إسلاميات - القرآن الكريم

آثار ذكر الله تعالى وبركاته

(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فيهَا اسْمُهُ) (6)

ذكر الله تعالى يختزن بحراً من الفوائد والآثار وكنوزاً من الخفايا والأسرار، وان من يمنع مساجد الله من ان يذكر فيها اسم الله يكون السبب في حرمان خلائق الله من بركات ذكر الله وآثاره الكبرى وفوائده العظمى في مختلف شؤون الآخرة والدنيا. ولكي ندرك بعض...

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، باعث الأنبياء والمرسلين، ثم الصلاة والسلام على سيدنا وحبيب قلوبنا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين الأبرار المنتجبين، سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم إلى يوم الدين، ولا حول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم.

قال الله العظيم في كتابه الكريم: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فيهَا اسْمُهُ وَسَعى‏ في‏ خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاَّ خائِفينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظيمٌ)(1)

من البصائر: الجريمة المزدوجة: منع ذكر الله في المساجد

ان مما يستدعي التدبر والتفكر في قوله تعالى (مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فيهَا اسْمُهُ) هو تغيير التركيب والسياق في هذه الجملة من الآية الشريفة، إذ ان مقتضى الوضع الأولي ان يقال (منع ذكر الله في مساجد الله) فيكون المفعول مدخولاً للفعل (منع) مباشرة، ولكن الآية الشريفة عكست الترتيب في ظاهر اللفظ فكانت (مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فيهَا اسْمُهُ) فوقع ما هو الظرف في واقعه مفعولاً مع ان (ذكر الله) أحق بان يكون المتعلَّق المفعول، فما هي الحكمة في ذلك والفائدة والغاية من وراء ذلك؟ وذلك كما ان الترتيب الطبيعي في (نعبدك) عُكِس إلى (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) لإفادة الحصر مثلاً.

لعل التدبر يقودنا إلى بعض الوجوه لذلك وهي بين لفظية ومعنوية:

فمن اللفظية كراهة وقوع ذكر اسم الله موقع المفعول لمنع.

ومن المعنوية ـ وهذا هو المقصود الآن بالبحث ـ ان منع ذكر الله في مساجد الله جريمة مزدوجة وان ما تقتضيه مساجد الله بحسب وضعها التكويني هو ان يذكر اسم الله تعالى فيها فمن أظلم ممن حال دون ذلك؟

وذلك يتضح عبر التدبر في معادلة المكان والمكين فان المعصية ـ مثلاً ـ قبيحة لكن المعصية في بيوت الله ومساجده أقبح، وفي الآية الشريفة فان هناك أموراً ثلاثة: 1-2: أمران لكل منها حكمٌ، 3- ومجموعها وحكمه أشد وأكد، توضيحه: ان منع ذكر الله تعالى أمر قبيح وجرم فادح حتى إن كان في غير المساجد، من جهة، ومنع مساجد الله من ان يقام فيها غير ذكر الله من البرامج المستحبة، كالاحتفالات الدينية أو إلقاء الدروس فيها، قبيح أيضاً، ولكن مجمع الأمرين أشد قبحاً أي ان منع مساجد الله من ان يذكر فيها اسم الله رغم انها قد أسست ووضعت في أساسها لكي يذكر فيها اسم الله تعالى، أشد قبحاً وفداحة.

ويوضحه أكثر مثال آخر: فان منع المدارس من ان يدرّس فيها المدرسون أشد فداحة من منع كل منهما عن اقتضاءاته مستقلاً منفرداً لحاله، فمثلاً: منعُ المدِّرس من تدريس الأطفال في الحديقة أو في أرض جرداء بالقرب من المدرسة قد يكون أمراً قبيحاً فيما إذا كان في مصلحة الأطفال ولكن مع ذلك قد يمكن للمانع ان يبرر منعه بوجهٍ(2)، والعكس كذلك: منع المدارس من ان تقام فيها الأنشطة الاجتماعية والحفلات والرياضة وما أشبه فانها أمر قبيح مادامت ذات فائدة نوعية للطلبة ولكن مع ذلك قد يمكن للمانع ان يبرر المنع بوجهٍ ما، ولكن الأقبح من كل ذلك والذي لا يمكن تبريره بأي وجه من الوجوه: ان يمنع عادٍ المدارسَ من ان تقام فيها الدروس التي أسست لأجلها!!

والأمر في الآية الكريمة كذلك؛ فان مساجد الله قد أسست ليذكر فيها اسم الله، فمن أظلم ممن منع مساجد الله من ان يذكر فيها اسم الله؟

الظلم ظلم للمساجد أيضاً

والفلسفة البلاغية الرائعة: ان الآية تلفت إلى وجه ظلم يخفى على الناس عادة وهو ان هذا ظلم للمساجد نفسها إذ مُنعت من ان تسير باتجاه غاياتها وأهدافها ومن ان يلبى ما تتطلبه بلسان حال خِلقتها، والمعهود هو التفكير في ان هذا ظلم للإنسان (منعه من ذكر الله في المساجد) فأشار الباري إليه ضمناً في ضمن الإشارة إلى مصبّ آخر خفي وهو ان هذا ظلم للمساجد أيضاً (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فيهَا اسْمُهُ...) فقد حرم مساجد الله من ان يُتلى في أرجائها ذكر الله تعالى فمن أظلم منه؟.

البصيرة الثانية: وجوه أظلمية من يمنع ذكر اسم الله في المساجد

البصيرة الثانية: انه قد يتساءل عن وجه أظلمية من يمنع مساجد الله ان يذكر فيها اسمه ويسعى في خرابها؟.

وقد يجاب بان لذلك وجوهاً عديدة نقتصر في هذه العجالة على بعضها:

لأن المساجد المظهر الأعظم الدالّ على الله تعالى

الوجه الأول: ان السعي في خراب المساجد ومنع ذكر اسم الله تعالى فيها، يعدّ اعتداء مباشراً على المشير والدالّ الأكبر على الباري جل وعلا فان المساجد هي المظهر الأعظم والمجَلى الأظهر الذي يرمز إلى الله تعالى، والذي يحدّد علاقة المخلوق بخالقه عبر هذه البوابة المباركة: المسجد؛ ذلك انك لا ترى شيئاً أعظم من السجود في الدلالة على منتهى الخضوع لله جل اسمه، والمسجد هو الموضع الذي يُسجد فيه لله جل وعلا، و(السجود) هو الذي لا يوجد له نظير في تجسيده الأعظم لأصفى وأغلى وأسمى نوع من العلاقة والرابطة بين الخالق والمخلوق، ولذلك كان الأظلم هو من يستهدف مساجد الله بالاعتداء عليها والسعي في خرابها ومنع ذكر اسم الله فيها.

ولأنها تجسد القاسم المشترك بين كافة المسلمين

الوجه الثاني: ان المساجد تجسّد القاسم المشترك الأعظم بين المسلمين كافة، واستهداف القواسم المشتركة التي أقرّها الله تعالى لعباده كجامع مشترك وكملجأ آمن وحصن حصين، جريمة عظيمة بفداحة حجم ذلك القاسم المشترك.

ولكي تتضح لنا هذه الحقيقة أكثر نقول: ان حكمة الله تعالى جرت على ان يجعل للناس جوامع مشتركة متدرّجة من الجامع الأضيق فالأوسع فالأوسع فأكثرها سعة على الإطلاق...)(3)

لأن ذكر الله يختزن بحراً من الآثار وكنوزاً من الأسرار

الوجه الثالث: ان ذكر الله تعالى يختزن بحراً من الفوائد والآثار وكنوزاً من الخفايا والأسرار، وان من يمنع مساجد الله من ان يذكر فيها اسم الله يكون السبب في حرمان خلائق الله من بركات ذكر الله وآثاره الكبرى وفوائده العظمى في مختلف شؤون الآخرة والدنيا.

