعية من مراحل التطور المعلوماتى بمجتمع الخدمة الذاتية، وهذا اللفظ يمكن أن يمثل واقع التفاعلات الاجتماعية التي تتم في إطار الإنترنت، فقد حل في المجتمع علاقات جديدة، وهي العلاقات بين الأفراد، التي بدورها حلت محل علاقات الإنتاج، فالتنظير السسيولوجي، يرفض فكرة المجموع ويؤكد على فكرة الفردية، وهذا ما حدا بالبعض إلى اعتبار حقبة ما بعد الحداثة، هي حقبة الفردية والعزلة والوحدانية.

إن الفردية باتت تشكل المحور الأساسي للعلاقات الاجتماعية الافتراضية، وقد نتجت هذه الفردية في ظل بزوغ متغيرات تكنولوجية حديثة، ساهمت هذه التكنولوجيات بدورها في النزوع نحو العزلة، والفردية، -ويتضح ذلك على الأرجح- عند معرفة أن التقنيات الحديثة في ميدان التكنولوجيا قد ساهمت في التأثير على العديد من الكيانات الاجتماعية، فقد غيرت التكنولوجيا من حياة الأفراد والمجتمعات، وقد غيرت من طابع الأفراد، وأكدت على عنصر الفردية، ذلك لأنها فتحت الباب أمام الناس وأتاحت الفرصة لاستخدام الاجهزة من المنازل وبذلك فقد نجم عن تكنولوجيا الحاسبات والإنترنت على وجه الخصوص ازدياد احتمال تواجد الأفراد في منازلهم، والمكوث كأفراد أمام شاشات الكمبيوتر والإنترنت.

إن الفرد الذي ينخرط في مجتمعات افتراضية يدخلها بصفة فردية، ينقطع عن السياق الاجتماعي الحقيقي المحيط به وسياقه الأسري، وذلك يؤكد على تفتت العلاقات الاجتماعية التقليدية، فالفرد من خلال التفاعلات الافتراضية، يهيم في كوكب عالمي، لا يتطلب منه الحضور الجسدي، فهو حاضر جسدياً أمام الجهاز، غائب اجتماعياً من سياقه الاجتماعي وعلاقاته التقليدية، وحاضر افتراضي في جماعاته الافتراضية.

إذ أن الفرد في تفاعلاته التي يدخل فيها، ومحادثاته مع الأفراد الآخرين الذين يشاركونه نفس اهتماماته، يجلس وحيداً أما جهاز وشاشة كمبيوتر او هاتف ذكي، يجوب من خلالها العالم ويتفاعل مع أفراد من هويات مختلفة، فالوحدة أو الفردية هي أساس التفاعلات الافتراضية وسياقاتها المختلفة.

هناك وجهة نظر تشاؤمية تشمل في النظر إلى الفردية على اعتبار أنها قوة مصحوبة خارجه عن كل سيطرة، وهي بذلك تشكل قوة تدميرية، وتخريبية، فعندما يعيش كل فرد على اعتبار أنه نظير ذاته، تصبح في هذه اللحظة ً الذات هي نقطة اختزال المجتمع.

مستقبل الذكاء الاصطناعي

شهدت السنوات العشر الأخيرة تقدما هائلا على صعيد الذكاء الاصطناعي، مع ظهور حواسيب تُعلّم قيادة السيارات، وأخرى تقدم ترجمة فورية من لغة لأخرى، وثالثة تستطيع هزيمة أمهر البشر في لعبة "غو" الصينية المعقدة.

ويحوّل الذكاء الاصطناعي، وغيره من التقنيات، شكل الاقتصاد والمجتمع بوتيرة خطيرة السرعة، ومن المتوقع أن تشهد السنوات المقبلة مزيدا من التقدم على هذا الصعيد.

إن ما تعلّمناه حتى الآن أن الأتمتة لا تعني بالضرورة ضياع الوظائف، وليس أدل على ذلك مما وقع إبان الوباء. "كلما زاد الذكاء الاصطناعي، زادت القدرة على استخدام موظفين، لا سيما في شركات الأعمال التي تقدم خدمات توصيل الطلبات أونلاين".

الذكاء الاصطناعي يصل إلى حياتنا بطرق شتى ربما لا نلحظها - ومن ذلك على سبيل المثال، أن الذكاء الاصطناعي يساعد البنوك في اتخاذ القرارات الأنسب فيما يتعلق بالقروض.

لكن أعظم الأثر للذكاء الاصطناعي مستقبلا يُرتقب على صعيد الرعاية الصحية. وهذا ما يبين السرعة التي تم بها تطوير لقاحات كوفيد-19.

ميتافيرس

إنْ صحّت تطلعات رئيس شركة فيسبوك، مارك زوكربيرغ، فسوف نحيا ونعمل فيما يطلق عليه الميتافيرس، وهو سلسلة من العوالم الافتراضية، ستصبح المنصة التقنية الأهم منذ ظهور شبكة الإنترنت والويب.

ويقتنع زوكربيرغ أن الميتافيرس هو المستقبل، وقد أعلنت فيسبوك عن اعتزامها توفير 10 آلاف وظيفة جديدة في الاتحاد الأوروبي مكرّسة لبناء عالم الميتافيرس.

وتؤمن إمّا ريدرستاد بعالم الميتافيرس. وتمتلك ريدرستاد شركة ووربِن لتطوير برمجيات الواقع الافتراضي.

تقول ريدرستاد: "سنكون قادرين على التسوق، وعلى مقابلة أصدقائنا، والعمل عن بُعد مع مَن نريد. سنكون قادرين على مشاركة مساحات رقمية، وموسيقى، وأعمال فنية".

وتضيف ريدرستاد: "سنكون قادرين على دمج العناصر الرقمية في عالمنا الماديّ، وعلى تعزيز الصبغة الرقمية للعالم أكثر مما هي اليوم".

وقد تتمكّن على سبيل المثال من حضور مباراة لكرة القدم لا تستطيع الذهاب فعليا إلى مكان انعقادها - وذلك عبر ما يُعرف بـ الأفاتار (صورة رمزية ثلاثية الأبعاد) الذي يمثلك ويجلس على مقعدك، مشاركا شخصية جارك الرقمية أيضا في تحليل مجريات المباراة.

لكن نيكولا ميلارد، الشريكة الإبداعية الرئيسية في شركة بي تي للاتصالات، تبدي هنا ملاحظة تحذيرية.

تقول ميلارد إن طبيعة الميتافيرس ستقنع المستخدمين بأنها جديرة باستهلاك الوقت وبأنها يمكن أن تكون مفيدة، "ولكن، هل يساعد ذلك على التواصل؟ على التعاون؟ على التعلم؟"

وتحذر ميلارد أيضا من صعوبة الخروج من متاهة هذه العوالم؛ ذلك أنها متعددة وتدار من قبل شركات متنوعة.

هل تحتكر الروبوتات معظم المهام التي تقوم بها العمالة البشرية في السنوات العشر المقبلة؟

هل نكتشف مصادر إبداعية جديدة للطاقة تساعدنا في خوض معركة التغير المناخي؟

وهل حقًا سنعيش في عوالم افتراضية؟

هل ستؤثر هذه العوالم على مستقبل الجنس البشري من خلال انهاء فكرة الارتباط العاطفي والزواج التقليدي؟

ويثرى الموضوع بمداخلاتكم والاجابة على السؤالين التاليين:

السؤال الأول: هل يساهم الواقع الافتراضي بتفكيك البنى التقليدية للمجتمع؟

السؤال الثاني: هل ستسيطر الشركات التكنلوجية على المجتمعات البشرية في العشر سنوات القادمة؟

المداخلات

عوالم بديلة عشوائية

الشيخ مرتضى معاش:

هذا الموضوع من المواضيع المهمة التي تحتاج فهم ودراسة وتحليل ومعرفة آثاره والمشكلات التي سوف تحدث في المستقبل، فالتطور التكنلوجي الهائل أنتج في نفس الوقت مشاكل نفسية كبيرة لدى المجتمعات البشرية من خلال صناعة عوالم بديلة.

العوالم البديلة ظهرت مع ظهور التلفزيون والسينما بحيث اخذ الناس تقمص أدوار الشخصيات السينمائية واستنساخ ما يشاهدوه، ومع ظهور الانترنت وبالخصوص شبكات التواصل الاجتماعي سيطر هذا الواقع البديل على معظم حياة البشر، والكثير من الناس اليوم يشعر انه جزء من هوية رقمية جديدة أساسها المنصات ومواقع التواصل الاجتماعي والتي تتحكم بمختلف مجالات الحياة.

