هل القرآن الكريم نزل على سبعة أحرف، وهل القراءات حجة؟ هنالك مبحثان معروفان وهما: هل إن القرآن نزل على سبعة أحرف؟ هل القراءات السبعة أو العشرة كلها حجة أو واحدة فقط هي الحجة؟ إن الكثير من الناس يخلطون بين المبحثين ويتوهمون الاتحاد بينهما بإرجاعهم الثاني...
اعداد السيد حسين الموسوي

 

البحث الثالث: هل القرآن الكريم نزل على سبعة أحرف، وهل القراءات حجة؟ [1]:

هنالك مبحثان معروفان وهما: هل إن القرآن نزل على سبعة أحرف؟ هل القراءات السبعة أو العشرة كلها حجة أو واحدة فقط هي الحجة؟

إن الكثير من الناس يخلطون بين المبحثين ويتوهمون الاتحاد بينهما بإرجاعهم الثاني إلى الأول، إلا أنّ الحق أنهما مبحثان مستقلان عن بعضهما، فتدبر.

ثم إن العامة رووا روايات كثيرة تفيد أن القرآن قد نزل على سبعة أحرف[2]، وأما الاحتمالات المذكورة لمعنى ذلك فهي عشرة أو أكثر، ولكن سنشير إلى معنيين اثنين فقط كونهما يرتبطان بمحل البحث:

الاحتمال الأول: أن المراد من الأحرف السبعة هو المعاني المتقاربة، وهذا قول ذهب إليه جمع من العامة[3]، ومثاله في قوله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم} فلك أن تقول: اهدنا السبيل القويم، أو الطريق الواضح أو غير ذلك[4] وهكذا، والمعاني المتقاربة جارية في مختلف آيات القرآن، ولكن هذا الاحتمال لو التزم به للزم منه التلاعب الكبير بآيات القرآن الكريم.

الاحتمال الثاني: إنّ المراد من الأحرف السبعة هي القراءات السبعة[5]، ومثاله قوله تعالى: (مالك يوم الدين) أو (ملك يوم الدين)[6] فإن من يقول: إنّ القرآن نزل على سبعة أحرف وأن معناها هو القراءات السبع، تكون كلتا القراءتين لهذه الآية مقبولة عنده وحجة.

وكذا في قوله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ}[7] بسكون الطاء من المجرد، كما في القراءة الموجودة في القرآن الكريم، وأما القراءة الأخرى فهي (حتى يطَّهرن) بالتشديد على الطاء من باب التفعُّل المزيد وهكذا[8].

وهنا نقول: إن الروايات الشريفة عن الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام ـ ومنها صحاح ـ قد نفت كون القرآن قد نزل على سبعة أحرف بهذا المعنى[9]، بضرس قاطع.

نعم، يوجد تفسير آخر للأحرف السبعة:

وهو أن القرآن قد نزل على أمر ونهي، وأمثال وقصص وجدل وترهيب وترغيب، وتوجد على ذلك روايات من طرقنا[10]، لكن هذا المعنى لا ينفع القائلين بتعدد القراءات.

حجية القراءات:

هل القراءات حجة ظاهرية وإن كانت القراءة الصحيحة ثبوتاً واحدة؟

إن الروايات الصحيحة الصريحة والتي اعترف كبار علمائنا الرجاليين حتى المشككين منهم بصحتها، تصرِّح بأن القرآن نزل على حرف واحد، إلا أن المشكلة تنشأ من تخريج توصل إليه الشيخ الطوسي في تبيانه[11]، وتبعه مجموعة من الأعلام، ومنهم السيد الخوئي في بيانه، وهو أن القرآن قد نزل على حرف واحد، إلا أنّ هذه القراءات المتعددة مسموح بها شرعاً، ومأذون فيها إذناً ظاهرياً رغم بطلانها ثبوتاً، فإنّ القراءة الحقيقية التي نزل بها جبرئيل واحدة[12]، فالتفريق هو بين عالمي الثبوت والإثبات.

وأما السيد الوالد[13] فإنه قد ناقش هذا الرأي مناقشة قوية ودقيقة، وارتأى أنّ هذه القراءات هي باطلة ثبوتاً كما قاله المشهور، كما أنها باطلة إثباتاً، أي: ليست بمجزية ظاهرياً أيضاً، واستدل على ذلك بأدلة وخلص إلى أنّ القراءة الصحيحة هي الموجودة الآن في القرآن المعهود بأيدي المسلمين، فراجع.

ولكن المشهور ذهبوا ـ كما قيل ـ إلى القول بتعدد القراءات ظاهراً[14]، وفي مقام بحثنا: فهل قراءة (ليَضل) بالفتح حجة ظاهراً أو لا؟

التفريق بين جواز القراءة وبين صحة الاستدلال:

والجواب: أنه مما خطر في بالنا أن كلام المشهور ـ والمدعى عليه الإجماع[15] ـ ليس هو في (صحة الاستدلال) بهذه القراءات على الأحكام الشرعية، بل المشهور على (جواز القراءات) والبون بينهما كبير، فإنك في الصلاة ـ حسب المشهور ـ تستطيع أن تقرأ بواحدة من هذه القراءات، وذلك مجزئ، إلا أن الاستدلال هو أمر آخر، وكلام المشهور ـ حسب الظاهر ـ لم يتطرق إلى هذا الجانب حتى يمكن الاستناد إليه للاستدلال بالقراءات الأخرى غير المشهورة.

والخلاصة: إنّ المشهور يتحدثون عن جواز القراءة لا عن صحة الاستدلال.

هذه هي كبرى البحث عن مدى حجية القراءة غير المشهورة.

إعادة صياغة البحث مع إضافات هامة[16]:

ونعيد صياغة ما مضى مع إضافات هامة فنقول: إن لدينا ثلاث نقاط هنا في النقاش مع الذين يقرأون بالقراءة الثانية، أي: بالثلاثي المجرد.

المبحث الأول: إنّ القرآن لم ينزل على سبعة أحرف، بل نزل على حرف واحد ثبوتاً، وعلى هذا فإنّ كل قراءة بغير تلك القراءة الوحيدة التي نزل بها جبرائيل الأمين على النبي الأكرم هي باطلة، وغير صحيحة ثبوتاً.

اختلاف الآراء في جواز القراءة بالقراءات السبع:

المبحث الثاني: وننتقل فيه إلى عالم الإثبات، فإنه بعد الفراغ عن تقرير مسلك الطائفة، وما أجمعوا وصاروا إليه من البطلان الثبوتي لتعدد القراءات، حيث إنه وجه من وجوه تفسير نزول القرآن على سبعة أحرف ـ كما فسر ـ أنه بعد الفراغ من ذلك، نقول: إنه ومن الناحية الظاهرية هل أجاز الشارع المقدس لنا أن نقرأ بهذه القراءات إثباتاً، وإن كانت باطلة ثبوتاً[17]؟

وفي الجواب نقول: إن الأئمة عليهم السلام لم يجوّزوا لنا ذلك حتى ظاهراً، بل إن ذلك محرم، بناءً على رأي مجموعة من الفقهاء منهم السيد الوالد، والواجب ـ فتوى أو احتياطاً ـ الاقتصار على اختيار المتعارف الذي جرت عليه السيرة[18]، خلافاً للمشهور[19].

المبحث الثالث: إنا لو تنزلنا وسلمنا بأنّ هذه القراءات هي مجازة ظاهرياً ـ وإثباتاً وهو ما عليه المشهور ـ إلا أن ذلك لا يستلزم صحة الاستدلال بها، حيث إنّ تجويز القراءة أمر وصحة الاستدلال أمر آخر.

هذه هي رؤوس المباحث الثلاثة، ونحن سوف نوجز الكلام فيها بما يتلاءم ومقام البحث.

الروايات تصرح بنزول القرآن على حرف واحد:

أما المبحث الأول: وهو أن هذه القراءات المتعددة باطلة ثبوتاً، فإنه قد وردت في ذلك روايات صحاح ننقل بعضها، ومنها: صحيحة زرارة عن الإمام الباقر عليه السلام حيث قال: «إن القرآن واحد نزل من عند واحد لكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة»[20]، وهي رواية صحيحة وصريحة في الدلالة على المراد.

وأما الرواية الثانية: فهي أشدّ صراحة من الأولى، حيث إن الفضيل بن يسار يقول: سألت أبا عبد الله عليه السلام: إن الناس[21] يقولون: إن القرآن نزل على سبعة أحرف؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: (كذبوا أعداءُ الله ولكنه نزل على حرف واحد من عند واحد)[22]، وهذه الروايات ونظائرها عليها إجماع الطائفة ولا كلام في ذلك.

مناقشة أدلة المشهور على تعدد القراءات الظاهرية:

والكلام في المبحث الثاني هو عالم الإثبات، وإننا نختلف هنا مع المشهور، فهم يرون ـ ونحن كذلك ـ أن القراءة ثبوتاً هي واحدة، إلا أنه في مرحلة الإثبات هم يقولون إنّ الأئمة عليهم السلام قد أجازوا ظاهرياً أن نقرأ كما يقرأ الناس، وعمدة استدلالهم على ذلك بدليلين وهما:

الأول: الروايات، فإن الإمام عليه السلام قد قال: (إقرأ كما يقرأ الناس)[23]، وكذلك ورد في رواية أخرى: (اقرؤوا كما عُلِّمتم)[24].

الثاني: إنَّ هذه القراءات كانت متداولة في زمن المعصومين عليهم السلام ولم يردعوا عنها، ولو كان لبان، وعدم الردع دال على الإمضاء.

ونضيف لهما: أن مقتضى الجمع بين روايات الدليل الثاني، وروايات الدليل الأول هو أن الدليل الثاني يشير إلى الحكم الظاهري، وأما تلك الروايات فإنها تشير إلى الأمر والحال الواقعي.

ولكن يرد على كلا الدليلين:

أما الدليل الثاني وهو أن الأئمة عليهم السلام قد أمضوا هذه القراءات المتعددة ففيه: أنه لا يعلم ذلك؛ فإنّ هذه القراءات هي اجتهادات من القراء السبعة أو العشرة أو الأكثر، وهذه الاجتهادات متأخرة زماناً عن نزول القرآن الكريم بعشرات السنين، ومعه كيف يدعى تواترها وشهرتها بين الصحابة؟ ولعلها لم تكن كذلك حتى بين التابعين، بل هي قد جاءت عن تابعي التابعين[25].

وعليه فلا يعلم ـ على الأقل ـ أن هذه القراءات كانت مشتهرة في زمن الأئمة المعصومين عليهم السلام، بحيث كانت هي قراءات عامة للناس.

بل نقول: إنّ هذه القراءة المتداولة حالياً كانت هي المعتمدة في تلك الأزمان، ويدل على ذلك أن هذه القراءات المتعددة رغم أنه قد صرح بها أبناء العامة في كل تفاسيرهم، إلا أنّ القرآن نفسه واحد وبشكل واحد، وتلك القراءات مذكورة في التفسير أو الحواشي، وهذا هو نفس ما كان في زمن المعصومين عليهم السلام[26]، فالقراءة كانت واحدة، ووجود اجتهادات لا يعلم شهرتها، بل قد يقال بشذوذها، لا يفيد إمضاء المعصوم لها.

وأما الدليل الأول، فنقول: إن ما جاء في الرواية دقيق، فإنه عليه السلام يقول: (اقرأ كما يقرأ الناس) والمستفاد منها هو اقرأوا كما هو في القرآن الموجود بين أيديكم الذي يقرأهُ الناس، وليس ما يقرأهُ الناس هو القراءات الموجودة في الحواشي، وعليه فإنه حتى هذه الرواية لا تدل على أن الإمام عليه السلام قد أعطى الشرعية للقراءات الأخرى، بل إنه عليه السلام أمضى ما هو مشهور من القراءة التي عليها الناس، وعليها المعول سابقاً ولاحقاً وهي واحدة، فتأمل.

هذا هو المبحث الثاني وبإيجاز[27].

جواز القراءة لا الاستدلال:

وأما المبحث الثالث فهو: سلمنا أنَّ الإمام عليه السلام قد جوَّز القراءة في مرحلة الظاهر والإثبات، إلا أنه لم يُجوِّز الاستدلال بها، وهو موطن كلامنا؛ فإنه عليه السلام قال: (اقرأ كما يقرأ الناس) ولم يقل: (استدلوا على الأحكام الشرعية بما يقرأهُ الناس) ولا تلازم بين الأمرين.

ونضيف: أنه لم يعلم أنّ علماء الطائفة الحقة زمن المعصومين عليهم السلام استدلوا بالقراءات الأخرى على الأحكام الشرعية، بل الثابت استدلالهم بالقراءة المشهورة فقط.

إن قلت: إنّ المخالفين استدلوا بهذه القراءات؟

قلنا: إنّ قاعدة الإمضاء لا تجري في عمل العامة[28].

استثناء من البحث:

ونستثني من ذلك ـ وهو استثناء مهم ـ مورداً وحيداً، وهو ذلك المورد الذي جاءت فيه روايات من طرقنا حول القراءة الثانية في آيات الولاية ـ بحسب تتبع شبه تام ـ كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ}[29]، (في علي)[30] وهذه الروايات خاصة بموضوع الولاية، وليست عامة لآيات الأحكام، ومنها: آيتنا مورد البحث (ليَضل)، والحاصل: أنها ونظائرها مخصصة لقوله عليه السلام: (اقرأ كما يقرأ الناس) بل الحق أنها خارجة موضوعاً، فتأمل.

مضافاً إلى ذلك فإن مشهور الفقهاء ـ ومنهم السيد الوالد ـ قد ارتأوا أن هذه الروايات لم تكن قراءة، بل كانت تفسيراً ببيان شأن النزول، كما هو الحال في التفسير المزجي، أو تأويلاً.

* مؤسسة التقى الثقافية
http://m-alshirazi.com

...................................
[1] من مباحث السيد المرتضى الشيرازي (دام ظله) في كتابه حفظ كتب الضلال ومسببات الفساد: ص128ـ137.
[2] انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن1: 24 ـ 25، ح7 و8 و9.
[3] انظر: تفسير الطبري1: 15، تفسير القرطبي1: 42.
[4] فـ (نزل على سبعة أحرف) أي: على تجويز سبعة أوجه متقاربة، وقد تُرك اختيارها بيد الناس!
[5] بإرجاع أحدهما للآخر. انظر: البيان في تفسير القرآن: 160 ـ 161.
[6] انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن1: 97.
[7] البقرة: 222.
[8] والقراءات قد تصل إلى عشرة، بل إن الطبري في جامعه قد أنهى القراءات إلى 22 قراءة، بل أحياناً توجد 30 قراءة كما قالوا في (أف).
[9] انظر: الكافي2: 630، ح12و13، حيث قال: الحسين بن محمد، عن علي بن محمد، عن الوشاء، عن جميل بن دراج، عن محمد بن مسلم، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: (إن القرآن واحد نزل من عند واحد ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة).
علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن الفضيل بن يسار، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إن الناس يقولون: إن القرآن نزل على سبعة أحرف، فقال: (كذبوا أعداء الله، ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد).
[10] انظر: خاتمة المستدرك 1: 347.
[11] انظر: التبيان في تفسير القرآن1: 7، حيث قال: (واعلموا أن العرف من مذهب أصحابنا والشائع من أخبارهم ورواياتهم أن القرآن نزل بحرف واحد، على نبي واحد، غير أنهم أجمعوا على جواز القراءة بما يتداوله القراء، وأن الإنسان مخير بأي قراءة شاء قرأ، وكرهوا تجويد قراءة بعينها، بل أجازوا القراءة بالمجاز الذي يجوز بين القراء ولم يبلغوا بذلك حد التحريم والحظر).
[12] والإمام الحجة المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف سيظهر القراءة الصحيحة وهي واحدة فقط.
[13] الفقه21: 71.
[14] أي: ظاهرياً.
[15] لأن البعض وجد البحث فيه بعض الصعوبة أو الغرابة ولذا أعدنا صياغته بإضافات عديدة.
[16] لكن هذه الدعوى مخدوشة صغرى.
[17] وهذا نظير الأحكام الظاهرية.
[18] وممن ذهب إلى ذلك السيد حسن القمي و السيدان الوالد والعم وآخرون.
[19] راجع العروة الوثقى في أحكام القراءة مسألة 50 مع حواشي الأعلام حولها.
[20] الكافي2: 630، ح 12.
[21] في لسان الرواة والروايات، المراد من الناس: العامة.
[22] الكافي2: 630، ح 13.
[23] الكافي2: 633، ح23.
[24] الكافي2: 631، ح15.
[25] فإن البعض من القراء قد توفي سنة 118 هـ وهو ابن عامر ـ وهو أقربهم ـ والكسائي توفي سنة 189هـ ونافع مات سنة 169هـ وهكذا... وعليه فكلهم بعيد عن زمن النص، وحال هذه القراءات هو حال المذاهب الأربعة والتي تولدت في زمن الصادقين عليهما السلام حيث أعطيت الرسمية والشرعية لها من قبل الدولة.
[26] لأصالة الإثبات، لا للاستصحاب القهقري، وهو أصل عقلائي، بل سيأتي ما يدل عليها، بل الشك كافٍ في عدم حجية سائر القراءات وعدم إجزائها.
[27] للتفصيل الأكثر يراجع الفقه21: 71، وآلاء الرحمان للإمام البلاغي، والرسائل، ومصباح الفقيه للفقيه الهمداني.
[28] لأن السكوت عن التابع الذي ينتهي بنهي الإمام عليه السلام دليل الرضا، لا السكوت عن غيره، ولاشتراط احتمال التأثير في النهي عن المنكر، فتأمل.
[29] المائدة: 67.
[30] انظر: الأمالي، للصدوق: 584، روضة الواعظين: 90، شرح الأخبار1: 104.

اضف تعليق