الرأي العام في العراق بعد سقوط النظام السابق مخجلة للغاية، فقبالة ما ورثناه من بعد حضاري وثقافي وعدد لا يحصى من النخب الثقافية لربما أكثر من نخب الوطن العربي برمته، لم نرى إلى يومنا هذا قد تشكل رأي عام، حول أي قضية صغيرة كانت أو كبيرة...

الرأي العام يعني موقف جماعة من الناس أو فئة من الشعب أو غالبية الجمهور، اتجاه قضية أو موضوع معين، سلبا أو إيجابا، سواءً كانت هذه القضية سياسية كالانتخابات، أو حياتية كالظواهر الإجتماعية والأخلاقية.

ولموضوعة الرأي العام أهمية كبيرة، لأنها تخص الشؤون العامة والمصالح المشتركة، ويمكن من خلالها بلورة ثقافة اجتماعية وقانونية، تسهم في البناء المجتمعي، وكذلك تعالج التكهنات والشائعات للإعلام المضاد، وهذه الأهمية كانت مرافقة لظهور الحضارات، وما بناء السومريون للزقورات والفراعنة للاهرامات اﻻ هي وسائل راقية في التأثير على الرأي العام، القصد منها زرع فكرة ما في عقول الناس أو دعم وتعزيز فكرة موجودة أصلا، واستمر هذا اﻻسلوب إلى يومنا هذا من خلال بناء النصب والتماثيل و الأبراج الشاهقة.

وكانت عملية الإكثار من وضع الحديث بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و آله ،أحد وسائل التأثير على الرأي العام، حتى قالوا :بعدم جواز الخروج على الحاكم الجائر (حتى وإن جلد ظهرك وأخذ مالك فاسمع له وأطع ).

وفي وقتنا الحاضر زادت هذه الأهمية، بسبب ظهور وسائل الاتصال المباشر مع الناس، من خلال الصحف والإذاعة والتليفزيون وشبكة الإنترنت.

والرأي العام على قسمين اما هادف (إيجابي )ناتج عن وعي ورغبة بالتغيير من سيء إلى أفضل أو من حالة فساد الى إصلاح، وعادة يعكس وجهة نظر النخب في المجتمع (علماء- مفكرين -مثقفين -اكاديمين -إعلاميين -فنانين. … )،ويفترض بالحكومة والبرلمان أن يدعموا هذا الرأي ويساهموا في صناعته.

والقسم الآخر فوضوي (سلبي) ناتج عن اللامبالاة والضعف تتحكم فيه العواطف والانفعالات ،وعادة يعكس غوغاء الطبقات الاجتماعية المتردية فكرياً واقتصادياً.

وموضوعة الرأي العام في العراق بعد سقوط النظام السابق مخجلة للغاية، فقبالة ما ورثناه من بعد حضاري وثقافي وعدد لا يحصى من النخب الثقافية لربما أكثر من نخب الوطن العربي برمته، لم نرى إلى يومنا هذا قد تشكل رأي عام، حول أي قضية صغيرة كانت أو كبيرة، أمام ملايين القضايا والمواضيع المطروحة على الساحة ألعراقية، وأقصد بذلك رأي من قبل أناس ليست لديهم مناصب حكومية، ولربما بعض النتائج كانت كارثية لو قارناها ببعض الدول الديمقراطية، واضرب لك مثلا للتوضيح، ففي بريطانيا تجاهل توني بلير الرأي العام عندما كانت نسبة المعارضين للحرب ضد النظام السابق أكثر من68 %،وإزاء هذا التجاهل خسر توني بلير منصبه، أما في العراق فقد كانت كل نسب استطلاع الرأي قبل الانتخابات تشير إلى أن أكثر من 80%غير راضين عن أداء الحكومة والبرلمان ،وهذه النسبة يجب أن تعصف بالكتل السياسية والاحزاب المشاركة بالسلطة وتقتلعها من الجذور، ولكننا رأينا هم يعودون إلى الحكومة والبرلمان بمقاعد أكثر وهم مسرورون مستبشرون ،ولم الحظ أي وقفة تأمل من النخب الثقافية ،سوى ما تكرر منهم مرارا بإلقاء اللوم على المؤسسة الدينية، علما ان المرجعية الدينية دعت إلى التغيير قبل الانتخابات.

والحقيقة ان السبب في ذلك يعود إلى غياب المشروع النخبوي ،فلم أرى لحد هذه اللحظة كاتب أو مفكر أو إعلامي صنع رأيا عاما، بل إن غالبية هذه النخب متماهية مع الحكومة، شعرت بذلك أو لم تشعر، فكل ما سمعته منها هو مطالبة الحكومة. ..أو الشكوى من عدم أخذ الحكومة بتوصياتها . ..فأصبحوا ظلا لها أو كانوا انعكاسا لسياساتها، بدلا من ان يتخذوا مواقف حاسمة و منسجمة مع الأسس الديمقراطية إزاء الفشل المرير للتجربة والأزمات التي يمر بها البلد، ولا أريد أن بخس جهد بعض الناشطين، ولكنه لم يصل الى صناعة رأي عام، وكانت بداية الخاتمة لهذه المواقف الضرب من قبل الشرطة أو إصدار مذكرات إلقاء القبض، وتنتهي بالاعتذار وتسوية الأمر قضائيا، وتصبح المطالبة في طي النسيان.

وغير ذلك توجد برامج تلفزيونية استفزازية، من قنوات عراقية غير موالية للحكومة، كانت في الغالب تصب في صالح الحكومة، لافتقارها للحرفية والخبرة، وهناك حالات فيس بوكية ساخرة بشكل فج ، ﻻتعدو أكثر من حملات تسقيطية بين الكتل السياسية ذاتها.

وعلى العكس من هذا ما يحصل في سوريا ومصر، فيمكن لاعلامي أو مفكر أو فنان وحتى داعية إسلامي أن يصنع رأيا عاما، وقد رأينا العديد من الأسماء ،ذكرت مواقفهم و تصريحاتهم في نشرات الأخبار ونوقشت آرائهم في الندوات والمؤتمرات والبرامج التلفزيونية، ومثال على ذلك موقف نادي القضاة في مصر من الاستفتاء على التعديلات الدستورية التي أرادت حكومة مرسي أن تجريها ،وكذلك العالم المصري أحمد زويل والممثلة الهام شاهين والشهيد حسن شحاتة، وفي سوريا الشاعر أدونيس والممثلان أيمن زيدان ورشيد عساف ومذيعة قناة العربية زينة اليازجي والمطربة ميادة الحناوي وغيرهم، وبغض النظر عن وجهة نظر هولاء الفكرية والعقائدية، الا انهم صنعوا رأيا عاما، بدون تدخل الدولة وﻻ أي حزب سياسي في الحكومة أو المعارضة.

على النخب الثقافية أن لايلقوا المسؤولية التاريخية على السياسين وينفضوا أيديهم، بل عليهم تحمل مسؤولياتهم لانهم حملت الفكر التنويري وراية الحداثة والإبداع.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق