الدولة هي آخر مكان يجب ان نبحث فيه عن طرق للشفاء. ربما الوقت مناسب لإعطاء فرصة ثانية للإفتاء القضائي، للفضيلة الارسطية في عمل الاشياء الصحيحة بطريقة صحيحة وفي الوقت الصحيح حالة بحالة. ربما هذه هي الطريقة التي ننتقل بها من القانون الى الحرية والعدالة لجميع الناس...

دائما ما ننسى ان هناك طريقة اخرى لإقرار العدالة بدلا من تصميم الجواب لكل مشكلة بواسطة القوانين. مفهوم الإفتاء القضائي القائم على معالجة كل حالة بحالة يسمى (casuistry) (1) وهو يقف بالضد من القوانين. انها ممارسة تتناول كل حالة وقت بروزها باستخدام الحكم لتمييز الاستنتاج الصحيح بينما تسمح بمساحة كبيرة للظروف الملطفة او الضارة. انها ليست تكنيك، وانما حالة ذهنية. انها تستلزم اتخاذ بضع خطوات للوراء والتفكير حول ما نرى ونسمع بعيوننا وآذاننا بدلا من محاولة موائمة الظروف مع التعاريف الصارمة في كتب القانون. القضاة الذين يمارسون الإفتاء القضائي يضعون حدسهم وأحكامهم قبل ما هو مكتوب في القوانين التي جمعها الناس في أماكن بعيدة.

الإفتاء القضائي يتطلب تحولا فكريا كبيرا من الفقه "الكلاسيكي" الى "الكوانتم" (2). نحن اعتدنا رؤية قضايا المحاكم كمعادلات رياضية حيث تمتلئ الصيغ القانونية بالمعلومات وتصدر النتائج بأحكام "الادانة" او "البراءة". غير ان الإفتاء القضائي ينظر في القضايا وفقا للعلاقات بين اناس يشعرون بظلم وهو يتطلب تطبيق حذر ومدروس وواسع الخيال لحكم عادل من أجل تصحيح الخطأ وإعادة جميع الاطراف الى الفضيلة الطيبة مع بعضهم البعض بأفضل ما يمكن القيام به. في ظل الإفتاء القضائي،، تكون العدالة هي عمل مستمر فيه الكثير من اللون الرمادي الممتزج بالأبيض والأسود. لايوجد هناك يقين نيوتني وانما تقريب هيزنبيرجي(3).

الأحكام القديمة

قبل 24 قرنا، رأى ارسطو ان العدالة الحقيقية لا يمكن ان تكون فقط كسؤال حول عمل إقرارات ذات طبيعة شمولية سلفا، ثم نسمي هذه الأقوال المعممة بـ "قوانين" ومن ثم نحشر كل حالة او قضية في كل ما تقوله القوانين. السبب الذي جعل ارسطو يشكك بهذه الاستدلالات المعممة مرتبط برفضه لأفكار استاذه افلاطون. حاول افلاطون فهم الهوية المشتركة لنماذج من صنف معين – لماذا، على سبيل المثال، الاجاص يتخذ نفس الشكل والذوق والمظهر. هو افترض انه لكل صنف هناك "شكل" تام وُجد في ما وراء عالم الحواس يحصل منه كل مثال واقعي غير تام على هويته. الاجاص في عالمنا هو نسخة غير تامة للشكل الأبدي للاجاص في عالم الاشكال، كما يعتقد افلاطون.

بنفس الطريقة هناك شكل للخيل والقطط والسفن وكل شيء آخر يمكن ان نراه او نسمعه او نلمسه. وبالنتيجة، بالنسبة للافلاطونيين، اذا اردت الوصول الى الحقيقة العميقة للأشياء يجب عليك التجريد بعيدا عن العالم المادي. ارسطو رفض هذا الاتجاه الميتافيزيقي الجاهز، وتبنّى طريقة تفكير تصاعدية حول العالم. احدى ذروات تفكير ارسطو غير الافلاطوني تكمن في عالم الاخلاق، او في الطريقة التي يجب ان يتصرف بها الناس. في كتابه (الاخلاق النيقوماخية)، جادل ارسطو ان الناس يقومون بأشياء لأنهم بالنهاية يريدون ان يكونوا سعداء. المشكلة هي، عدم وجود شكل افلاطوني للسعادة. هذا بسبب عدم وجود شيء واحد للسعادة او يشكّل السعادة. انت عليك معرفته. وعموما، الناس لم يولدوا يعرفون ما يقومون به في كل موقف حسب ارسطو. نحن لدينا ميل طبيعي نحو الخير والسعادة والحقيقة، لكننا لانزال علينا ان نوجّه ونرشد كل التعقيدات المتغيرة للحياة اليومية لكي نصل الى افضل الحلول للمشاكل على طول الطريق.

بالنسبة لارسطو، هذه النزعة نحو عمل الخير سميت الفضيلة وهي نوع من عادة التميّز التي يمكن للمرء جعلها تزدهر من خلال الممارسة الواعية في عالم الخيارات والنتائج. ارسطو كان عليه العمل بمشقة لتوضيح هذا لمعاصريه، لأن افلاطون والعديد من الفلاسفة الآخرين وقعوا تحت تأثير سحر الهندسة. الناس الاذكياء بدأوا يعتقدون بأن الأخلاق يمكن التفكير بها تماما مثل مساحة المثلث او نصف قطر المخروط. انت عليك اولاً ان تعرف الشكل من بين ما تراه، ثم تعرف كيف تدير صيغة المعادلة، حتى تصل الى "العدالة".

الخطأ في هذا هو ان الناس هم اكثر تعقيدا من المضلعات. هم يعيشون ضمن حياة فوضوية. لايخضعون جيدا للصيغ. لايوجد هناك جذر تربيعي للعدالة، ولا أطول ظلع للمثلث في المساواة. لذا، اذا كنت تريد عمل الشيء الصحيح لشخص ما ارتكب خطأ، عندئذ عليك ان ترفض النظر الى اللّاعدالة كشيء يمكن معرفته باستخدام كرات العد. ليس كل شيء أخلاقي يمكن إدخاله ضمن أصناف. هذا يعني انت عليك ان تكون مستمع جيد اي بمعنى ان تكون قاضي تبريري جيد. انت لاتستطيع الوصول الى العدالة عبر التفكير كالاختصاصي بالهندسة.

لوك وهنري الثاني

مثلما في ايام ارسطو وافلاطون، بقيت الهندسة تمارس تأثيرا غير مناسب على افكارنا عن العدالة. رغم ان الناس عادة لايؤطرون حججهم القانونية باشارات صريحة لإقليدس او لنظرية فيثاغوروس، لكن النتيجة النهائية هي حول نفس الشيء: نحن نرى العدالة كنوع من الصيغ، معادلة، برهان. لو جعلنا المدخلات الاولى صحيحة فسيتبع ذلك حتما الجواب الصحيح. جون لوك(1632-1704) اعتقد اننا بإمكاننا في النهاية الوصول الى أخلاق في الجبر (الرياضي).

غير ان ذلك لم يكن دائما. في القوانين العرفية الانجلوسكسونية، مثلا، كانت العدالة هي ما نسميه الآن السلعة المحلية – انت تحصل عليها من جماعتك او من معارفك او زملائك وليس عبر تطبيق الصياغات الشاذة والنمطية من كتب القانون التي يعلوها الغبار. وكما يذكر آرثر هوغ في أصل القانون العرفي (1986)، ان القانون في انجلترا القرون الوسطى كان "رباط المجتمع المدني". كان هناك ايضا تنوع كبير في المحاكم، العلمانية والكنسية، والقضاة مالوا لإتخاذ قرارات تخريج قضائي تفيد كل من الجماعة والفرد طبقا للعادات. بعدها جاءت المركزية.

المركزية السياسية كانت ناقوس الخطر للإفتاء القضائي. بدءاً من الملك هنري الثاني (1133-1189)، خضعت انجلترا، كما يقول هوغ تحت تأثير، "ازمة سياسية" أسست دائما سمة النظام القانوني. انطلاقا من (رسالة حول القوانين والعادات في مملكة انجلترا، 1187)، كان هنري الثاني ووزرائه وقضاته قادرين على التصرف بسلطة مطلقة عندما صمموا الاجراءات لجمع الضرائب وتهيئة القوات العسكرية وحفظ السجلات وحراسة الارياف ومعاقبة المتسببين باضطراب لـ "سلام الملك".