كما نشاهد ان الفوضى هي السمة البارزة لهذه الثقافة والسبب في ذلك يعود الى عدم وجود ثقافة اصيلة صحيحة تدير هذا الامر، وهيمنة وسيطرة الربح والاستهلاك على هذا العالم فأصبح عشوائياً وفوضوياً.

مثل أحياء العشوائيات تظهر وتتمدد دون تخطيط فتشمل آثارها حتى المناطق المحيطة بها.

الفوضى والعشوائية تؤدي الى عالم مزيف ومشوه لا يشبه العالم الأصلي الذي من المفترض ان يعيشه الانسان في بيئة صحية سليمة وليس بصورة مشوهة، وهذا الواقع المزيف ينشأ انسان جديد غير الانسان الطبيعي الذي لابد ان يكونه.

يذكر الكاتب والتر إيزاكسون في كتابه عن ستيف جوبز (الشخصية المؤثرة في عالم التكنلوجيا وتحويل الخيال الى حقيقة)، انه كان يؤمن بنظرية تحريف الواقع بما يتناسب مع أفكاره وطموحاته وهذا ماكان يستخدمه في اجتماعاته مع فريقه او مع المنافسين، فصنع من شركته "أبل" واقع بديل وعالم آخر غير الواقع الحقيقي وهي مثال نموذجي عن كيفية صنع الواقع البديل وإقناع المستهلكين به مقابل لا شيء سوى الأوهام!

ارتفعت القيمة السوقية لشركة أبل من ترليون دولار الى 3 ترليون دولار بعد ازمة كورونا ويتوقع ان تصل الى 4 او 5 ترليون دولار في السنوات المقبلة وكل ذلك نتيجة انطباعات وهمية زرعتها أبل وستيف جوبز بالخصوص في اذهان المستهلكين، الناس تشتري منتجات أبل ليس لأنها جيدة أو لا يوجد لها مثيل بل لأن أبل أصبحت ثقافة وعالم بديل بالنسبة لهم.

تداخل هذه العوالم البديلة وتناقضاتها من الممكن أن تؤدي الى صراعات وحرب عالمية ثالثة في المستقبل نتيجة اختلال التفكير وضبابية الثقافة العالمية وضياع الخطوط الفاصلة بين العالم الحقيقي والعوالم البديلة وتناقضها وظهور ثقافات جديدة تعبر عن استلاب الهويات وتدجينها، وظهور الإدمان الرقمي وهو أسوأ أنواع الإدمان بتأثيراته مدمرة.

كذلك لا تعطي هذه العوالم معرفة حقيقية بل معرفة سطحية وكما يطلق عليها "القمامة المعرفية" وسيطرة التفاهات كما في تطبيق تيك توك المليء بالتفاهات والتسطيح للإنسان وتفوق هذا الموقع على فيسبوك مؤخراً وكل هذه العوامل تساهم بشكل كبير في خلق الصراعات بين البشر في نهاية الامر.

عالم ما بعد الحداثة هدفه تفكيك كل شيء، تفكيك الأديان والانسان والهويات والمجتمعات والتحول نحو الاغتراب الاجتماعي والعيش وسط العوالم البديلة افراد منفصلين بحيث لا يستطيع أي انسان العيش مع انسان آخر.

كذلك غياب الحريات وسط هيمنة الشركات "الاقطاع المعلوماتي" على مقدرات الشعوب وهو مؤشر خطير، كل شيء مراقب وانتهاك لخصوصية وحرية الانسان من خلال مراقبة تحركاته وتصويره في كل مكان وهذا النظام اشبه بالأنظمة الشمولية مثل النازية والشيوعية، لذا بعض الدول بدأت بمحاولة السيطرة على هذه الشركات وتقنين عملها. شركات الاقطاع المعلوماتي تهدد وجود الدول، بل من الممكن ان تزيح رئيس ما أو تساهم بصعود شخصية او حزب معين من خلال التحكم بنمط تفكير الرأي العام.

وسيلة للهروب من العالم الواقعي

عدنان الصالحي مدير مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية:

العالم الافتراضي يكاد أن يكون هو المتفوق على العالم الواقعي للإنسان هذه الأيام، وقد وصل الى اكثر المجتمعات تعقيد وترابط وهذا ما لمسناه حتى في دواوين العشائر على سبيل المثال.

العالم الافتراضي مشابه لما حدث في الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر التي جاءت بالمكننة والطاقة بدل العمل اليدوي، وهو يساهم بأمور إيجابية تختصر الزمن والجهد والأموال في العمل والتواصل فيما بين الناس كما انه يوفر بيئة مناسبة وقابلة للتعايش للكثير من الناس ممن عالمهم الواقعي سيء ومتردي وهو يكون وسيلة للهروب من العالم الواقعي المتعب.

اكثر الشعوب التي تلتجأ الى العوالم الافتراضية هي التي تعاني من حكم دكتاتوريات سياسية واجتماعية ودينية وما شابه وتكون هذه العوالم وشبكات التواصل الاجتماعي متنفس لهم بعيدا عن سلطة الدكتاتور ولو بنسبة معينة.

الشركات التكنلوجية قد تكون هي المهددة من قبل الاخرين وليست مسيطرة على العالم وقد تكون هي ضحية لاختراقات وهجمات الكترونية، وقد يحدث العكس فهي اشبه ما يكون بالحرب بين العوالم ومحاولة السيطرة على الجميع.

الاعتدال في الاستخدام والابتكار

باسم الزيدي، باحث وصحفي:

القول ان العالم الافتراضي هو بديل للعالم الواقعي الذي نعيشه اعتقد انه غير دقيق، فبالنتيجة من يصنع هذه العوالم ويتحكم بها هو الانسان نفسه، وما يحصل اليوم يمثل حقبة زمنية مثل حقبة عصر النهضة والثورة الصناعية وعندما نطالع عن تلك الحقب نجد أيضا ان كثير من العلماء والمفكرين عانوا الامرين حتى يقنعوا الناس بنتاج علومهم واختراعاتهم وابعاد أنفسهم عن تهمة البدع وما شابه.

في عصرنا الحالي التكنلوجيا هي المسيطرة وفيها الكثير من الفوائد والايجابيات يجب ان لا نغفل عنها وسهلت الكثير من الصعاب على الانسان، كل شيء يخضع للاعتدال في الاستخدام والابتكار.

وحتى لو فكك العالم الافتراضي بنى المجتمع، فهل كل متبنيات المجتمع هي صحيحة واصيلة؟

الانسان كان يعيش في الكهوف لقرون طويلة ولو لم يغادرها لما اكتشف الحياة وتنوع الأرض ولما ابتكر وتعلم وتطورن لذا من الطبيعي جداً ان تتغير متبنيات المجتمع في كل حقبة زمنية وكل تطور حاصل فيه جانب سلبي وايجابي لا محالة.

الرسل والانبياء والاوصياء عندما خاطبوا مجتمعاتهم كانوا متعلمين ومتسلحين فكرياً وعلمياً ومتفوقين على مجتمعهم ولذلك أثروا وصنعوا التغيير لأنهم استخدموه في الجانب الصالح ويجب الاقتداء والتعلم من سيرتهم في كل المجالات.

من المبكر ان نحكم على ان الشركات التكنلوجية هدفها السيطرة على المجتمعات والعالم خلال العشر سنوات المقبلة، من الواجب الانتباه على جميع المجالات لان الافراد يتأثرون بالواقع السياسي والاقتصادي اكثر من جانب التكنلوجيا والعوالم الافتراضية.

صورة عن الرأي العام الشعبي

الدكتور حسين السرحان، باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية:

الاستخدام السيء لمواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الافتراضية لا يقتصر على المنطقة العربية والشرق الأوسط بل كل العالم، هناك تقارير صدرت مؤخراً في اوربا تدعو الى تقنين او عدم استخدام مواقع معينة او لفترة محدودة لما لها من تأثيرات سلبية وفي نفس الوقت لو ننظر للموضوع من زاوية أخرى نجد ان كل مجال ممكن ان يظهر لنا جانب سلبي وجانب إيجابي، سواء الكتابة او الخطابة او أي نشاط انساني فمن الممكن ان يحمل جوانب سلبية وخبث وضرر عام وليس فقط المنصات الافتراضية.

ما لمسناه من ضرر هو ضعف الترابط الاجتماعي والعلاقات بين الناس بسبب غزو هذه المنصات وفي نفس الوقت هي باب كبير للتواصل بين الناس وكل شيء يعتمد على طبيعة الاستخدام الصحيح.

المنظومة الاجتماعية لكل مجتمع هي منظومة قيمية، وهي ليست منظمة أخلاقية فقط بل سياسية واقتصادية واجتماعية ودينية وثقافية، ولعبت دور مهم على المستوى السياسي وغيرت الكثير من القضايا وزادت من الوعي السياسي لدى الناس بنسبة اكبر من السابق، لو شخص يحتاج الى علاج او يعاني من مشكلة او امرأة او عائلة تتعرض لخطر او تعنيف نجد ان هذه الشبكات تتحول الى منصات للدفاع عن هذه الحالات ووسيلة لجمع التبرعات وما شابه وتجبر الحكومات او القضاء على متابعة دوره وهذا جانب إيجابي مهم لهذه الشبكات لأنها تعطي صورة عن الرأي العام الشعبي لكثير من القضايا ولو بنسبة معينة.

وباء الادمان الرقمي

حامد الجبوري، باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية:

الشركات التكنلوجية بالتأكيد تبحث عن الربح وهي تنجح في غايتها ولكن ليس كل شيء يخضع للذكاء بل يجب الاحتكام للتعقل، مثلا من اخترع القنبلة النووية بكل تأكيد هو ذكي جداً لكن بالنتيجة ان ذكاءه لم يحتكم للعقل والمنطق لان من سيستخدم هذا السلاح سيتسبب بتدمير كبير للبشرية ولذا من الضروري ان يخضع كل شيء للاعتدال والتعقل لا فقط الربح ولو كان بأي ثمن، لان تفكك المجتمع والادمان الرقمي هو وباء كبير لا يقل خطورة عن بقية الأوبئة.

لو كانت القوانين والضرائب على هذه الشركات التكنلوجية تصاعدية، أي كلما حققت أرباح أكثر زادت ضرائبها لما تحقق انفلات اقتصادي وهيمنة وهو ما تعمل عليه بعض الدول لمحاولة خلق التوازن والا سيكون مصير العالم بيد هذه الشركات بكل تأكيد خلال الفترة المقبلة.

من يمتلك العادات والتقاليد الاصيلة والصحيحة من الصعب ان تؤثر به تفاهات او سلبيات هذه المواقع او العوالم الافتراضية، لذا يجب ان يكون المجتمع قوي فكريا وثقافيا.

لا يصح إلا الصحيح

الباحث حسن كاظم السباعي:

الواقع الافتراضي قد فرض نفسه عمليًا وفكك البنى التقليدية؛ فمن الناحية الاجتماعية؛ تبدل تبادل الزيارات والتهاني في المناسبات إلى إرسال البطاقات الإلكترونية الجامدة والفارغة من المشاعر والعواطف، وهذا أمر مفروغ منه وقد أُشبع الحديث عنه، ولكن هذا الواقع قد شمل أيضا المجال العلمي والتحقيقي؛ وذلك على عكس ما يُتصوَّر أنَّ التقدّم التكلنوجي قد أدّى لتطور وسائل البحث والتحقيق العلمي. مثال ذلك: سابقا الكتب والمكتبات والصحف والمجلات الورقية، لو أراد شخص أن يبحث عن موضوع ما و لو على مستوى بسيط كان يتطلب منه قراءة كتاب كامل ما لا يقل عن خمسمائة صفحة وذلك بغية العثور على معلومة قد لا تتجاوز السطر أو نصف سطر، وكان ذلك لا إراديًا يخدم الثقافة والمعرفة لدى الفرد ويزيد من رصيد معلوماته، أمّا الآن وللحصول على أعقد بحث، فتكفي ضغطة واحدة لا تتجاوز الثانية الواحدة على محرك البحث لتحصل على ما تريد دون أي جهد علمي ملموس مما أدى إلى ضحالة الأفكار أو ما يسمى ب "الثقافة الفيسبوكية" وما أشبه!.

وفيما يرتبط بالسؤال الثاني؛ فإنَّه وبالرغم من أن هذه السيطرة قد تمت بالفعل وفي ازدياد طردي خلال العشر سنوات قادمة وأكثر، لكن مصيرها مصير كل حضارة؛ بناءً على قاعدة "لا يصح إلا الصحيح" ستتوقف هذه السيطرة يومًا إذ لا يمكن للعالم الافتراضي أن يصمد أمام العالم الحقيقي فسينهار أمام أول شرارة وعي أو عودة إلى الواقع. حاله كحال سائر الحضارات البرّاقة التي انهارت أمام الواقع والحقيقة.

* مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2022
http://shrsc.com

اضف تعليق