ولكي ندرك بعض مغزى ذلك ومدى فداحة ظلم من يمنع مساجد الله من ان يذكر فيها اسم الله، لا بد ان نستعرض بعض آثار ذكر الله وفوائده، باللسان وعلى مستوى القلب والجِنان:

ذكر الله نور القلب

- قال أمير المؤمنين عليه السلام: (( عليك بذكر الله فإنه نور القلب))(4) وكما ان الإنسان في بعده المادي إذا لفّه الظلام يتخبّط، فانه في بعده المعنوي إذا غطّاه الظلام يتخبّط أكثر فأكثر، وذكر الله هو (نور القلب) الذي يبصرّها داءها ودواءها ويكشف لها رداها من هداها.

حياة القلوب

- وقال عليه السلام: ((في الذكر حياة القلوب))(5) وكما ان البدن إذا فارقته الروح يموت ويتعفّن ويصبح جيفة نَتِنة بل ويشكل خطراً على الأحياء لو لم يدفن، فكذلك القلوب إذا تجردت عن ذكر الله ماتت وتعفنت وأصبحت مصدراً لشتى الجراثيم والأوبئة الأخلاقية والمعنوية كالحقد والحسد والكبر والغِلّ والغش والنفاق وغير ذلك.

مطردة الشيطان

- وقال عليه السلام: ((ذكر الله مطردة الشيطان))(6) فهذا العدو الخطر الذي يجري من ابن آدم مجرى الدم من العروق والبدن، يمكنك ان تطرده ببساطة إذا رطّبت قلبك ولسانك بذكر الله تعالى فتتحرر حينئذٍ من أسر أقوى الشياطين بأبسط السبل والوسائل!

براءة من النفاق

- وقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: ((مَنْ أَكْثَرَ ذِكْرَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَحَبَّهُ اللَّهُ وَمَنْ ذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً كُتِبَتْ لَهُ بَرَاءَتَانِ: بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ))(7) والنفاق أخطر الأمراض الروحية وقد قال تعالى: (إِنَّ الْمُنافِقينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ)(8) ولعل بعض أنواعه أو مراتبه تشبه ان تكون غير اختيارية (تجوّزاً) وذكر الله كثيراً هو الذي يبرئ الإنسان من النفاق، والظاهر من الحديث ان ما يلزم لطرد النفاق هو الإكثار من ذكر الله، ولا يكفي عادةً – ذكر الله قليلاً للتطهّر من مرض النفاق إلا في الأوحدي من الناس.

يستنزل الرحمة

- وقال أمير المؤمنين عليه السلام: ((الذكر يونس اللب وينير القلب ويستنزل الرحمة))(9) وقد ارتأى بعض العلماء، ولعله استقى ذلك من رواية، ان ما يستنزله الإنسان من رزق الله ورحمته ولطفه وعطائه، بذكر الله تعالى، أكثر مما يستنزله منه بالسؤال والدعاء ورغم ان الله تعالى قال: (قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ)(10) و(وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُوني‏ أَسْتَجِبْ لَكُمْ)(11) ورغم انه يستجيب بالفعل إذا ما دعا الداعي إلا ان ذكر الله تعالى من غير سؤال أدعى لقضاء الله تعالى حوائجَ عبده!

ومن البديهي ان الله تعالى يستجيب الدعاء للداعي حقاً، ولكن الاستجابة تكون على صور:

فتارة: يقضي له حاجته فوراً.

وأخرى: يقضيها له بعد حين، بعد سنة مثلاً.

وثالثة: يقضيها له بعد بعض التغيير فيها والتحوير والتطوير كما لو دعا ان يتزوج بهذه التي أغرم بها فيزوجه الله بأخرى أفضل منها.

ورابعة: يقضي له حاجة أخرى، بديلاً عن هذه الحاجة التي ألح عليها، ولم يجد الرب الجليل له المصلحة في قضائها، كما لو ألح على الله تعالى ليخرجه من طوق الفقر وذلّه إلى عزّ الغنى ومجده، لكن الله كان يعلم بعلمه المحيط انه لو اغتنى لالتقى مثلاً بضالٍّ يجره إلى الكفر أو الضلال ولا يزال به حتى يوصله إلى قعر جهنم، ولذلك يُفقره الله تعالى أو يُبقيه على فقره ولا يقضي حاجته ولكن في المقابل يدبر المولى – وهو المدّبر – ان لا يلتقى بذلك الكافر أو يمنحه مناعةً وإن التقى به.

وفي كافة هذه الصور الأربع فان (ذكر الله كثيراً) أبلغ في إعطاء الحاجات بنحو أسرع وأبلغ وأتمّ وفي الانتقال بالعبد إلى بدائل افضل فأفضل من مجرد الطلب والسؤال والدعاء والتضرع.

هداية العقول

- وقال عليه السلام: ((الذكر هداية العقول وتبصرة النفوس))(12).

والغريب في الرواية الشريفة انها عدّت (الذكر) هداية لـ(العقول) التي جعلها الله تعالى الهادي إلى الحقائق والدقائق والأسرار والرقائق، والدال والمرشد عليها إذ ((بِالْعَقْلِ عَرَفَ الْعِبَادُ خَالِقَهُمْ))(13) و(العقل ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان) ومع ذلك فان هذا الهادي بحاجة إلى هادٍ له ومرشد له وذلك الهادي هو ذكر الله فهو (الهداية للعقول) ولعل السرّ في ذلك أمران:

أولاً: ان العقل له قدرة رهيبة على الاستدلال على الشيء ونقيضه؛ ألا ترى الفلاسفة بمختلف مشاربهم يستدلون بالعقل على أمور متناقضة (كاستدلالهم به على الوجود الذهني وعدمه، وعلى العقول العشرة في قول وعلى الأكثر من العشرة في قول آخر وعلى عدمها في قول ثالث! وكاستدلال بعضهم على وحدة الوجود أو الموجود واستدلال الآخر على النقيض) وكذلك استدلال بعض الأصوليين على استحالة الترتّب بالعقل واستدلال بعضهم به على إمكانه؟ وهكذا الاستدلال به على كل من الاختيار والجبر، وغير ذلك كثير، ولا شك ان بعضها من مصاديق (البرهان) وبعضها من مصاديق (المغالطة) إلاان كل فريق يعتقد بصحة ما حكم به (أو أدركه) عقله وان دليله برهان وليس مغالطة، وههنا يتجلى دور ذكر الله تعالى تماماً فانه كما قال أمير المؤمنين عليه السلام (هداية العقول) فمن أكثر ذكر الله تعالى هدى الله عقلَه إلى الصواب وجنّبه الأخطاء ومزال الأقدام ومواضع الارتياب، وذلك كله بنحو المقتضي دون العلة التامة حسبما جرت سنّة الله تعالى.

ثانياً: ان العقل كثيراً ما تغطّيه الأتربة وتحجبه الأغطية وتزلّه الأهواء والشهوات ولذا ورد في حِكمة بعثة الأنبياء ((وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ))(14) فان (العقل) كأي مخلوق آخر عُرضة لأن يتلوّث ويتكدر، وإنما جلاؤه وهدايته وصفاؤه بالذكر.

تبصرة النفوس

واما (تبصرة النفوس) فلأن النفس هي كما قال تعالى: (وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها * فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها)(15) وبالذكر تعرف غيّها وعماها وتميزها عن رشدها وهداها.

جلاء البصائر

- وقال عليه السلام: ((الذكر جلاء البصائر ونور السرائر))(16).

أما جلاء البصائر فلأن البصيرة كالبصر قد يعلوها الصدأ وتغطيها الجراثيم والأمراض والأتربة، وكما يجب ان نرجع إلى الطبيب في جلاء البصر وتطهيره من (الماء الأسود) مثلاً، كذلك يجب ان نرجع إلى طبيب البصائر لجلاء ما علق بها من أقذار وأقذاء وحجب، وأطباء البصائر هم رسل الله والأوصياء عليهم السلام، وقد أرشدنا أمير المؤمنين إلى ان جلاء البصائر يكون بذكر الله تعالى.

نور السرائر

واما السرائر فنورها الذكر، وذلك لأن سريرة الإنسان مجهول في مجهول وظلام في ظلام إذ تشتمل السريرة على كافة ما في منطقة اللاوعي والوعي الباطن التي لا يتذكر الإنسان حتى واحداً بالألف مما يكمن فيها كما تشتمل على خفايا ما انطوت عليه النفس وكافة ما تحمله الموّرثات والجينات الوراثية من إرث تاريخي لا محدود ـ نسبياًـ، والنور الوحيد الذي بمقدوره ان ينير السرائر هو ذكر الله تعالى، ومن البديهي ان لذكر الله جل اسمه درجات ومراتب وألواناً وتجذراً وتأصّلاً وقوة وضعفاً، وعلى حسب تلك الدرجات تكون درجات الإضاءة ومراتب الإنارة. فهذا كله من جهة ومن جهة أخرى فانه:

إِذَا رَأَيْتَ عَبْدِي يُكْثِرُ ذِكْرِي... وَأَنَا أُحِبُّهُ

نظراً لما للذكر من عظيم المنزلة عند الله تعالى جاء في الحديث ((عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه واله وسلم أَنَّهُ قَالَ: يَا رَبِّ وَدِدْتُ أَنِّي أَعْلَمُ مَنْ تُحِبُّ مِنْ عِبَادِكَ فَأُحِبَّهُ؟

فَقَالَ: إِذَا رَأَيْتَ عَبْدِي يُكْثِرُ ذِكْرِي فَأَنَا أَذِنْتُ لَهُ فِي ذَلِكَ وَأَنَا أُحِبُّهُ وَإِذَا رَأَيْتَ عَبْدِي لَا يَذْكُرُنِي فَأَنَا حَجَبْتُهُ وَأَنَا أُبْغِضُهُ))(17).

وهذا مقياس دقيق وسهل وواضح في الوقت نفسه فان الكثير من المؤمنين يرغبون في التعرف على أولياء الله ومصادقتهم، ولكن كيف يمكن اكتشافهم خاصة وان الظواهر كثيراً ما تخالف البواطن والسرائر؟ وقد ذكر النبي صلى الله عليه واله وسلم مقياس (الإكثار من ذكر الله) كدليل مرشد إلى أولياء الله الذين يحبهم الله تعالى، فالإكثار هو المعيار وليس ذكر الله فحسب.

كما اعتبر الأمير عليه السلام الذكر مقياساً لنفسك فيما بينك وبين الله، فإذا أردت ان تعرف هل ان الله يحبك أو لا فأصغ إلى ما يقوله أمير المؤمنين عليه السلام: ((إذا رأيت الله يؤنسك بخلقه ويوحشك من ذكره فقد أبغضك))(18).

خصائص وآثار أخرى لذكر الله تعالى

ثم ان لذكر الله تعالى خصائص وآثاراً كثيرة أخرى:

ومنها: انه يشكل البديل الإيماني الأكبر والحاجز الأعظم عن الغيبة والتهمة والنميمة وفجور القول وغير ذلك، بل انه يعدّ من أهم الحواجز عن المعاصي كلها.. ألا ترى ان الرجل في السوق أو الشاب في الجامعة أو غيرهما في غيرهما إذا همّ بان ينظر إلى أجنبية فتذكر الله تعالى وذكره وكرّر ذكره حجزه ذلك عن معصيته؟

وكذلك لو ذكره وكرّر ذِكره فانه يحجزه ذلك عن الرشوة والسرقة والطغيان والعدوان وظلم الأهل والجار والشريك وحتى المنافس والعدو؟.

ومنها: ان ذكر الله يستدرّ الرزق ويدرّه درّاً، وليس المراد بالرزق المال فقط، بل الرزق بالمعنى الأعم الذي يشمل: المال، وماء الوجه، والعلم، والذرية الصالحة إلى يوم القيامة، ورضى الرب قبل ذلك كله!

ومنها: انه يمنح الإنسان نوراً في وجهه ونوراً في قلبه ونوراً في يمينه في الدنيا والآخرة، قال تعالى: (أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشي‏ بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ)(19).

ومنها: انه يرزق الإنسان نضارةً وجمالاً ومهابةً وبهاءً.

ومنها: انه يعدّ من أهم عوامل القضاء على قسوة القلب، والدور بينهما شبه المعيّ فان قسوة القلب تحجز الإنسان عن الذكر والذكر يزيل قسوة القلب، وعدم الذكر يسبب قسوة القلب كما انها تكون من أسبابه.

ومنها: انه من أهم عوامل الشفاء من الأمراض خاصة الخطيرة منها.

وقد عاصرت شخصياً احدى ثمرات ذكر الله تعالى في واقعة غريبة حقاً وهي ان أحد مشاهير الخطباء في أثناء زيارته لمشهد المقدسة ابتلي بمرض غريب في عينه، حيث انه، وفي مرض نادر، ابتلي بالحول المزدوج أي انه كان يرى الواحد أربعة(20) وقد حدث ذلك فجأة حينما كان واقفاً على قارعة الطريق ينتظر سيارة تقلّه للحرم الشريف وعندما توقفت سيارة أمامه تصور ان أربع سيارات وقفت أمامه! فأثار ذلك استغرابه جداً!، كما انه شاهد أربعة أشخاص في المقعد الأمامي وأربعة في المقعد الخلفي مع ان شخصاً واحداً كان في المقعد الخلفي وكان السائق فقط في المقعد الأمامي! وعندما دعاه السائق، وكان أحد أصدقائه، للركوب في السيارة قال له مازحاً معاتباً أين أجلس والسيارة مليئة بالجالسين! وعندما رأى استغراب صديقه الشديد وإصراره على الركوب.. عرف ان حدثاً حدث.. وعندما أمعن النظر رأى الأربعة أشخاص متشابهين تماماً! واستغرق الأمر منه عدة لحظات ليدرك ان مرضاً غريباً أصاب عينه حتى صار يرى الواحد أربعة!

وعندما راجع الأطباء، لم يفهموا السرّ، وبعد الفحوصات الكثيرة والتحقيق تبين انه مرض نادر جداً وانه لا يُعرف له علاج.. وهنا لجأ ذلك الخطيب إلى ذكر الله والتوسل بالله وكان بالقرب من ضريح الإمام الرضا عليه السلام متوسلاً داعياً ضارعاً ذاكراً الله تعالى عندما أذن الله له بالشفاء الكامل فاستعادت عينه وضعها الطبيعي تماماً.

والأعظم من ذلك كله قوله تعالى (فَاذْكُرُوني‏ أَذْكُرْكُمْ)(21) وان الواحد منّا يتمنى ان يذكره بالخير مرجع تقليده أو قائده أو شيخ عشيرته أو رئيس شركته أو أبوه، مع انهم لا يملكون من أمره إلا القليل، فما بالك برب العزة والجلالة لو ذَكَرَنا في هذه الحال وعلى كل الأحوال؟

ومن ذلك كله نعلم بعض السر في قوله تعالى (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فيهَا اسْمُهُ وَسَعى‏ في‏ خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاَّ خائِفينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظيمٌ) فان من يمنع مساجد الله ان يذكر فيها اسمه يكون السبب في حرمان البشرية من كافة تلك الخواص والآثار والبركات والثمار التي سبقت، وغيرها مما لم نذكره، أفليس هو الأظلم حينئذٍ حقاً؟

وقد سبق ان مساجد الله يقصد بها الأعم من المساجد الموقوفة بالوقف الخاص (ومن المساجد بالمعنى الأعم إذ المراد كافة بقاع الأرض التي يمكن ان يُعبد الله فيها ويُذكر، والظاهر هو هذا المعنى الأخير وأنّ التفاسير السابقة هي تفسير بالمصداق الأجلى أو بشأن النزول، ويدلّ على هذا الأخير:

أولاً: القاعدة العامة بان الجمع المضاف يفيد العموم و(مَساجِدَ اللَّهِ) جمع مضاف فيراد به كل مسجد لله جل اسمه وتخصيصه ببعضها لا وجه له إلا التفسير بالمصداق أو بشأن النزول وهو غير مخصص.

ثانياً: لدلالة بعض الروايات على التعميم ((فعن زيد ابن علي عن آبائه عن علي عليه السلام أنه أراد جميع الأرض لقول النبي صلى الله عليه واله وسلم: جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِداً وَتُرَابُهَا طَهُوراً))(22) فكل الأرض هي مسجد بصريح الروايات، وجمعها مساجد.

ويؤكده قوله تعالى: (وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً)(23) والمراد بها مطلق المساجد، فالمراد بـ(مَساجِدَ اللَّهِ) المطلق كذلك، وذلك بناء على إرادة محالّ السجود من الأرض من قوله (وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً) وفي الروايات ان المراد بها مواضع السجود السبعة، ولعله من التفسير بالمصداق أو بأحد الوجوه. وتحقيقه في محله.

ويؤكد التعميم أيضاً ما ورد من قول ((علي بن الحسين (عليهما السلام):

ولقد كان من المنافقين والضعفاء أشباه المنافقين قصد إلى تخريب المساجد بالمدينة وتخريب مساجد الدنيا كلها بما همّوا به من قتل علي عليه السلام بالمدينة وقتل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في طريقهم إلى العقبة يعني في غزوة تبوك))(24).

والرواية تفيد أحد أمرين: اما انهم هموا بهدم كافة المساجد بعد قتل الرسول صلى الله عليه واله وسلم والأمير عليهم السلام، أو انهم اعتبروا ان قتلهما (عليهما السلام) مقدمة موصلة طبيعياً لهدم الدين وتخريب مساجد المسلمين.

وصفوة القول انه: للمسجد إطلاقان أعم وأخص)(25)

ومن ذلك أيضاً نعرف فداحة إجرام آل سعود إذ هدموا المساجد الكثيرة في مكة والمدينة وهدموا الأضرحة المقدسة في البقيع الغرقد، بل انهم الآن يمنعون المؤمنين حتى من مجرد الوقوف عند تلك القبور المطهرة وقراءة القرآن أو الدعاء عندها، ولو سمحوا لدقائق فانهم سرعان ما ينهالون على الزوار بوابل من غليظ القول ثم من شديد الفعل إمعاناً في منعهم عن ذكر الله تعالى!

البصيرة الثالثة: حاكمية ذكر الله على وجه الأرض

ثم اننا إذا أذعنّا بان أظلم الناس هو من يمنع مساجد الله تعالى ان يذكر فيها اسمه، وجب علينا ان ننتهج منهجاً يؤدي إلى حاكميه ذكر الله على وجه الأرض، وان نقوم بالتخطيط الشامل ليعمّ ذكره أرجاء المعمورة.

الموسيقى هي الحاكمة في بلاد المسلمين!

والغريب ان نجد المنهج الغربي بحاكمية الموسيقى، بدل ذكر الله، هو المهيمن حتى في بلاد الإسلام.. ولذلك تجدان أصوات الموسيقى، للأسف الشديد، هي التي تصدح في المطارات.. وفي الصالات الرياضية.. وفي الكثير من الشركات والمصانع والمعامل والمؤسسات العامة والخاصة.. وذلك في عامة الدول الإسلامية.. أليس غريباً ذلك؟ ألم يكن من المفروض ان تمتلأ أجواء المطارات والشركات وغيرها بأريج ذكر الله وعطر تلاوة القرآن الكريم والأدعية الشريفة؟

والأغرب من ذلك انك لا تجد حتى في الجامعات والمدارس ـ التي تبنى قادة المستقبل ـ أجواء ذكر الله.. ومن العجب انهم يعلّلون ذلك بان هذه جامعة وليس مسجداً! وقد غفلوا عن ان التعليم بدون التربية والتزكية إنما هي صفر إلى الشمال، وان الطالب إذا تخرّج من الجامعة بدون ان يحظى بقسط وافر وأساسي من تزكية النفس وتهذيبها ومن استشعار هيمنة الله عليه فانه يشكل خطورةً على المجتمع إذا صار وزيراً أو نائباً أو مسؤولاً كبيراً أو حتى إذا صار طبيباً أو مهندساً أو محامياً أو غير ذلك.. إذ ما أخطر العلم من دون التقوى وتزكية النفس؟ ذلك ان التقوى والتزكية والتربية هي السدّ الداخلي المنيع الذي يحول دون انقضاض المسؤولين على ثروات البلاد وسرقتها بألف اسم واسم وتحت ألف قناع وقناع وبألف حجة وذريعة.. والتقوى هي الحرز الواقي من ان يخدع الطبيب بعض مرضاه أو ان يستغلهم جنسياً أو شبه ذلك، كما انها الجُنّة المنيعة التي تقي صاحبها من الوقوع في أشراك النصب والاحتيال والرشوة وغير ذلك.. والغريب مع ذلك ان تتخوف الجامعات من ان يصدح اسم الله تعالى في أروقتها ولا تتخوف من ان تخرّج وحوشاً آدمية وتصدّرهم إلى المجتمع!

الصحيفة السجادية أسمى تجليات ذكر الله(26)

ثم ان من أفضل سبل نشر ذكر الله في العالم (الصحيفة السجادية) فانها زبور آل محمد صلى الله عليه واله وسلم الذي يجسد أرقى وأنقى وأبهى صور ذكر الله الكبير المتعال، وذلك عبر طباعتها بمئات الملايين، وعبر القيام بحملة ترويجية كبرى لها في شتى مختلف وسائل التواصل الاجتماعي والفضائيات، وغيرها..

وانني اعرف أناساً وصلتهم الصحيفة السجادية في السجون(27) وكان منهم شخصيات سياسية أو اجتماعية ناشطة وقد سجنوا لمجرد معارضتهم للاستبداد الحاكم في تلك البلاد.. فأحدثت الصحيفة السجادية في تلك الشخصيات تحولاً جذرياً، بل وتحوّل بعضهم إلى مذهب أهل البيت عليهم السلام نتيجة اشراقات هذه الصحيفة الربانية.

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين

* سلسلة محاضرات في تفسير القرآن الكريم
http://m-alshirazi.com

....................................
(1) سورة البقرة: آية 114.
(2) كمزاحمته لحقوق روّاد الحديقة مثلاً.
(3) دروس في التفسير والتدبر (311).
(4) غرر الحكم: ص189.
(5) المصدر نفسه.
(6) المصدر نفسه: ص188.
(7) ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران: ج2 ص499.
(8) سورة النساء: آية 145.
(9) غرر الحكم: ص189.
(10) سورة الفرقان: آية 77.
(11) سورة غافر: آية 60.
(12) غرر الحكم: ص189.
(13) ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران: ج1 ص28.
(14) نهج البلاغة: خطبة (1) من خطبة له عليه السلام يذكر فيها ابتداء خلق السماء والأرض... واختيار الأنبياء.
(15) سورة الشمس: آية 7ـ8.
(16) غرر الحكم: ص189.
(17) المحدث النوري، مستدرك الوسائل، مؤسسة آل البيت عليهم السلام ـ قم: ج5 ص293.
(18) غرر الحكم: 318.
(19) سورة الأنعام: آية 122.
(20) العين تنقل الأشعة عبر نواقل العصبية إلى مراكز الابصار الخاصة في المخ، فخلايا المخ هي التي تشاهد الصور في الحقيقة، فإذا تجزءت الأشعة وانقسمت على خلايا ابصار رآها الأحول اثنتين وإذا تجزءت على أربعة مناطق رآها أربعة!
(21) سورة البقرة: آية 152.
(22) نعمان بن محمد التيميمي المغربي، دعائم الإسلام، دار المعارف – مصر، 1385هـ، ج1 ص120. وتفسير الصافي، منشورات مكتبة الصدر – طهران، ج1 ص181-182.
(23) سورة الجن: آية 18.
(24) تفسير الإمام العسكري عليه السلام، ص560. وتفسير الصافي، منشورات مكتبة الصدر – طهران، ج1 ص182.
(25) دروس في التفسير والتدبر (1/307).
(26) بعد القرآن الكريم.
(27) سجون مصر والسعودية والسودان، بالذات.

اضف تعليق