نتذكر خط ماكس ويبر حول امتلاك الدولة الحديثة لـ "احتكار العنف". في الارياف البعيدة جدا في انجلترا، يكتب هوغ، "ان القضاة الملكيين والعمداء والمفوضين درّبوا الرجل الانجليزي من كل الطبقات على اجراءات الحكومة الملكية وعلى قانون الاراضي". الناس فقدوا الحرية عندما تضخمت سلطة الدولة المركزية. قانون غراشيم يؤكد ان العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة. قانون هنري الثاني، يؤمن ان الدول المركزية تطرد العدالة. الإفتاء القضائي فشل في الاستمرار لأن الدولة الادارية تدس انفها في كل مظاهر الحياة اليومية. ان انفجار القوانين اثناء وبعد حكم الملك هنري الثاني لم يكن صدفة. تمركز السلطة يتضمن بالضرورة زيادة التشريع.

ان تضخم سلطة الملوك ولاحقا رؤساء الوزارات والرؤساء قاد الى طريقة لتصور الناس ضمن عالم كأفراد بدلا من أعضاء في مجتمع عضوي. توقعات السلوك المرتكزة على الجماعة سواء بالنسبة للفرد او الآخرين جرى إعادة تسويقها كـ "حقوق طبيعية"، اي بمعنى، سلطة تورث للفرد دون إعتبار للجالية. وفي النهاية، كل واحد اصبح حاكما خاصا يمكن ان تُحكم امتيازاته المطلقة فقط بواسطة حاكم اكبر، الملك الحقيقي. الفيلسوف الصيني القانوني هان فيز (279-233 ق.م) اعتقد ان الناس كانوا اشرارا ويحتاجون لتقييدهم بالقانون والعقوبة لإبقائهم على الخط. ونفس الشيء، في ليفثيان، هوبز (1588-1679) اقترح الدولة كقوة قمعية نهائية لإبقاء المتمردين الافراد تحت السيطرة. يبدو كلما كان الفلاسفة والديماغوجيون اكثر مناداة بالحرية، وكانت متاريس الإفتاء القضائي مغمورة بالمياه، كلما كان الانسان اكثر اتشاحا بظلال الدولة.

حكم الدول

الفيلسوف السياسي ميشيل اوكشوت (1901-1990) رأى ان فرنسيس باكون (1561-1626) المعاصر لهوبز اول من تبنّى الرؤية بان أعضاء الجماعة هم "مواطنين" اصحاب حقوق في ظل تأثير نظرية هيمنة (الدولة) لهوبز. حالما تستطيع الدول إلغاء العرف وتضع قواعدها الخاصة، فان عدالة الإفتاء القضائي تكون قد دُفنت تحت شهادات القضاء المركزية والرطانة القانونية الخالية من المعنى.

وهنا مثال عن كيفية عمل ذلك. في ظل القانون العرفي، امتلكت المحاكم في انجلترا ما اسماه اوكشوت "سلطة القضاء"، او الحق بتقرير الحالات الشائكة حين بروزها. اذا كانت لديك مشكلة، كما لو ان شخص ما قتل قريب لك او سرق بقرتك او كسر بيتك او اختطف ابنك، عندئذ يمكنك الذهاب الى القاضي المحلي وسيعطيك قرارا، طبقا للعادة، والسوابق والظروف، وهو الامر الذي سيصحح ما حدث من خطأ. هنا القانون كان ثابتا، مشخصا، تراكميا، رجعيا، وحذرا. انه لا يتغير لكي يتناسب مع راحة الدولة.

غير ان اوكشوت يجادل، في ان الادارة المركزية الجديدة التي بدأت في ظل حكومة هنري الثاني ادّعت الحكومات لنفسها بغير حق سلطة تجاوز القضاء ووضع قوانين جديدة. هذا النظام المركزي للدولة يصف الكيفية التي تحكم بها الدول بالقانون. وكما يكتب اوكشوت في محاضرات في تاريخ الفكر السياسي (1967): "لا شيء يميز الدولة الاوربية الحديثة عن الجماعة السياسية في القرون الوسطى (او حقا عن اي جماعة تاريخية اخرى) اكثر من الحرية والثقة التي تضع بها الحكومة قانونا جديدا، انتظامية ودقة العملية التي يُصنع بها القانون، والفرق الدقيق بين ماهو القانون وما هو غير القانون.. الخصائص المتميزة للدولة الاوربية الحديثة هي ان تعترف بتفوق القانون التشريعي وان تعتبر كل القوانين الاخرى سلطوية كونها لم تتغير او تُلغى بقانون تشريعي.

ان نتيجة هذا كانت عميقة وسيئة. الأثر المباشر لهذا كان العبودية. في (القانون والثورة: تكوين التقاليد القانونية الغربية، 1983) يجادل هارولد بيرمان انه بينما وُجدت العبودية في انجلترا في القرون الوسطى، خاصة بعد الاضطرابات الاجتماعية التي رافقت الاحتلال النورماندي والحملات الصليبية في القرنين 11 و 12، لكن في عام 1300 اصبح الفلاحون جزءا من نظام القنانة.

القنانة قد لا تكون مهنة الاختيار للعديد من الناس، لكنها كانت شيئا افضل من كونك عبدا رق. ولكن كيف اصبحت العبودية القانونية ممكنة في المقام الاول؟ خلال سلطة التشريع وفي ظل الإفتاء القضائي، كانت العبودية في انجلترا يصعب التمسك بها. انسانية العبد واضحة للعديد من القضاة، ولهذا فان العبودية مهيئة للانهيار امام صخرة الإفتاء القضائي. وبالعكس، المركزية هي عملية اُنتزعت بواسطتها الانسانية من القانون لكي تستطيع الدولة ان تحكم بدون عوائق.

طبقا للموقف التشريعي، العبد الرق في المزارع وفي حقول قصب السكر يمكن اختزاله الى مجرد رقم، فقط مع ما يكفي من انسانيته لكي يتلائم مع المعادلات القانونية. بكلمة اخرى، الانسان في غرف المحاكم على الورق اصبح عبدا. في الحقيقة، عندما استحوذ الحاكم على السلطة القضائية، نتجت جميع الاشكال اللاانسانية. فمثلا، عندما تحرّر دريد سكوت من قبل القاضي المحلي في ميسوري، قامت الدولة المركزية بإرساله مرة اخرى الى العبودية.

الإفتاء القضائي الآن ولاحقا

الإفتاء القضائي هو غير مرغوب، ولكن عدم التفكير فيه هو اكثر غرابة. نحن نعيش في زمن التعددية الكبيرة، وزيادة التعددية الثقافية، والقوميات العابرة والمعولمة. نحن يجب ان نكون مرتاحين جدا في ان يكون هناك اكثر من طريقة لعمل الأشياء. الإفتاء القضائي هو إعتراف بأن القانون، على الصفحة، قد يبدو أسودا او أبيضا، ولكن في الحياة الواقعية نحن عادة ننجرف في بحر من الرمادية. التأرجح هنا وهناك كحطام السفينة هو اشارة لما تتطلبه منا النزاهة الأخلاقية، ونحن كلانا يجب ان نهتم ونريد التصرف بنبل ومساواة. الاشياء ليست دائما سهلة الفهم. لذا فان الإفتاء القضائي يأخذ محدودياتنا البشرية بالإعتبار عبر السماح لرغباتنا الانسانية المتساوية بعمل الأشياء الصحيحة بأحسن طريقة ممكنة. الإفتاء هو حكم، وهذا الحكم عندما يأخذ الوقت والشجاعة الكافيين فهو سيكون احد الاشياء التي نستطيع آدائها بأفضل وجه.

الإفتاء يجب ان يكون طريقة للانخراط بالعالم المألوف. وفي خلفية الحديث عن الأحكام والظروف نجد كانط (1724-1804) كان صائبا عندما جادل في كتابه (اساس لميتافيزيقا الاخلاق) باننا يجب ان نعامل الناس كغايات وليس كوسيلة. هذا بالضبط ما يتحدث عنه الإفتاء القضائي. كانط مع ذلك كان مخطئا حين جادل بان كل قراراتنا الاخلاقية يجب ان تحمل وزن الأخلاق المطلقة. الاخلاق المطلقة تعني اننا عندما نقرر شيئا بطريقة واحدة فنحن نلتزم به ويجب على كل شخص ان يقرر نفس الشيء بنفس الطريقة في جميع الظروف المتشابهة. ليس من باب الصدفة ان هذا يبدو يشبه التشريع. حقا، ان اتّباع الاخلاق المطلقة يعني كيف نحصل على ربع مليون صفحة من قانون الولايات المتحدة، كل صفحة تقول ان الاشياء يجب ان تتم بطريقة معينة لكل موقف محتمل. هذا ربما يُعد استبدادا اخلاقيا من النوع الذي لم يشهده العالم من قبل.

الإفتاء القضائي كما يفهمه الغرب اليوم جاء كرد فعل لهذا النوع من الاستبداد الاخلاقي. في القرن السابع عشر، أدخل الثيولوجي الهولندي كورنيلاين (1585-1638) عنصر الاستبداد المكثف في الحياة الكاثوليكية. كما في الكالفينيين البروتستانت والقانونيين الصينيين، فان اليانسينيين اعتقدوا ان الناس بطبعهم فاسدين. هم يحتاجون الى الكثير من الأحكام لجعلهم تحت السيطرة. المناوئون لليانسينيين في الكاثوليكية كانوا اليسوعيون الذين كانت لديهم تجربة كمبشرين بين الثقافات الاخرى، حيث الفهم الجيد كان ذو قيمة كبيرة في تقرير أي العادات تتماشى او لا تتماشى مع الكنيسة الكاثوليكية. بعد ذلك بدأ اليسوعيون تطبيق هذا الفهم في اوربا. ولفترة ما، بدا كأن اليسوعيين ربما يلطّفون من حماسة التشريعات اليانسينية. وحالا، بدأ الإفتاء القضائي اليسوعي يفسد. فمثلا، عندما اعترف البعض بذنبهم للقس اليسوعي، قام الاتباع ذوي القدرات المالية الكبيرة بالتبرع الكبير للنظام اليسوعي وسُمح لهم بدون توبة او تكفير حتى لمرتكبي المخالفات، بينما الناس الفقراء كان عليهم عمل التكفير الصارم. باسكال (1623-1662) الفيسلسوف الفرنسي أدان اليسوعيين على هذا. الإفتاء القضائي اصبحت له رائحة كريهة، وحتى اليوم يُواجه بنفس الادانة.

في العقود الاخيرة، بدأ بعض الفلاسفة والمفكرين القانونيين يجادلون بان الإفتاء يستحق فرصة اخرى. في عام 1903 تحدّث الاخلاقي مور (1873-1958) عاليا عنه في رسالته مبادئ الاخلاق. حتى بعد ذلك، بقي الإفتاء معظمه يعمل وراء قناع التخصص السرّي حتى أعوام السبعينات والثمانينات من القرن الماضي عندما جسّدت أخلاق علم الأحياء تحديا جديدا للتشريعات الهندسية والافلاطونية والمركزية. وأثارت مختلف الاسئلة المستعصية، مثل منْ يمتلك البويضات غير المخصبة؟ كم المدة التي يجب بها إبقاء المريض الذي بلا دماغ حيا؟ من يجب ان يستلم القلب المتبرع به او الكلية او الكبد؟

كافح المفكرون لأجل طرق لمعرفة الشيء الصحيح الذي يعمل عندما لاتوجد هناك قوانين واضحة يمكن اتّباعها. في أواخر السبعينات من القرن الماضي، اشتبك الفيلسوف ستيفن تولمن (1922-2009) والبايولوجي الاخلاقي البرت جونسن(1931) مع هذه الأنواع من الأسئلة كجزء من عملهم في هيئة وطنية لحماية الناس من البحوث البايوطبية والسلوكية في الولايات المتحدة. استنتاجاتهما خاصة بالنسبة لتولمن كانت ان الاتجاه الرياضي في الأخلاق قاد الى صياغات شكلية قاسية كانت مخالفة للعدالة. هما جادلا بان المطلوب هو العودة الى ظرفية مرنة: العودة الى الإفتاء القضائي.

هذا الاتجاه لم يكن بلا نقاد. البعض يخشى ان التراجع عن التشريع سيفتح الباب امام المحاكم لارتكاب الاساءات – بمعنى ان القضاة سيتوحشون ان لم يوضعوا تحت مقود الدولة. ولكن يبدو من المحتمل جدا ان السياسيين وليس القضاة هم من سينخرط بإساءة استخدام سلطة القانون. اللوبيون يكتبون القوانين التي يختمها المشرعون وهذا يؤثر سلبا على ملايين الناس، حيث ان القاضي السيء من الضروري ان يُقيّد في مقدرته على الايذاء. ربما حكم سيء واحد يسبب الخراب لعائلة كاملة. قانون سيء واحد يمكن ان يغرق البلد. آخرون ربما يقولون ان الاجتهاد القضائي يقلل من خطورة الجرائم. لكن سؤال العدالة ليس فقط حول ما قام به شخص ما وانما ايضا حول لماذا قام بذلك وماذا يجب ان يحصل الآن.

وفي نظرة اكبر، السؤال هو، منْ يستفيد من الإحتكار بشأن العدالة؟ هل المحاكم تتأسس للحفاظ على سلام الناس ام لأجل سلام الرؤساء. الإفتاء القضائي يعيد السيادة للجيران المصابين بالاذى. في ظل الافتاء القضائي، الجاليات ذاتها تتعامل مع اولئك المتهمين بتعكير سلام الجماعة او إيذاء احد أعضاءها. لو حصل اي شيء، فان الناس المحليين وليس السياسيين في واشنطن او في اي عاصمة اخرى، هم الاكثر معرفة بالكلفة الحقيقية للجرائم في منطقتهم.

في كتابه الصادر عام 1953 (البحث عن جالية: دراسة في اخلاق النظام والحرية) للسوسيولوجي روبرت نيبست يفصّل كيف ان الدولة المركزية أضعفت الجماعات المحلية. اذا كانت اطروحة نيبست صحيحة، عندئذ فان الدولة هي آخر مكان يجب ان نبحث فيه عن طرق للشفاء. ربما الوقت مناسب لإعطاء فرصة ثانية للإفتاء القضائي، للفضيلة الارسطية في عمل الاشياء الصحيحة بطريقة صحيحة وفي الوقت الصحيح حالة بحالة. ربما هذه هي الطريقة التي ننتقل بها من القانون الى الحرية والعدالة لجميع الناس.

...............................................
الهوامش
(1) casuistry هي عملية تفكير تسعى لحل المشاكل الاخلاقية عبر استخلاص او تمديد القواعد النظرية من حالة معينة. هذه الطريقة تُمارس في الأخلاق التطبيقية. انها طريقة لحل مشاكل الالتزامات عبر تطبيق مبادئ عامة للاخلاق او الدين على حالات معينة للسلوك الانساني. بدأ تطبيق الإفتاء القضائي منذ ايام ارسطو، ثم لاحقا من قبل جمعية يسوع (1550-1650). الانسكلوبيديا البريطانية لعام 1900 اعتبرت الاجتهاد القضائي محاولة لتحقيق غايات نزيهة بوسائل غير نزيهة. الفلسفات الاخلاقية كالنفعية والبراجماتية اُعتبرت نموذجا لإستخدام هذه الطريقة من الإفتاء.
(2) في الفيزياء الكلاسيكية هناك سببية ومعرفة تامة بالماضي يسمحان بحساب المستقبل، وهو عكس ما هو عليه الحال في فيزياء الكوانتم، حيث الاشياء في فيزياء الكوانتم لا هي جسيمات ولا هي موجات، انها مزيج غريب من الاثنين. معرفتنا التامة في الماضي تفيدنا فقط في عمل تنبؤات محتملة للمستقبل. في الفيزياء الكلاسيكية، يمكن لقنبلتين بصمامين كهربائيين متشابهين ان ينفجرا في وقت واحد، اما في فيزياء الكوانتم، فان ذرتين مشعتين متشابهتين تماما سينفجران في اوقات مختلفة.
(3) وفق فيزياء نيوتن الكون يعمل كالساعة، كل شيء يتبع قوانين دقيقة وصارمة في حركته، لذا فان التنبؤات تكون سهلة لو عرفنا الظروف السائدة في نقطة البداية. اما مبدأ اللايقين لعالم الفيزياء الألماني هيزنبيرغ فهو يؤكد على الغموض والضبابية في الطبيعة. المبدأ يؤكد اننا لا نستطيع قياس الموقع (س) وقوة الحركة (ص) لجسيم معين بدقة مطلقة. كلما كانت معرفتنا اكثر دقة بأحد القيمتين، تكون معرفتنا أقل بالقيمة الاخرى.
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق