عند الحديث عن ثورة الحقوق تبرز مشكلة إمكانية التصادم بين تلك الحقوق، واننا نحتاج لمعرفة الكيفية التي نحكم بها بين مختلف انواع الحقوق المتنافسة. للقيام بهذا، نحتاج معرفة نوع الحقوق التي نتحدث عنها، والاسس التي تقوم عليها. سنناقش هنا طريقتين في تأسيس الحقوق وهما: الطريقة التعاقدية والطريقة النفعية.

عند الحديث عن "ثورة الحقوق" تبرز مشكلة إمكانية التصادم بين تلك الحقوق، واننا نحتاج لمعرفة الكيفية التي نحكم بها بين مختلف انواع الحقوق المتنافسة. للقيام بهذا، نحتاج معرفة نوع الحقوق التي نتحدث عنها، والاسس التي تقوم عليها. سنناقش هنا طريقتين في تأسيس الحقوق وهما: الطريقة التعاقدية والطريقة النفعية.

الأساس النفعي للحقوق

أحد الرواد البارزين الأوائل للنفعية Utilitarianism هو جون ستيوارت مل، الذي يعرض في كتابه (حول الحرية) دفاعا نفعيا للعديد من الحريات المدنية الأساسية التي نعتبرها اساسية للدولة العادلة. تقوم نظرية النفعية على اساس تقديم اكبر منفعة لأكبر عدد من الناس. يعتقد مل ان الناس عموما يكونون أسعد حالا وأفضل قدرة على الازدهار عندما يُمنحون حريات أساسية معينة. جون لوك ايضا أعطى تبريراً نفعيا لحرية التعبير. وبما اننا جميعنا عرضة للنقص، فان لوك جادل باننا يُحتمل جدا ان نصل الى الحقيقة عندما نسمح بالتحقق في مزيد من النظريات في مجتمع متحرر من تهديد الرقابة. ورغم ان البعض سخر من نظرية دارون في التطور، لكنها الآن نالت القبول الواسع من البايولوجيين. ان حقل التطور البايولوجي ربما لم يُسمح له ابدا ليتطور لو ان نظرية دارون مُنعت على اسس دينية.

ورغم ان لوك يتعامل بشكل صريح في سعيه للحقيقة، لكننا نستطيع قول نفس الشيء حول الجمال، والذي قد يرغب المرء تضمينه في الخير الأسمى او الأشكال المثالية للنفعية. ما اُعتبر إهانة لكرامة الانسان او انه قيمة فنية مشكوك فيها هو الآن تعبير فرنسي مقدس. وبالرغم من هذه الاصول التاريخية، نميل الان للاعتقاد في النفعية كشيء مخالف اساسا لنظرية الحقوق.

مثال الاستنساخ وقوانين براءة الاختراع اُستخدم كتوضيح للموقف عندما يميل المرء لإعطاء تبرير نفعي للحق. الاعتراف بان ليس كل شخص يتحفز فقط بالمكافأة الداخلية للاكتشاف، يعني اننا نريد ان نخلق حوافز للابتكار. افرض، مثلا، ان التقدم الطبي يُحتمل جدا ان يتحقق لو سُمح لشركات الأدوية بعمل ربح من بحوثها، وان هذا سوف يحدث فقط لو امتلكت تلك الشركات الحق في الملكية الفكرية. ايضا، ان الشركة ذات الاحتكار في اسواق معينة ليس لديها حوافز لزيادة الفاعلية او تقليل التكاليف، وهذا شيء لايفيد لجمهور العام الذي ربما يكون بإمكانه الانتفاع من زيادة الفاعلية الناتجة عن المنافسة. النفعية، عندئذ، سوف تحاول صياغة قوانين البراءة التي توازن على أمثل وجه بين هذه الرغبات المتنافسة: الحوافز مقابل الفاعلية. بالطبع، هذه ليست العوامل الوحيدة الداخلة في العملية، وانما الشخص النفعي سوف يسمح بالاعتبارات المماثلة القائمة على المنفعة كي تؤخذ في الإعتبار اثناء النقاش.

المشكلة الاساسية في الأساس النفعي للحقوق هي انه له حدوده. كما لوحظ في مشكلة الأيادي القذرة(1)، انها قد تجيز ممارسات ومؤسسات معينة كالعبودية، التي نشعر انها غير أخلاقية. ان حق حرية الفعل والملكية الذاتية، مثلا، هي ربما اكثر جوهرية من اي اعتبارات للمنفعة. السؤال، اذاً، هو ما اذا كانت هناك طريقة اخرى لتأسيس هذه الحقوق الأكثر جوهرية؟

الأساس التعاقدي لرولس

الشخص التعاقدي يرى ان الحقوق يجب ان تتأسس على اتفاقات متبادلة بين الأطراف على عقد اجتماعي. العقد الاجتماعي ليس كأي اتفاق على وثيقة كما في العقد في قانون مسؤولية الضرر، وانما هو فرضية نظرية. السؤال الملائم هو ليس حول ما اتفقت عليه الأطراف في العقد وانما حول ما يتفقون عليه في موقف افتراضي. جون رولس طوّر واحدا من اهم أنظمة التعاقد الاجتماعي للعدالة.

ان أي نظرية تعاقدية ستواجه مشكلة كيف تجعل الاطراف المتعاقدة تكوّن افضليات لتصورات العدالة بطريقة موضوعية وغير منحازة. لهذه الغاية، رولس جعلنا نتصور الاطراف المتصارعة وراء "قناع من الجهل"، فيه ينسلخون من أي معرفة بالأحوال الطارئة عن انفسهم. بمعنى، ان الاطراف المتعاقدة لاتعرف عرق اي منها ولا الدين ولا ما اذا كان المرء ولد من عائلة ثرية او فقيرة، او كان لديه عجز بدني او ذهني، وهكذا. ومن ظروف الجهل هذه، تتفق الاطراف على مبادئ العدالة.

التبرير العقلاني للوقوف وراء حجاب هو لمنع الافراد من محاولة الحصول على امتيازات غير عادلة لأنفسهم. اذا انت لا تعرف منْ يملك رأس المال، عندئذ من الصعب معرفة ما اذا كان سيخلق مزايا للمرء كما يشير رولس:

الفكرة هنا هي لكي نجعل من المهم لنا ان القيود التي نفرضها على حجج مبادئ العدالة، ومن ثم على هذه المبادئ ذاتها تبدو معقولة. وهكذا، يبدو معقولا ومقبولا بشكل عام انه لا احد يُفضّل او يتضرر من الحظ الطبيعي او الظروف الاجتماعية في اختيار المبادئ.. كل شخص يتجرد من المعرفة بتلك الاعراض الطارئة التي تضع الناس في خلاف وتسمح لهم ليسترشدوا بتحيزاتهم. في هذا الاسلوب، قناع الجهل يتم الوصول اليه بطريقة طبيعية.(ص18-19).

حالما يتم استبعاد المعرفة "بالحالات الطارئة"، فان ما يتبقى من الافراد هم منْ يشير اليهم رولس بـ "الشخصيات الاخلاقية"، الذين تكون افضلياتهم غير متحيزة بمثل هكذا طوارئ وبهذا لن تحمل اية سلطة. بكلمة اخرى، في الموقف الأصلي هناك مساواة أخلاقية أساسية بين الافراد. لا فرد ولا افضليات فرد تُعامل كمتفوقه فطريا على الآخرين.

كون الأطراف المتعاقدة تجردت من كل هذا، يحتاج رولس لإعطاء تلك الاطراف شيء ما للتبرير به. هو لهذا يضيف التأملات التالية لإجراءات المساومة في الوضع الأصلي (ويشار اليه احيانا بقناع الجهل). ان الاطراف المتعاقدة تدرك ان "ظروف العدالة" ستُطبق على دولتهم وهكذا هم يحتاجون الى تصوّر للعدالة. كذلك، هم يعلمون بأن سيكون هناك نقصا بالموارد وان قدرات الناس محدودة، لذا هم يحتاجون الى مبادئ لتحكم في المنافسة على الموارد النادرة.

اخيرا، بينما الاطراف في الوضع الأصلي ليس لديهم معرفة بالمحتوى الخاص لرغباتهم او تصوراتهم عن الخير، لكنهم حقا يعرفون شيئا ما حول رغباتهم. هم يعرفون انهم يريدون ضمان العديد مما يسميه رولس"الخيرات الاساسية" primary goods (2) قدر الامكان. هذه الخيرات تتضمن: الحقوق والحريات والفرص والسلطات واحترام الذات. نحن نستطيع الاستنتاج ان جميع الاطراف سوف تمتلك هذه الحاجات لأنها الشرط الضروري لإنجاز اي تصوّر عن الخير.

بمعنى، بغض النظر عما سننتهي به حالما يُرفع القناع، انك تدرك انه لكي تتابع الحياة التي تعكس تلك القيم، يجب عليك ان تمتلك اقل مقدار معين من الخيرات الاساسية. وفي ضوء كل ما تقدم، يعتقد رولس اننا سوف نصل الى اثنين من المبادئ الاساسية للعدالة:

1- "كل فرد ان يمتلك حقا متساويا بأكثر الحريات شمولا بالانسجام مع حرية مشابهة للآخرين".(ص60)

2- "اللامساواة الاقتصادية والاجتماعية يتم ترتيبها لكي تكون (أ) متوقعة عقلانيا لتكون لمصلحة كل شخص- وبالذات لمصلحة الاشخاص الأقل حظا، و (ب) تتصل بوظائف ومناصب مفتوحة للجميع"(ص60).

الفكرة الاساسية هنا هي ان الناس يجب ان لا يُحرموا من الخيرات الأساسية، ومن ثم من إمكانية السعي الدائم في تصورهم للخير، نتيجة لعوامل غير ملائمة أخلاقيا.

رولس يعترف ان الحقيقة الاساسية في ظروف الانسان هي ان هناك لامساواة في المواهب الطبيعية. وبدلا من محاولة المساواة – والتي يمكن فقط انجازها عبر اسقاط الموهوبين بالفطرة – نحن يجب ان نستخدم تلك اللامساواة لمصلحة الجميع. وكما يشير رولس:

لا احد يستحق قدرته الطبيعية الأكبر ولا مكانه الأول المفضل في المجتمع. ولكن ذلك لا يعني وجوب ان نزيل تلك الاختلافات. هناك طريقة اخرى للتعامل معها. الهيكل الاساسي يمكن ترتيبه لكي تعمل تلك "التمايزات الطارئة" لمصلحة الأقل حظا. وهكذا نحن نُقاد الى مبدأ الاختلاف لو رغبنا ببناء نظام اجتماعي لكي لا احد يكسب او يخسر من مكانه العشوائي في توزيع الاصول الطبيعية او موقعه الأصلي في المجتمع بدون إعطاء او استلام حقوق تعويضية مقابل ذلك(ص102). هناك نقطتان مركزيتان هنا:

1- ان اللامساواة يجب، قدر الإمكان، ان تعكس الاختلافات الملائمة أخلاقيا – على سبيل المثال، نحن نستبعد هيكل طبقي صريح.

2- ان نحاول ضمان ان اللامساواة تعزز الرفاهية حتى بالنسبة الى الأقل حظا.

ولكي نضع اللامساواة في عبارات اقتصادية: يجب علينا ان لا نتجاهل قوة الحافز للربح. بافتراض ان حقيقة سايكولوجيا الانسان هو انه يتحفز بالسلطة والنقود والتي هي غير متساوية فطريا، سيكون من الخطأ تجاهل هذا. الوسيلة اذاً، هي ايجاد توازن بين برنامج الحوافز للعمل الشاق والابتكار دون حرمان الناس من الخيرات الاساسية الضرورية لوجود انساني ذو معنى.

كذلك يجدر التأكيد على ان المبادئ التي تأتي من هذا الإجراء تعمل كقيود على نظام العدالة، انها لاتحدد أي نظام عدالة على وجه التحديد. ذلك ان هذه المبادئ لا تحدد بالضبط كيف نصوغ ضرائبنا او مسؤولية التقصير اوالقوانين الجنائية والادارية. ولا هي تحدد ايضا بالضبط كيف نصوغ حقوقنا – القانون الكندي ولائحة حقوق الانسان الامريكية هما متساويان من حيث الشرعية. ما توفره هذه المبادئ هو نوع من الحماية من رغبة الأغلبية الديمقراطية او من الحكومات اللاديمقراطية. غير ان تحديد نظام للعدالة يجب ان لايخالف المبادئ الاساسية التي تأتي من مساومات الوضع الأصلي.

.........................................................
الهوامش
(1) مشكلة الأيدي القذرة تشير الى المواقف التي يُطلب فيها من الفرد (وعادة يكون قائد سياسي) مخالفة مبادئه الاخلاقية العميقة من أجل مصلحة أكبر وأهم، كما في حالة اصدار اوامر بقصف مناطق سكنية من اجل تركيع الخصم.
(2) هذه الخيرات كما يرى رولس يُفترض انها مرغوبة لكل الناس، بمقدار ماهي مفيدة لهم. وهكذا فان الخيرات الاساسية هي الأساس المشترك للاختيار بالإجماع لمبادئ العدالة في الوضع الأصلي. الخيرات الاساسية تتألف من نوعين: 1- الخيرات الاساسية الطبيعية وتشمل القدرات الذهنية والجسدية الاساسية من صحة وقوة وذكاء وذاكرة وغيرها و 2- الخيرات الاساسية الاجتماعية وتشمل حرية الاعتقاد وحرية الضمير والحريات السياسية وحرية الانتماء والحركة والمهنة. رولس يرى ان هذه الحاجات يجب ان تؤخذ بالاعتبار وبحرص شديد بحيث ان أي نظام قانوني يجب ان يقبل هذه الخيرات الاساسية كمظهر للعدالة الطبيعية. هدفه هو ان مبادئ العدالة تتعلق بالبناء الأساسي للمجتمع كـ "طريقة تنسجم فيها جميع المؤسسات الاجتماعية والسياسية الرئيسية للمجتمع مع نظام واحد للتعاون الاجتماعي".

اضف تعليق