يعتبر موضوع الافلات من العقاب أو المساءلة الجنائية لمرتكبي جرائم الاختفاء القسري أو التعذيب أو بقية انتهاكات حقوق الانسان الجسيمة، إحدى القضايا العقدية في موضوع تجارب الانتقال الديمقراطي، خصوصاً تلك التي حدثت بانتهاء نزاعات سياسية مسلحة والعودة الى الحكم المدني أو نزاعات سياسية صاحبها نشوء حالات...

يعتبر موضوع الافلات من العقاب أو "المساءلة الجنائية" لمرتكبي جرائم الاختفاء القسري أو التعذيب أو بقية انتهاكات حقوق الانسان الجسيمة، إحدى القضايا العقدية في موضوع تجارب الانتقال الديمقراطي، خصوصاً تلك التي حدثت بانتهاء نزاعات سياسية مسلحة والعودة الى الحكم المدني أو نزاعات سياسية صاحبها نشوء حالات عنف مسلح أو تطورات من داخل السلطة السياسية بانهاء حكم تسلطي أو سلطوي والتوجه الى حكم مدني صوب الديمقراطية.

وإذا أردنا العودة الى القواعد المعيارية بالنسبة للقانون الدولي الانساني أو القانون الدولي لحقوق الانسان، فإن مساءلة المرتكبين وتقديم الجناة الى القضاء هو الذي يمكن اللجوء اليه، فهذه هي القاعدة العامة، لكن الوقائع وضعت بعض الدلالات بشأن الافلات من المساءلة خصوصاً بتداخل السياسي بالقانوني أحياناً.

وإذا كان الفريق العامل الخاص بالاختفاء القسري قد وضع مسطرة فيها 10 شروط لحالات الاختفاء القسري (العام 1993 ـ الدورة الـ50 للجنة حقوق الانسان) بهدف عدم الافلات من العقاب، فإن عوائق وضغوط بالغة اعترضت تطبيق مبادئ العدالة الانتقالية وهي شروط سياسية وقانونية، فعلى سبيل المثال في الارجنتين ظل موضوع الافلات من العقاب هاجساً قائماً رغم انتقال السلطة الى المدنيين وتشكيل الهيئة الوطنية حول اختفاء الاشخاص 1983.

وبررت الحكومة الارجنتينية رداً على تقرير الفريق الخاص المعني بالاختفاء القسري عام 1993 (مداخلتهما أمام لجنة حقوق الانسان ـ 1993) بما يلي: "واتساقاً مع نظرية أن المذنب ينبغي محاكمته، كانت الضرورة تقتضي أن يوضع عدد كبير جداً في اقفاص الاتهام من الفاعلين المباشرين وغير المباشرين، ومن يلزم من أعوانهم وشركائهم والمتواطئين معهم ومساعديهم، وفي داخل هذه الفئات كان سيتعيّن تطبيق القانون على غالبية الضباط وضباط الصف في القوات المسلحة وقوات الامن، بل والمجندين المشاركين في أعمال غير قانونية، وفضلاً عن ذلك فإن التحقيقات كانت ستكشف عن المدى الكامل لمسؤولية آلاف الموظفين المدنيين في الحكومة المركزية والسجون وادارة البلديات والمستشفيات وجميع المؤسسات الضالعة في أعمال القمع فضلاً عن آلاف الشركاء المدنيين، ولو أمكنت تلبية هذا الطلب لأدى ذلك الى تفجير حالة من الفوضى".

لعل تجربة الارجنتين من حيث شمولها واتساعها وبخاصة المرتكبين تقترب من التجربة العراقية في الماضي والحاضر، وإذا كانت مسؤولية الماضي الاساسية تقع على عاتق النظام السابق وأجهزته الأمنية والحزبية سواءً عمليات الاختفاء القسري والتعذيب أو التهجير أو القمع الجماعي وبخاصة خلال الحرب العراقية¬ الايرانية وما بعدها أو خلال التمردات الشعبية وفي فترة الحصار الدولي، فإن الانتهاكات الجسيمة والصارخة لكامل منظومة حقوق الانسان تقع على عاتق الاحتلال والقوى المتعاونة معه، وكذلك على عاتق الحكومة العراقية وقد كشفت أحداث سجن أبو غريب والسجون الامريكية إضافة الى سجون وزارة الداخلية حجم الانتهاكات التي تتحملها بموجب قواعد القانون الدولي الانساني واتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام 1977، ولا يعفي ذلك الجماعات المسلحة والارهابية من مسؤوليتها هي الاخرى لما يحصل من أعمال عنف وارهاب دون احترام القوانين والاعراف الدولية.

لذلك لو أريد فعلا تقديم جميع المرتكبين وذيولهم الى القضاء في السابق والحاضر لاندلعت فوضى عارمة ربما أكبر بكثير مما نشهده اليوم من ارهاصات حرب أهلية وتطهير مذهبي وعرقي وتهجير سكاني.

أما التجربة الثانية فهي تجربة جنوب أفريقيا التي استبعدت خيار المتابعة خصوصاً للفاعلين السياسيين الذين كانوا يتفاوضون حول الوضع الحساس للانتقال الديمقراطي استناداً الى سلطة القانون واحترام حقوق الانسان.

لكن موضوع المساءلة يثير اسئلة متناقضة وحادة، هل يمكن ملاحقة المرتكبين استناداً الى قضاء محاكم نورنمبرغ لدولة مهزومة ارتباطاً مع أوضاع قد تؤدي الى الانفجار وبالتالي تزيد الطين بلّة؟

أما تشيلي فبعد مرور 10 سنوات على عودة الحكم المدني، فقد حدث تطور مفاجئ بإيداع بينوشيه رهن الاقامة الجبرية تمهيداً لمحاكمته بعد احتجازه في بريطانيا ومطالبة القضاء في اسبانيا بمحاكمته. وكان الجيش بقيادة بينوشيه قد أصدر قانوناً للعفو الذاتي، خلافاً لتجربة جنوب أفريقيا التي لم تقر مبدأ العفو وكذلك تجربة الارجنتين حين كان العفو آخر المسلسل.

لكن كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات كان المرتكز للمصالحة الوطنية وطي صفحة الماضي لاحقا.

لقد شكل موضوع الكشف عن الحقيقة احدى التحديات الكبرى في تجارب الانتقال الديمقراطي بعد المساءلة الجنائية، ولعل الكشف عن الحقيقة يشكل احد اختيارات صدقية رجال السياسة والقانون! ويمكن إدراج ثلاثة أصناف ومبررات للكشف عن الحقيقة.

الاول ـ رغبة الضحايا وعائلاتهم حين كانت الاسئلة تتواتر: لماذا تم كل ذلك؟ كيف حصل؟ من هو المسؤول؟ لماذا وقعت كل تلك الانتهاكات والتجاوزات؟ أين الحقيقة؟ أي أماكن الدفن؟ الى غير ذلك من الاسئلة المشروعة والانسانية.

الثاني ـ دعا الى عدم طمس الماضي، فالماضي أساس الحاضر والمستقبل ولا بدّ من توحيد وتوثيق الذاكرة، ولا بدّ أيضاً من معرفة تفاصيل ما حدث!! لكي لا ننسى !؟

الثالث ـ تساءل هل يمكن معرفة الحقيقة كاملة بكل عناصرها!؟ وهل يمكن معرفة كل شيء؟ هل بإمكاننا إدراك ما حصل بتقادم السنين، وربما يرغب بعض صناع القرار مثل ذلك، مثلما يطرح البعض ممن أرادوا النسيان.

لكن الحقيقة بذاتها ولذاتها تجلب قدراً من التطهّر الروحي الانساني للفرد والمجتمع، وتشكل عنصر ردع مستقبلي ضد الانتهاكات سواءًا الادلاء بشهادات أو روايات وسواءًا اختلطت معها أحداث اجتماعية او سياسية أو قانونية لكنها كإقرار حقوقي مهم لتشكيل مدلول قانوني يشحذ الذاكرة ويعيد الاعتبار للضحايا ويسهم في تعزيز العدالة الانتقالية وبالتالي يوفر أساساً للمصالحة الوطنية وللانتقال الديمقراطي.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق